أخبار

من حلم شاب في كيلمارنوك إلى شركة فيها 25 ألف موظف

ومشى "جوني ووكر" فغزا العالم!

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

يبدو وجود ويسكي "جوني ووكر" لازمًا في حياة هذا العالم، وقصة بلوغ هذا المشروب الكحولي هذا الانتشار العالمي تبدو خيالية، لكنها غير خالية من تصميم على النجاح وعوامل نجاح تعكس اقتصادات السوق.

بيروت: دولة المكسيك آخذة في التطور، ويمكن رؤية ذلك في ارتفاع صادرات البلاد، وشبه انعدام الهجرة إلى الولايات المتحدة، وحماسة المستثمرين في السندات الدولية، ورفع تصنيفها الائتماني من قبل مؤسسة ستاندرد آند بورز، وتشكل طبقة وسطى واثقة، ومضاعفة الناتج المحلي الإجمالي للفرد الواحد منذ العام 2000، طبعًا إلى جانب الرئيس الشاب الجديد الحيوي والوسيم. لكن في حال غابت كل هذه العلامات، يبقى الدليل الأوضح على التقدم والتطور في المكسيك هو إعلان ويسكي "جوني ووكر"!

فعلى الرغم من أن الإعلان التلفزيوني لا يقول شيئًا عن هذا المنتج الكحولي، إلا أنه يفصح الكثير عن مسيرة هذه البلاد الطويلة من الفقر نحو الازدهار. في الإعلان، يظهر الآلاف من المكسيكيين، رجالًا ونساءً، صغارًا وكبارًا، مقيدين بالسلاسل إلى صخرة ضخمة. يحاولون السير إلى الأمام وتسلق أعلى الجبل، لكن الصخرة تسحبهم إلى أسفل من جديد.

وما أن يقعوا أرضًا حتى يندفعوا إلى الأمام مرة أخرى، لكن الصخرة تنزلق ثانية إلى أسفل وترميهم مجددًا، فيقفون من جديد، واحدًا تلو الآخر ويحررون أنفسهم من القيود. يمشون بثقة والابتسامة تعلو وجوههم تاركين الصخرة وراءهم. عندها فقط تعلو الموسيقى، وتشرق آفاق السماء الزرقاء وتظهر عبارة جوني ووكر الشهيرة Keep Walking Mexico.

نمو عالمي

إعلان رائع، وما يتضمنه يغفر لمسألة عدم معرفة أنه إعلان خمر اسكتلندي على الفور. فالتركيز يصب على المكسيك مع تلميح مألوف وحيد وهو شعار جوني ووكر، "الرجل الذي يستمر بالمشي".

ونشرت فورين بوليسي تقريرًا عن استراتيجية شركة جوني ووكر في السيطرة على أسواق العالم، واعتبرت أن الإعلان استعارة من إنجاز وطني واضح، لكنه لا يتحدث فقط عن المكسيك اليوم، بل يسلط الضوء أيضًا على اندفاع جوني ووكر في الأسواق الناشئة، إلى جانب شركات متعددة الجنسيات، والمنتجات الاستهلاكية للحصول على حصة في تسونامي الطبقة المتوسطة التي تتشكل حول العالم.

وتشير تقديرات معهد بروكينجز إلى أن الطبقة الوسطى العالمية سوف تصل إلى 4.9 مليارات نسمة بحلول العام 2030، وهو تزايد بمقدار ثلاثة مليارات من اليوم، وستنفق 56 تريليون دولار في السنة، ارتفاعًا من 21 تريليون دولار اليوم. كل ذلك النمو سيأتي تقريبًا من الاقتصادات الناشئة، ما يعني أن الكثير من الناس سيتقدمون، وبالتالي من المحتمل أن يشربوا ويسكي جوني ووكر.

وهذا هو السبب في أن التنفيذيين من ستاربكس وماكدونالدز وكوكا كولا وغيرها من الشركات المتعددة الجنسيات يرون مستقبل شركاتهمفي الطبقة الوسطى العالمية، وهذا هو السبب في أن الشركة الأم لجوني ووكر (دياغو) تتجه نحو فتح المزيد من متاجر بيع الخمور، من التشيلي إلى الصين.

وقال بول والش، عضو مجلس إدارة والرئيس التنفيذي السابق لدياجو، في بيان عن نتاج أعمال الشركة لعام 2012، إن "توسيع وصول الشركة إلى مستهلكي الطبقة المتوسطة الناشئة في الأسواق المتنامية بشكل أسرع كان المحرك الرئيسي لنمونا".

وكانت منتجات جوني ووكر الأولى في مبيع الويسكي في العالم، فاليوم يتم استهلاك أربع زجاجات من جوني ووكر في كل ثانية، مع نحو 120 مليون زجاجة تباع سنويًا في 200 دولة. كما أن خمسة من أفضل سبعة أسواق جوني ووكر العالمية هي من دول العالم الناشئة: البرازيل، المكسيك، تايلند، الصين، ومنطقة تدعوها الشركة "منطقة السفر العالمي في آسيا والشرق الأوسط".

ثقافة جامعة

الكاتب الراحل كريستوفر هيتشنز لاحظ بدقة أن "جوني ووكر بلاك ليبل" كان المشروب المفضل لحزب البعث العراقي، فكتب: "في عهد صدام حسين، كان من الممكن كسب الكثير من المال عن طريق تهريب صناديق الويسكي عبر الحدود للإيرانيين. ففي رحلة من طهران إلى المناطق الكردية في إيران على الحدود بين إيران والعراق في أواخر التسعينات، توقفنا عند مدينة مهاباد حيث أطل مهرب من نافذة السيارة ورأى مجموعة من الرجال يقفون في الشارع، فقال لهم بلهجته الفارسية: "أتريدون دوني فوكر؟" وحصلوا عليه وبسعر جيد جدًا".

الويسكي مشروب خارق يحتل كل مكان. في تايلاند، يضع رجال الأعمال زجاجة بلاك ليبل على الطاولة قبل المفاوضات الختامية. وفي اليابان، أصبحت هذه الزجاجات جزءًا أساسيًا من طقوس ثقافة تبادل الهدايا. وفي الهند، اتخذ أحد أشهر الكوميديين في بوليوود اسم جوني ووكر كلقب له.

أما في أفريقيا، فتعمل شركة دياغو للخمور على تنشئة جيل جديد من محبي الويسكي، بالتمثل بالنجوم. وجوني ووكر ريد ليبل أرخص تقطير للعلامة التجارية والمفضل لونستون تشرشل الذي اعتاد خلطه مع الصودا، هي الخطوة الأولى في رحلة جوني ووكر التصاعدية التي تمر من العلامة السوداء، الخضراء، وصولًا إلى الذهبية والزرقاء.

ويبدو أن هذه الحملة ناجحة حتى الآن، إذ أن مبيعات جوني ووكر تصل إلى 38 % في شرق أفريقيا و 33 % في جنوب أفريقيا، كما أن أرباح دياغو تتضاعف باستمرار، إذ بلغ الاستثمار 368 مليون دولار لتوسيع عملياتها في نيجيريا، أكبر سوق في أفريقيا.

طموح للعالمية

السؤال هو: كيف استطاعت شركة ويسكي من بلد صغير أن تصبح علامة تجارية عالمية؟ في العام 1819، افتتح الشاب جون ووكر، وهو ابن أحد المزارعين المحليين، متجر بقالة صغيراً في شارع كينغ في كيلمارنوك، وهي بلدة في أيرشاير - اسكتلندا.

وسرعان ما بدأ ببيع الخمور والمشروبات الروحية، بما في ذلك نوع ويسكي من صنعه الخاص. ولاحظ المؤلف روبرت بروس لوكهارت أن ووكر كان لديه رأس مال قليل وتجارته صغيرة ومحلية محضة، لكنه حصل على كل منافع أيرشاير.

خلال السنوات الثلاثين الأولى، كان عمله ثابتًا لكن غير ملحوظ ولم يعطِ مؤشرًا على ثروة قادمة، كما كتب لوكهارت في كتاب له في العام 1951، بعنوان قصة واقعية عن الويسكي من اسكتلندا. وفي العام 1852، دمرت الفيضانات كل ما يملكه ووكر تقريبًا، فخسر كل شيء ولم يكن لديه تأمين. لكنه عمل بجد على إعادة بناء منهجية عمله، وحصل على مساعدة من ابنه الكسندر الذي انخرط في هذه التجارة. هذه المرحلة كانت بمثابة نقطة تحول.

على الرغم من أن زجاجة الويسكي حملت اسم والده، إلا أن ألكسندر ووكر كان صاحب الفضل في انتشارها عالميًا. ووصفه لوكهارت بأنه رجل ذو طاقة هائلة يتمتع برؤية وقدرة مذهلة. عندما انضم الكسندر إلى تجارة والده، كان مشروب الويسكي ينتج جزءًا ضئيلًا من عائدات الشركة. لكن بحلول الوقت الذي توفي فيه الكسندر بعد أربعة عقود، سلم ولديه منتج ويسكي يعتبر من أهم الأنواع في عالم الويسكي الاسكتلندية، فولدت العلامة التجارية العالمية "جوني ووكر".

وكان الشاحنون يأخذون البضائع معهم في رحلاتهم حول العالم، ويقومون ببيعها وأخذ حصة، ثم يتم تحويل الأرباح المتبقية للشركة. وبالتالي صار لويسكي جوني ووكر موقعًا مميزًا على طول الطرق التجارية للإمبراطورية البريطانية لعقود.

نبيلٌ يمشي

لكن ووكر علم انه يحتاج للسيطرة على السوق الأقرب إلى بلاده، وهو لندن. في العام 1880، فتح مكاتب له في المدينة وأصبح أول سفير لعلامته التجارية. وأشار لوكهارت إلى أن ووكر كان يفهم فن الإعلان الشخصي، فكان يتجول في أنحاء المدينة على عربة مفتوحة بنيت خصيصًا له، شبيهة بتلك التي يفضلها أفراد العائلة المالكة والأثرياء.

ويعود الفضل أيضًا إلى ووكر في شكل زجاجة الويسكي المربع الفريدة من نوعها والملصق المميز بزاوية 24 درجة. الشكل المربع يسمح برصف المزيد من الزجاجات على الرف، كما أن زاوية الشعار تلفت الأنظار. وفي حقبة الحظر الأميركية، أثبت شكل الزجاجة المربع أنه مثالي للتهريب، إذ يتناسب تمامًا لتهريبه داخل رغيف خبز أجوف.

مات ووكر في العام 1889، لكن اليد الثابتة لاثنين من أقرباء ووكر، وأحد الشبان من بلدة أيرشاير، يدعى جيمس ستيفنسون، تمكنت من الحفاظ على النجاح المتزايد الذي حققته الشركة على مدى نصف القرن القادم.

في العام 1908، طلب مالكو الشركة من فنان رائد في ذلك الوقت، توم براون، مساعدتهم على تصميم ملصق، فرسم براون ما أصبح واحدًا من رموز الإعلان الأكثر تميزًا في العالم: الرجل الذي يستمر بالمشي.

"هذا الرمز كان مفصليًا"، كما قال المؤرخ كيفن كوسار، باعتبار أنه يفرق ووكر عن باقي مروجي الويسكي الذين يميلون إلى اللعب على التقاليد الاسكتلندية لرجال ملتحين في تنانير ويعزفون على آلة القرب. هذه الصورة تفتقر إلى الشمولية، ولذلك يقول: "صورة الرجل الذي يمشي جعلته يبدو إنكليزيًا وليس اسكتلنديًا، فهو يحمل عصا و يرتدي قبعة. الصورة تعني أن رجلًا نبيلًا يمشي".

وبحلول القرن العشرين، كانت الشركة تحقق نجاحًا في كل شيء: الأعمال متنامية، علامة تجارية فائزة وأسواق جديدة. ثم جاءت الحرب العالمية الأولى وتباطأ رجال الأعمال في جميع أنحاء العالم. وجلبت الحرب العالمية الثانية عاصفة أخرى، لكن أنتجت بعدها مسيرة تاريخية من النمو في الغرب وارتفاع ثروات في أماكن أخرى.

أسواق جديدة

حقق جوني ووكر دفعة كبيرة في سوق الولايات المتحدة، فبدا في الإعلان في المجلات المهمة التي تستهدف الشخصيات المهمة ورجال الأعمال الناجحين. لكن الشركة لم تكتفِ بهذا القدر، فتوجهت إلى الأسواق الخارجية التي افتتحت حديثًا. اليابان، التي اصبحت سوقًا استهلاكيًا كبيرًا للعلامة السوداء من جوني ووكر، أثبتت نجاحًا كبيرًا في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. في العام 1986، تم شراء الشركة من قبل الشركة الأيرلندية المقطّرة المصنّعة للجعة "غينيس"، التي اندمجت بعد 11 سنة مع غراند متروبوليتان لتصبح "دياغو".

وبعد أن أدرجت في بورصات لندن ونيويورك، تعد دياغو الآن أكبر مجموعة مشروبات روحية في العالم من حيث الإيرادات، وتضم علامات تجارية جريئة إلى جانب جوني ووكر، مثل سميرنوف فودكا، كابتن مورغان الروم، وجين تانكراي.

ودياغو عملاق الكحول، يحصل على ما يقرب من 40 بالمئة من مبيعاته من الأسواق الناشئة، ومن المتوقع أن ترتفع أرباحه 50 بالمئة بحلول العام 2015. واليوم، تسير دياغو نحو الهند للاستحواذ على "الشركة المتحدة للمشروبات الروحية"، وهي أكبر شركة مشروبات كحولية في البلاد، مع 60 بالمئة من حصص السوق. الصين هي الجائزة الكبرى، حيث نمت الطبقة الوسطى هناك إلى نحو 350 مليون نسمة.

وفقًا لشركة الاستشارات إرنست ويونغ، ستصبح الطبقة الوسطى في الصين بحلول العام 2030 نحو 1 مليار شخص، أي نحو 70 بالمئة من عدد سكانها المتوقع. وتتوقع شركة أبحاث السوق "يورومونيتور" الدولية أن الصين وحدها ستسهم في 50 بالمئة من حجم النمو في صناعة المشروبات الروحية في السنوات المقبلة. وبناء على نصيب الفرد، استهلاك الويسكي في الصين لا يزال منخفضًا نسبيًا.

لكن جوني ووكر ما زال مصرًا على المسير قدمًا. ومنذ العام 2011، صار شعار جوني ووكر مألوفًا لدى الصينيين، وفتحت متاجر في شنغهاي و بكين، تقدم للزوار جولات تمزج لمسة من التراث الاسكتلندي مع اندفاعة الويسكي والمناخ المتفرد.

شد وجهه

باعتراف الجميع، وعلى الرغم من هذه النجاحات المتتالية، أخفقت دياغو بعض المرات أيضًا، عندما استخدمت رجلًا آليًا شبيهًا ببروس لي، كوجه للحملة الإعلانية الأخيرة للعلامة الزرقاء من جوني ووكر، ما أثار غضب المشجعين المخلصين لخبير الدفاع عن النفس.

الخطأ الثاني كان الاستثمارات الكبيرة في تركيا في العام 2011، بشراء مي ايكي للتقطير بنحو 2.1 مليار دولار، ما أدى إلى وقوع خسائر فادحة، لا سيما مع بدء الاقتصاد التركي بالتراجع وتضييق الحكومة الخناق على إعلانات الكحول. كما بدأت منظمة الصحة العالمية بإصدار تحذيرات حول تزايد إدمان الكحول في أفريقيا، التي تعتبر سوق النمو الكبير المقبل بالنسبة لدياغو.

ويقول البعض إن شركة جوني ووكر نسيت جذورها، وأنها لا تحن لاسكتلندا. هذا صحيح، فشركة جوني ووكر اليوم جزء من تكتل ضخم، لديها أكثر من 25 ألف موظف، ومراكز إنتاج في أستراليا والكاميرون وكندا وغانا وأيرلندا وجامايكا وكينيا ونيجيريا وأوغندا والولايات المتحدة ووالمملكة المتحدة، بما في ذلك اسكتلندا.

مقارنة بالشعار القديم، يبدو رجل جوني ووكر اليوم وكأنه أجرى عملية شد وجه، فملامحه لم تعد موجودة. لقد اصبح صورة ظلية لرجل عديم اللون يمكن أن يكون أي شخص.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف