أخبار

عقبات تعترض نهج إدارة أوباما تجاه سوريا وإيران

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

في إطار الرؤية الداعية للتغيير لاسيما فيما يتعلق بالسياسة الخارجية تجاه الشرق الأوسط، يبدو أن إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما تتبع نهجًا دبلوماسيا نحو سوريا وإيران مفاده أن تتبنى واشنطن لاقتراب أقل ميلاً للمواجهة وأكثر ميلاً إلى حل النزاعات من شأنه أن يؤدي بالدولتين (أي سوريا وإيران) إلى إعادة النظر في سلوكهما المتمرد في المنطقة.

واشنطن: بعد مرور عام على وجوده في البيت الأبيض، يتجه كثير من المحللين الأميركيين إلى تقييم سياسة أوباما الخارجية تجاه مختلف القضايا، محاولين الوقوف على ما تم تحقيقه من نجاحات وما أصابها من إخفاقات. وفيما يتعلق بملف العلاقات مع سوريا وإيران، يرى كثيرون أنه مازالت هناك جملة من العقبات تواجه نهج إدارة أوباما حيال الدولتين.

في هذا السياق يأتي المقال الذي تم نشره في العدد السادس (لشهر كانون الأول/ديسمبر 2009) من إصدارات Middle Eastern Outlook الصادرة عن المعهد الأميركي لأبحاث السياسات العامة، تحت عنوان "المحور الدائم لإيران- سوريا- حزب الله" والذي قام بإعداده مايكل روبين، الباحث المقيم في المعهد الأميركي لأبحاث السياسات العامة .

ينطلق المقال من افتراض بأن سوريا تبدو غير راغبة في التخلي عن دعمِها للمنظمات الإرهابية، فهي مثل إيران، تظل قوة مربكة وخطيرة في منطقة الشرق الأوسط، وبالتالي يبدو من الصعب أن تقوم إدارة أوباما بنقل سوريا إلى قائمة الدول العربية الأكثر اعتدالاً كما تريد.

وفي تفصيل ذلك يشير المقال إلى أن إخفاق إدارة أوباما في هذا الصدد يتأكد في ضوء حقيقة أنه في حين ترحب كل من طهران ودمشق بالمبادرات والحوافز الأميركية، تتجه كلتاهما إلى استخدام وكلائهما لمتابعة تحقيق أهدافِهما الراديكالية وتهديد استقرار المنطقة. قد تكون إيران هي الراعي الرئيس لحزب الله، لكن سوريا هي رمانة الميزان التي تسهل لإيران تقديم دعمها للمقاتلين الأجانب. وعلى الرغم من أن إسرائيل هي الهدف المباشر لهذا التحالف بين إيران وسوريا، إلا أنه يشكل كذلك تهديدًا للمصالح الأميركية.

بدايات التوجه نحو العمل بالوكالة

أنشئ حزب الله كوكيل لإيران على خلفية الغزو الإسرائيلي للبنان في عام 1982، إذ قام الحرس الثوري الإيراني بدعم هذه المجموعةَ الجديدة كما دعمت الجماعات والقوات الشيعية الأخرى في جنوب لبنان. ولا تخفي المصادر الحكومية الإيرانية مسئوليتها عن إنشاء الجماعة بل إنها تُفاخر بذلك بشكل واضح في المحافل المختلفة، بل إن أحد الدبلوماسيين الإيرانيين أشار في حديث صحفي إلى أن السفارة الإيرانية في دمشق أصبحت أكثر السفارات الإيرانية أهمية في العالم، لأنها أضحت بمثابة "مركز إقليمي" لأنشطة إيران الدبلوماسية التي تمتد من دمشق إلى بيروت والأراضي الفلسطينية ومن خلالها تدار مجموعة من الملفات المهمة أبرزها علاقات إيران مَع سوريا، وحزب الله، والمنظمات الفلسطينية.

وتشير المقالة إلى أن إيران وسوريا عملتا معًا لتوحيد الشيعة الذين كانوا مقسمين خلال أوائل الثمانينات بين حركتي أمل وحزب الله. حيث قاد رئيس الاستخبارات السورية في لبنان بإدارة المصالحة بين الجانبين بما أفضى إلى نصر حزب الله. وعلى الرغم من أن سوريا تعد دولة علمانية فإن الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد كان يكن احترامًا لآية الله الخميني، وكان ممن يعتقدون أن أي معارضة للجمهورية الإسلامية تعد خيانة للقضايا الفلسطينية والعربية والإسلامية. وبحلول عام 1988، صار حزب الله هو القوةَ المهيمنة ليس فقط في جنوب لبنان، حيث قدم نفسه كطليعة قوة المقاومة ضد الاحتلال الإسرائيلي، ولكن أيضًا في بيروت، التي ظلت تحت الاحتلال السوري على مدار السنوات السبع عشرة التالية.

ازدهر وجود حزب الله في ظل "الاحتلال" السوري، حيث قامت كل من الحكومتين السورية والإيرانية باستخدام حزب الله لشن حرب بالوكالة ضد إسرائيل. ومع الاعتراف بأهمية الرمزية في الشرق الأوسط، لا يمكن التقليل من أهمية قيام نصر الله بتقبيل يد خامنئي حينما تقابلا في إبريل 2001. قبل الانسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان، شن حزب الله كثيرًا من الهجمات الانتحارية ضد القوات الإسرائيلية في لبنان، فضلا عن الهجمات التي قام بها في الفترة بين الانسحاب الإسرائيلي وانفجار الحرب بين إسرائيل ولبنان في 2006.

لم تقم الحكومة السورية بقطع النظر عن نشاطات حزب الله المهددة لسيادة لبنان فحسب بل قامت كذلك بتيسير دخول الصواريخ الإيرانية إلى حزب الله. ويلاحظ أنه في السنوات الأخيرة زاد عدد الصواريخ الإيرانية إلى حزب الله كما تحسنت نوعيتها، إذ يقدر الخبراء القوة الصاروخية لحزب الله بعدد يتراوح بين 10,000 -12,000 قذيفة، غالبيتها من صواريخ الكاتيوشا التي توفرها إيران لحزب الله.

ويرى البعض أن فشل القوات الإسرائيلية في القضاء على حزب الله في حرب 2006 أدى بالبعض إلى اعتبار أن حزب الله هو الذي انتصر في هذه الحرب لاسيما وأنه كان القوة العربية الوحيدة التي تمكنت من ضرب حيفا منذ تأسيس إسرائيل في عام 1948. ويرى البعض أن صعود حزب الله جاء على حساب سوريا.

هل ما زالت سوريا مهمة؟

وفي مقالته تناول الكاتب الدور السوري في تعظيم قوة حزب الله اللبناني والمنظمات الفلسطينية، فيقول إن دمشق وفرت مناخًا آمنًا للمكاتب، والموظفين، والمنظمات ليس فقط التابعة لحزب الله، ولكن كذلك للجماعات الإرهابية الفلسطينية، ومنذ عام 2003 للإرهابيين الإسلاميين في العراق.

في 1996 كانت هناك دلائل على أن إيران توفر معونات مالية مهمة لعديدٍ من الجماعات "الإرهابية" في لبنان، حيث تمد كلاً من حماس، والجهاد الإسلامي، بعدة ملايين من الدولارات سنويًّا، في حين يحصل حزب الله وحده على حوالي 100 مليون دولار، وقد وصلت تقديرات البعض للمساعدات الإيرانية إلى حزب الله حاليا بما يقارب 200 مليون دولار سنويًا. كما تدعم إيران هذه الجماعات بالأسلحة والتدريب، (و في بعض الحالات) بالتوجيه العملياتي.

وتمر تجارة الأسلحة خلال سوريا، وهذا ما تُؤكده تقارير قوات حفظ السلام العاملة في لبنان، إذ تشير هذه التقارير إلى أنَّ حجمَ التجارةِ الكلية يتراوح ما بين 2.5 إلى 3 مليار دولار، وهو ما يوفر غطاءً تقليديًّا لنقل شحنات الأسلحة.

وهنا تجدر الإشارة إلى الدور الذي تلعبه طائرات الشحن الإيرانية في هذا الإطار لاسيما عندما تمر في مطار دمشق الدولي، وقد كان الشك في دور هذه الطائرات في تجارة الأسلحة المحظورة هو ما دفع الاتحاد الأوروبي لمقاطعة طائرات الشحن الجوي الإيرانية.

ويشير مايكل روبين في مقالته إلى أن حزب الله ليس المتلقي الوحيدَ للهبات الإيرانية التي تمر عبر الأرضِ السورية، إذ تشير بعض التقارير إلى أن المساعدات الإيرانية إلى حماس تراوحت بين 20 مليون و50 مليون دولار سنويًّا خلال التسعينيات.

وتمر غالبية هذه المساعدات من خلال حزب الله، ففي أعقاب موت الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات في عام 2004، على سبيل المثال، حولت المخابرات الإيرانية ما يقرب من 22 مليون دولار من خلال حزب الله لتمويل الجماعات "الإرهابية" الفلسطينية ـ حسب مايكل روبين ـ الأكثر ميلاً إلى الخط الإيراني.

ويري روبين أن اغتيال عماد مغنية القيادي في حزب الله في دمشق يبرز الدور الحاسم لسوريا على ساحة "الإرهاب الدولي" حسبما ذهب روبين.

ي الواقع يمكن أن يقوم عملاء أو رجال حزب الله ببعض الأعمال "القذرة" نيابة عن سوريا وإيران. ليس فقط ضد إسرائيل ولكن أيضًا ضد القوات الغربية في العراق، بل و ضد لبنان ذاتها. وتزداد أهمية سوريا مع قيام السلطات في طهران بتوضيح التزامها بدعم حزب الله والجماعات الفلسطينية، التي تعتبرها الولايات المتحدة إرهابية.

لا تزال سوريا محورية

ويذهب روبين إلى أن الرغبة في إحراز تقدم في عملية السلام في الشرق الأوسطِ، تكشف عن أبعاد المحور القائم بين سوريا وإيران، كما أن نهاية دعم سوريا للإرهاب يحفز جهود إدارة أوباما لنقل سوريا إلى خانة المعسكر الأكثر اعتدالاً الذي يضم دولاً مثل مصر والسعودية والعراق والأردن، والتي قد لا تظهر ولاءً مستمرًّا للولايات المتحدة في سياستها الخارجية، لكنها تبقي دعمها للإرهاب غير مباشرٍ، فضلاً عن عدم قبولها للنفوذ الإيراني في المنطقة.

وحسب الكاتب يبدو نجاح السياسة الخارجية لإدارة أوباما تجاه سوريا منقوصًا بدرجة كبيرة، فالتنازلات السورية التي شملت مثلاً السماح للمركزِ الثقافيِ الأميركي بإعادة فتح أبوابه كانت فاترة، بل وتقابلها جهودًا مستمرة من قبل دمشق في مجال تقديم تسهيلات للإرهاب. ولا يبدو أن طهران ودمشق قد قللتا من مدى قوة علاقاتهما؛ إذ تتكرر لقاءات الرئيسين الإيراني محمود أحمدي نجاد والسوري بشار الأسد. فضلاً عن تأكيد نجاد على أن علاقات طهران- دمشق تزداد عمقًا وقوة بمرور الأيام، ومن غير المتوقع أن تتأثر بأي تطورات أخرى.

إن الجهود الأميركية - الإسرائيلية لتقييد عبور الأسلحة الإيرانيةِ في عرض البحر، تسبب حرجًا إلى إيران، إلا أنها تزيد من أهمية دور سوريا كطريق لتسليم الأسلحة. وقد شهد العقد الماضي عدة حالات لاعتراض شحنات من الأسلحة، من قبيل:

استيلاء البحرية الإسرائيلية في يناير 2001 على حاويتي أسلحة لبنانيتين.

في يناير 2002، اعترضت البحرية الإسرائيلية سفينة كارين أي الموجهة إلى غزة، حينما كانت في البحر الأحمر وعلى متنها خمسين طن من الأسلحة الإيرانية المتطورة.

في مايو 2003، اعترضت البحرية الإسرائيلية سفينة الصيد "أبو حسن" والتي كانت تحمل على متنها عديدًا من الأسلحة والمتفجرات.

في يناير 2009، اعترضت البحرية الأميركية مقاتلة إيرانية تحمل تجهيزات عسكرية إلى سوريا فيما يعد انتهاكًا واضحًا لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 1559.

في نوفمبر 2009، اعترضت البحرية الإسرائيلية سفينة تحمل ثلاثمائة طن من الأسلحة الإيرانية كانت متجهة إلى حزب الله.

إن أهمية سوريا في هذا السياق تتزايد مع قيام السلطات في طهران بتأكيد التزامها بدعم حزب الله والجماعات الفلسطينية، التي تعتبرها الولايات المتحدة إرهابية. فعندما قام نجاد بزيارة دمشق الربيع الماضي، اجتمع بزعماءِ جماعات "إرهابية" ـ حسب توصيف الكاتب ـ مقرها في دمشق ووعدهم باستمرار دعم طهران لهم، فضلاً عن إعلان الناطق باسم البرلمان الإيراني علي لاريجاني أن بلاده فخورة بالدفاع عن حماس وحزب الله، لأنهم مقاتلون في طريقِ الله.

الخطر في أن تصبح سوريا ملاذًا آمنًا

إن دعم سوريا المستمر للإرهابيين وغيرهم من المقاتلين الأجانب يقوض أي مكاسب دبلوماسية تحققها الولايات المتحدة. وبسبب سوريا، فشل قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة رقم 1701 في منع إعادة تسليح حزب الله. ويتمتع الحرس الثوري الإيراني الآن بسلطة سياسية غير مسبوقة، ولذا فإن تصريحات قائده بشأن القضاء على إسرائيل على يد جنود حزب الله، لابد أن تثير مخاوف واشنطن والعواصم الأوروبية حول تفجر الأوضاع في المنطقة.

وفي ختام مقالته يرى روبين أن التقارير الأخيرة التي تشير إلى قيام إيران بنقل أقنعة غاز وأسلحة كيميائية إلى حزب الله عن طريق سوريا يجب أَن تزيد من القلق الدولي بشأن مواجهة الجمهوريةَ الإسلامية في المفاوضات الدولية حول نشاطاتِها النووية. فهناك قناعة بين مختلف الأكاديميين والساسة الأميركيين بأنه في حالة قيام الولايات المتحدة أو إسرائيل بتوجيه ضربة عسكرية ضد المنشآت النووية الإيرانية، فإن طهران سترد على تلك الضربة ولو جزئيًّا من خلال تنشيط الشبكات "الإرهابية" التي تعمل بالوكالة عنها.

ويخلص إلى إن سوريا تقوم بدعم كل من الجماعات الفلسطينية في غزة، حزب الله في لبنان، والمقاتلين الأجانب في العراق، ومن ثم فمن المتوقع أن تقوم كل منها بالهجوم على المصالح والأهداف الغربية في المنطقة في حال شن حرب ضد إيران.

ويختتم مقالته بالقول: إنه في ضوء هذه المعطيات يبدو من قبيل السخرية أن تواصل الإدارة الأميركية قبول صدق توجهات سوريا. ومع الاعتراف بصعوبة إيقاف تقديم الدعم للجماعات الإرهابية، كما إنه من غير المتوقع أن تقدم هذه الجماعات على التقليل من قدراتها، لذا فمن الواضح الآن إلى أي حد يبدو أن السماح للإرهابيين باستعمال مثل هذه الأسلحة سيكون ذا كلفة عالية حقًّا.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف