ملاحظات على الميدان: وشهادة عن الأحداث في شارع محمد محمود
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
كنت في الميدان في الثامنة من مساء السبت، وأزعجني كمّ العنف المستخدَم من قِبل الشرطة في مواجهة الثُّوَّار العُزْل، بل لقد أخبرني أحد الموجودين في الميدان -ولا أعلم مدى صدقه- بأن بعض من كانوا في عربة الشرطة هم من حطَّمُوها بأنفسهم.
وعلى مدار الأيام الأولى للأحداث اخترقتُ الصفوف الأولى أكثر من مرة، ولم يكُن عندي تفسير لِمَا يحدث ولماذا شارع محمد محمود بالذات! مع أن شارع مجلس الوزراء وشارع الشيخ ريحان أقرب بكثير إلى الوزارة، فلماذا كل هذا العنف؟!
فلقد أُلقِيَ فقط في محيطي على مدار الأيام المتفرقة ما يقارب ست عشرة قنبلة غاز، ولاحظنا جميعا اختلاف نوعيته عن الغاز المستخدم عن سابقه، مما دفعنا إلى التندُّر قائلين: "الشعب يريد غاز مبارك"، بل وعقد البعض مقارنة ساخرة بين غاز الرئيس المخلوع وغاز المشير، فالأول "بيعمل دماغ" والثاني ""أوفردوس". والتقطت عديدًا من الصور للاشتباكات ورفعتها بشكل فوري إلى صفحتي الخاصة على "فيسبوك" ليتابع الناس الأحداث كما أراها.
كل التصرفات لم تكُن مبرَّرة أو مفهومة: الهجوم على المعتصمين، ثم الهجوم على الميدان، وترك شارع محمد محمود ساحة للقتال، مع إمكانية تأمينه بمتاريس متعددة الأبعاد تحول بين الثُّوَّار ومبنى وزارة الداخلية كما تم في شارع الشيخ ريحان.
كان هناك من يتعمد إثارة الناس، فلقد قالت لي إحدى تلميذاتي إن شخصًا خلفهم صاح: "الجيش ورانا، اجروا"، ليتدافع الناس ويصاب بعضهم! حدث هذا أكثر من مرة، ورأيت أشخاصًا يعتلون كشك الكهرباء في بداية شارع طلعت حرب من ناحية الميدان ويقذفون الناس بالزجاجات الفارغة.
طبيعة الميدان نفسها اختلفت، حيث كثر الباعة الجائلون ولم توجَد منصَّات واختفت أو قلت لوحات الرأي الشخصية، بل ظهر ما يُسَمَّى "قواعد الميدان"، فمَن واضعها؟ ومن الذي منع المنصَّات بما لها وما عليها...؟
قال لي أحدهم: لم يبقَ من ميدان التحرير إلا شارع محمد محمود.
فأين ذهبت مدينتي الفاضلة...؟!
لقد كانت تجري أشياء وكنا نرى وجوهًا غير ما عهدناه في أيام الثورة الأولى..
فالاختلاف هو أساس الحياة، فلماذا نمنع المنصَّات؟ ولماذا نُخرِج الوجوه البارزة أو يتم إخراجها من الميدان كي يفقد الميدان القدرة على التوجيه أو الاتحاد؟
أشعر أمرًا ما يُحاك للميدان...
كان ما يزعجني حقًّا هو إراقة الدماء في الشهر الحرام، فما الداعي إلى كل هذا؟
الثورة قامت والانتخابات على الأبواب وكلنا نرفض حكم العسكر، ولكن كلها أيام وسنأخذ خطوة جديدة، وحقَّقنا مكاسب بإعلان القوات المسلحة جدولاً زمنيًّا لتسليم السلطة، وأقرَّت أن وضعها في الدستور لن يتغير، أعلم أن هذا لا يرقى إلى تطلعاتنا الثورية، فأنا ثائر حتى رحيل العسكر، فما زالت سياط حكمهم توقِّع أوتوجرافات القهر على جلودنا منذ الحقبة الناصرية:
"فليسقط يسقط حكم العسكر".
"المشير بيهيِّس.. عايز يبقى ريِّس".
"يا مشير قول لعنان.. الشرعية م الميدان"..
...
لكن أين ذهبت مدينتي الفاضلة...؟
لافتة كبرى تطالب بـ"تأجيل الانتخابات"، تختفي معها اللافتات الشخصية..
إن هناك من يسعى لتوجيه الرأي في الميدان...
أناس يهرولون نحو الكاميرات.. تبًّا للعهر الإعلامي، فالدماء تسيل في شارع محمد محمود بشكل يستدعي معه أحداث يناير..
لكن جو الميدان غريب لم نعهده من قبل..
جاء يوم الأربعاء بأكثر من هدنة تخترقها الشرطة..
ماذا تريد الشرطة..؟
لقد سقط ما يوازي ثلاثين شهيدًا، وهناك آلاف من الإصابات، ووصل عدد حالات الاختناق إلى 1600 حالة في الساعة...!
يخرج أحد الشيوخ ليقول: إن الشرطة لا عهد ولا أمان لها..
نسمع مصطلحات: هدنة.. وقف إطلاق النار.. معركة...
هل تم إعلان الحرب...؟!
تتوالى الأيام وتزداد الشرطة وحشية ونرى قناص الأعيُن، وملحمة البطل أحمد حرارة، وابتكارات الإسعاف المصري "إسعاف الدليفري".. الموتوسيكلات.. وصوت عربة الإسعاف...
اشترى أحدنا قناعًا للغاز من شارع الجمهورية ليسأله جميع المارة عنه، وفجأة تظهر بؤر لبيع هذا القناع بكميات كبيرة.. لم نعهد هذه الانتهازية في مدينتنا الفاضلة...!
كانت كل الأشياء مجَّانًا أو بأسعار رمزية...
هتافات غريبة لم يسمعها الميدان من قبل، وَصَلات سباب وشتائم ألَّفها الألتراس خصيصًا...
أين هي مدينتي الفاضلة؟!
مَن خطَّط لابتلاعك يا تحرير على اتساعك؟!
عندما مر من أمامنا د.العوا فوجئت بشخص مريب يصرخ في الدكتور:"بره.. بره"، ثم يخفي وجهه ضاحكًا لكي لا يعرف الناس مصدر الصوت، ويكرِّر زميله الذي تبدو عليه هيئة الأمن نفس الهتاف...
الاتهامات متبادَلة من الجانبين بخرق الهدنة، تقارير دولية تدين الشرطة، في حين تؤكد الشرطة من جانبها أنها التزمت بشروط الهدنة وأن خرق الهدنة جاء من قِبَل الثُّوَّار، لا أستطيع أن أصف الأحداث إلا بأنها "عبث"، فالدماء تسيل في الشهر الحرام، والخاسر مصر.
القوتان غير متكافئتين، فماذا تعنى كلمة هدنة؟
على الشرطة وقف العنف من جانبها دون قيد أو شرط.. حاولنا إصدار بيان يلزم الشرطة بذلك، ولكن ما جدواه؟ وهناك من أخبرني عن اتصال جرى بين العيسوي والمستشار زكريا أخبره فيه الأول أنه أعطى أوامره بوقف إطلاق النار، إلا أن الشرطة لم تلتزم، مما جعله يعتقد أن هناك من يعطي أوامر غيره في الوزارة إذا ما أشيع أن الداخلية منقسمة على نفسها وأن بلطجية الداخلية هم من بدأ العنف ضد الداخلية ليجرُّوا الثُّوَّار خلفهم إلى بؤرة دم، وهناك أنباء مؤكدة بأن الشرطة لم تلتزم بالأوامر الصادرة بوقف إطلاق النار... آسف لاستخدام المصطلحات الحربية لأنها تُستخدم بين قوتين متكافئتين، إننا أمام مجزرة حقيقية وشكل من أشكال الإبادة الجماعية.
طُفت في صباح الأربعاء خيام المعتصمين أعرض عليهم مبادرة تكوين حاجز بشري يفصل بين الشرطة والثُّوَّار ويؤمِّن الميدان من غدر الشرطة، فوافق الجميع دون مناقشة، كانت الإجابة واحدة: "نحن نرفض العنف ونريد وقف الدم، ولكن الشرطة لا تريد. حاولنا أكثر من مرة والشرطة هي التي تبدأ مجدّدًا"، أجبتهم: "معذرةً إلى ربِّنا ولعلهم يرجعون".
اتفق جميع المعتصمين على نبذ العنف، فمن الذي يسعى إليه؟
وانطلقت مبادرة شبيهة لسيدات كدروع بشرية لحماية الميدان والفصل بين المشتبكين، وكانت في رمزيتها أقوى من أي مبادرة أخرى، حيث ضمَّت بعض كبيرات السنِّ. وقررتُ دعمهن وبدأن مسيرتهن من شارع طلعت حرب في تمام الساعة الخامسة وانضمَّ إليهن عدد كبير من نساء الميدان، وفجأة ظهرت قيادات غريبة للمسيرة تأخذها بعيدة عن الهدف الذي قامت من أجله، كأنما حدث هذا بقصد لإفشال المبادرة من داخلها... وفي نفس الوقت جاءت الأخبار لتحمل فشل مبادرة أخرى للهدنة بين الشرطة والثُّوَّار.
أعلنتُ عن مبادرة أخرى ظهر الخميس، على أن يكون التجمُّع من مبنى المجمَّع لعمل حاجز بشري.. تأخرتُ قليلاً عن الموعد فاتجهت إلى شارع محمد محمود مباشرة فوجدت الجيش يحاول بناء حاجز أسمنتي من بندورات ضخمة ليفصل بين الثُّوَّار والشرطة، ورفض البعض محاولة الجيش بشكل يوحي بتجدد الاشتباكات.. وحاول ضابط في القوات المسلحة برتبة عقيد إقناع البعض بالنزول عن البندورات ليُتِمَّ الجيشُ عمله، شعر باليأس فتوجه إلى الواقفين: "هُوّا مافيش حد عاقل يتكلم؟!". طلبت منه النزول، صعدت مكانه قائلاً: "الثورة في الميدان، نحن في شهر حرام لا نريد أن يتهمنا أحد بالاعتداء... ثورتنا سلمية سلمية.. دم المسلم على المسلم حرام"، وافق معظم الثُّوَّار وطلبوا من الواقفين على البندورات النزول فتحجج بعضهم بأن الجيش بنى هذا الحاجز لتضربنا الشرطة من خلفه، أجبته: "إن حدث هذا فسنموت نحن أولاً"، وأشرت إلى بعض المتطوعين الذين بدؤوا بشكل تلقائي في إقناع الناس، تجمع بعض الرافضين شِمال السور واعتلوا فتحة في الحائط الأيمن لبوابة الجامعة المطلة على شارع محمد محمود، وتوجهت إليهم فلاحظت أن بينهم مجموعة لهم قائد يأتمرون بأمره يرفض الحديث نهائيًّا، تحدثت مع أحدهم -تذكروا هذا الشخص لأننا سنعود إليه مرة أخرى-: "يا ابني إنت هنا ليه؟ مش عايزين دم"، قال: "لأ لازم.. أنا أخويا مات هنا ولا زم أجيب حقه".. لم يطمئن قلبي إليه فتحدثت إلى غيره، وبدأوا بالنزول.
صعد بعض أفراد القوات المسلحة على الحاجز وتدافع البعض فهبطتُ ناحية القوات المسلحة ونزل معي بعض المتطوعين.. وكان السؤال: لماذا العنف؟ ولماذا تريد هذه المجموعة إبقاء شارع محمد محمود بؤرة للدم؟ ويطلب منهم جميع الثُّوَّار النزول. وبدأت القوات المسلحة تستكمل عملها من جديد فصعد أحد الأشخاص غريبي الهيئة ودفع البندورة المعلقة في الهواء، وكادت تحدث كارثة، فتوقف العمل، وفجأة نزل الجنود وبدأ قذف الحجارة من الجانب الآخَر للحاجز.. فأمسك الثُّوَّار بمن قام بذلك، وفي تلك اللحظة صعد طبيبان، أحدهما الدكتور عمر مجدي، يتحدثان إلى الواقفين، واستقر الأمر على أن يقف متطوعون من أصحاب المعاطف البيضاء فوق الحاجز ليمنعوا أي فرد، وأن تقف مجموعة أخرى من المتطوعين على الأرض بين الأطباء والجيش، وأن يقف الجيش على بعد خمسين مترًا من الحاجز تقريبًا، فوقفت أنا والكيميائي صبري شلبي والمحاسب صبري السيد والشيخ جميل والشيخ سعد وثلاثة أشخاص لا أتذكر أسماءهم بين الجيش والحاجز، ووقف الأطباء على الحاجز، وأكدنا للثوار أنه إذا حدث أي غدر فسنموت أولاً.
اتفق عمر مع القوات المسلحة على وقف بناء الحاجز لمدة أربع وعشرين ساعة لاحتواء الموقف وطلب منهم التمركز بعيدًا عن الحاجز كي لا يُستفزَّ الواقفون بالخارج، واقترح بعض المقترحات لتأمين المتطوعين في حالة هجوم أي من الطرفين على الآخر، مع علمنا أن نسبة النجاح لن تتعدى خمسة في المئة.
بدأ بعض الواقفين خارج الحاجز بإثارتنا لساعات طويلة، وحاولوا الصعود على الحاجز تارة وتوجيه الهتافات التى لا تخلو من الشتائم بشكل مستفز.. ولم يستثنوا أحدًا من ذلك.. فصعد الشيخ سعيد ليرفع أذان المغرب ويدعو الناس للصلاة، ثم بدأ في الدعاء والناس تؤمِّن خلفه، وفور نزوله استمرَّت الشتائم كأن شيئًا لم يحدث!
كان بين بندورات الحاجز بعض الفتحات، فوقفنا أمامها لحجب الرؤية ولنقلل من احتمالية تجدُّد الاشتباكات مرة أخرى، وبالفعل أُلقِيَ منها مقذوف صوتيّ ليُشاع أن الجيش قد بدأ في الضرب، ويتم الهجوم على الحاجز، إلا أنه تم احتواء الموقف... وأُلقِيَت أيضا قنبلة غاز من خارج الحاجز ولكنها لم تنفجر، ثم انفجر كابل كهربائي على أثر حريق المدرسة فتعالت الأصوات: "الشرطة بتضرب تاني!"، إلا أنه تم احتواء الموقف مرة أخرى.. وجاءت عربة مطافئ لتُخمِد حريقًا شبَّ في مدرسة، وكاد الموقف يشتعل مجددًا لولا احتواؤنا له.
إنها حالة من عدم الثقة يستغلُّها بعض من يريد تجدد الاشتباكات..
ودخل علينا من ناحية الحاجز شابٌّ غريب الهيئة يبدو من اللحظة الأولى أنه يعمل لدى الأمن، فاعترضته، فقال: "عملي بهذا الجانب، وكل الطرق مسدودة"، فقررت أن لا آخذه بالظن وتركته يرحل، فجاء بعد بضع دقائق حاملاً لوحة بعرض شارع محمد محمود كتب عليها: "دم المصري خط أحمر، الثورة بالميدان، سلمية سلمية - مدنية مدنية - لا عسكرية ولا طائفية.. شعب الثورة مع الحضارة ولا تعطوا الفرصة لإسرائيل..."، وطلب من الواقفين فوق الحاجز حملها فرفضنا جميعًا لأن هدفنا الأول وقف نزيف الدم ولا نريد أن نعطي فرصة لأحد للاشتباك مجدَّدًا، إلا أن ما فعله أكَّد ظني فتحدثت مع البعض في أمره وذهبنا إلى ضابط القوات المسلحة وطلبنا منه بحث الأمر بعد أن رأينا هويته الشخصية خالية من الوظيفة مما أكَّد ظنَّنا، وسمعناه يتحدث إلى "الباشا"، واستجوبه الضابط وتركه يعود لدقائق ثم يختفي تمامًا، وتزايد عدد الواقفين خارج الحاجز خصوصًا بعد قدوم مجموعات مختلفة، وعندها شعرنا بالقلق خوفًا من تجدُّد الاشتباكات، وعلمنا أن القوات المسلحة مدرَّبة في المقام أول على الاشتباك المباشر.
ولقد صرَّح لي أحد ضباط القوات المسلحة في ما يشبه الرجاء بأنه "على مجموعة المتطوعين في الحاجز البشري أن تصمد مهما كان الثمن لأننا لا نريد مواجهة الواقفين خارجه، لأن شرفنا العسكري يمنعنا من إيذاء أي مدني، وعار علينا أن نهرول أمام بلطجية"، وقال لي آخر: "إننا لن نسمح بانهيار الداخلية لأن ذلك معناه انهيار الدولة وتوسيع رقعة المسؤولية الأمنية على القوات المسلحة بما يُخِلُّ بالأمن القومي لمصر".
ومع تزايد الأعداد بالخارج اتصلت بكل من أعرف من الإعلاميين ليوجِّهوا دعوة إلى رموز ورجال الدين والشخصيات البارزة للنزول إلى شارع محمد محمود وإخلائه من المتظاهرين وتنظيم لجان شعبية لحماية الشارع خوفًا من تجدد الاشتباكات، واتصلت بي قناة "bbc" تستطلع رأيي في اختيار الجنزوري، فقلت: "أنا لم أعرف بالخبر، ولكن هنا ما هو أهم، إننا نخشى من تجدُّد الاشتباكات مرة أخرى في شارع محمد محمود"، ووجهت دعوة إلى رموز ورجال الدين وكباتن الألتراس ومنظمات العمل المدني للنزول لإقناع الناس بمغادرة شارع محمد محمود وتنظيم لجان شعبية تكون مسؤوليتها حفظ الأمن في الشارع.
بدأت الأعداد تقل تدريجيًّا خارج الحاجز، وفي الثانية والنصف صباحًا تسلل نفس الشخص الذي كان أخبرني أن أخاه مات وأنه هنا ليأخذ حقَّه، فاعترضته واستدعيت بعض المتطوعين من بينهم أطباء، فهمس أحدهم في أذني قائلاً: "ده ضارب ضرب السنين" كناية عن كم المخدرات الكبير الذي تعاطاه، فأقنعناه بالخروج، وقل عدد الواقفين خارج الحاجز بشكل كبير وهنا طرحت فكرة إعادة استكمال الحاجز الأسمنتي..
فاعترض معظم الأطباء وأبدى كثير منهم رغبته في الانسحاب لأسباب عدة، وبالفعل انسحب معظم الأطباء ولم يبقَ إلا اثنا عشر متطوعًا، سبعة منهم أطباء، وأكملَت القوات المسلحة بناء الحاجز دون اعتراض من أحد.. ومع تناقص عدد الأطباء قررنا أن نقف جميعًا فوق الحاجز مرتدين المعاطف البيضاء على أنها أكفان، وإذا سُئل أي منَّا عن هُوِيَّته يجيب مباشرة بحقيقة أمره.
صعدت في الساعة السادسة صباحًا فوق الحاجز فسألني أحد الواقفين خارجه عن شيء، فنظرت إلى أحد الأطباء مستفسرًا فقال لي إنه نوع من الحبوب المخدرة، وأخذت أراقب الحركة أسفل السور، لأجد مجموعات من أطفال الشوارع ومن يبدو عليهم ملامح الإجرام ومعهم قائد يحركهم، وفجأة جرت نحونا فتاة منهم فأمسك بها أحدهم ليقول لها: "إيه يعني؟ خلاص، خلاص بقى".. ونظر إليَّ قائلاً: "معلش، أصلها زعلانة إن أخوها مات". وجاء منهم شاب آخر يجري نحونا وتبدو آثار إصابة واضحة على عينه، فأحاطت به مجموعة من الشباب ومنعته من الوصول إلينا. إنهم أشبه بعصابة منظَّمة بقائد يرتدي ملابس مدنية ينظمهم على مداخل الشوارع... ثم اختفى هذا القائد ليظهر مكانه آخَر يقوم بنفس الدور مما دفعني إلى الشك في أمرهم.
وأخذت تدور في رأسي التساؤلات: هل هو جيش عبد الله بن سَلُول الذي انقسم بين جيشَي علي ومعاوية لتثور الفتنة بينهم.. أتذكر يوم 29 يناير عندما كان يدخل علينا الميدان من يصرخ: "إخوانكم بيموتوا عند الداخلية وانتو هنا؟!"، فيخرج الثُّوَّار خلفه، ولا يعود من الثُّوَّار أحد...! أسأل الله أن يتقبل من اصطفى منهم.
تساؤلات ليست لها إجابة.. هل انقسمت الداخلية على نفسها؟ وَمن هؤلاء الذين كنا نقنعهم صباحًا أن يمتنعوا عن أعمال الشغب وهم ليسوا من الثُّوَّار ولا من هؤلاء الذين يقفون أمامي في اللجان الشعبية...؟ من يفتح بؤر الدم ليظل الوضع مشتعلاً...؟ الميدان أجمع على رفضه التامِّ لما يحدث، فمن يفتح بؤر الدم إذن..؟
طلبت من بعض المتطوعين الذين ينظفون الشارع أن يدفعوا بأشخاص آخرين لتأمين الشارع، فنحن لا نثق في هؤلاء المتجمعين.. استفسرت عن هويتهم فأخبرني من يقوم بتنظيمهم أنهم من سكان عشوائيات المنطقة وجاؤوا ليحموها، وبالفعل انضمَّ بعض مِمَّن دعوتهم لينظموا لجانًا شعبية، وبدأ الناس يتزايدون في الميدان، نراهم من امتداد شارع محمد محمود.. كان هدفنا أن تمرَّ المليونية بسلام دون حدوث مصادمات تؤدِّي إلى مزيد من إراقة الدماء، وطرح الواقفون أن يكون أكبرنا سنًّا على الحاجز مسؤولاً وقائدًا للمجموعة فوق الحاجز ووقع عليّ شرف الاختيار.
ورأيت صديقًا يعمل مراسلاً لإحدى القنوات الإخبارية فاتصلت به لأستطلع ما لديه من معلومات فأخبرني بأن لديه معلومات مؤكَّدة بنسبة 60% أن شارع محمد محمود سينهار بعد الصلاة مباشرة، فنظرت إلى من حولي وشعرت بحجم المسؤولية تجاههم، فهم أطهر وأنقى وأنبل من قابلت في حياتي.. نزلت إلى القائد الميداني للقوات المسلحة فأخبرته وسألته ماذا ستفعل لتأمين مجموعة الحاجز إذا حدث هجوم، فأومأ برأسه وأشار بأن "المسؤولية فردية والخيار لكم"، وحرك مجموعة من القوات الخاصة قرب الحاجز، كانت فكرة مغادرة الحاجز مستحيلة لأننا نعلم أن هذه الساعة هي أصعب وأدقُّ اللحظات بالميدان الذي توافد عليه أكثر من مليون شخص، وما جئنا إلاَّ لحقن الدماء على اختلاف مشاربنا وأطيافنا، إلا أن الأمانة كانت تقتضي أن أُطلِعَ الجميع على ما عندي من معلومات، فصعدت على الحاجز وأخبرتهم بما لدي، وعقَّبت: "من يُرِدْ أن يتركنا فلا يشعر بأي حرج فنحن نتفهم موقفه".
فنزل اثنان على الفور، ووضع من بجواري لاصقًا طبِّيًّا على ذراعه، وكتب رقم هاتف زوجته، فطلبت منه القلم وكتبت هواتف بعض الأصدقاء على معطفي، وسألت الجميع أن يحذوا حذونا حتى يتم الاتصال بأقربائنا في حالة الإصابة أو الشهادة.
تواصينا بذكر الله وعقدنا نية الشهادة والتوبة إلى الله، فلربما يكون هذا آخر عهد لنا بالدنيا... وتواصينا بالصمت لأن الله يحب الصمت في هذا الموقف، ثم نظرت مبتسمًا إليهم وقلت: "نتقابل بعد نصف ساعة في الجنَّة"... ووقفنا نراقب المشهد، نستمع إلى صوت القرضاوي ونترقب فراغه من خطبته...
أنظر إلى من حولي وهم يمتثلون قول عبد الرحمن الشرقاوي: "سنخوض معركة المصير بلا دروع.. نحن الذين يموت أفضلنا ليحيا الآخرون بلا دموع.. نحن الذين صدورهم كظهورهم مكشوفة للطاعنين...".
أنهى القرضاوي خطبته وبدأت موجات الناس تتدافع على اللجان الشعبية، وأصيب بعض أفرادها بطعنات كما أخبرني البعض.. ورأيت بعضًا منهم محمولاً إلى العيادات الميدانية.. ومنعت دخول الإعلام نهائيًّا فاعترض الزملاء فوق الحاجز لأن الثورة ما جاءت إلاَّ لإعلاء الحرية.. فطلبت من اللجان إدخالهم ولكن فرادى، ومع ذلك تدافع الناس نحو الكاميرات وكادت تحدث كارثة محقَّقة، فاقتنع الزملاء بمنع الإعلام واكتفينا بكاميرات المراقبة المحيطة بنا من جميع الجهات، وعلى الرغم من ذلك أصرَّ بعض المصورين على دخول الكاميرات مما تتابع معه دخول أفواج من الناس، فما كان منا إلا أن أعطينا ظهورنا للإعلام لدقيقة كناية عن اعتراضنا، وبدأت الأمور في الهدوء التدريجي، وجاء وفد من القوات المسلحة ليقدم شكر قادته لنا جميعًا، وطلب أن يتحدث معنا ويسمع مطالبنا، فتحدثت معه أنا وعمر مجدي مؤكِّدَين أن ما فعلناه مبادرة شخصية لوقف العنف والدماء في الشهر الحرام، لأننا جزء من هذا الشعب، ووقفنا هنا لحفظ دماء الثُّوَّار ومنع الاشتباك بين قوتين غير متكافئتين، وأنه ليس لكمِّ العنف المستخدم من جانب الشرطة مبرِّر، مطالبين بوقف الدم فورًا ومحاكمة المجرمين وتعويض ورعاية أسر الشهداء والمصابين، والحفاظ على كرامة المصريين لأنها جزء هامٌّ من مبادئ الثورة "كرامة - حرية - عدالة اجتماعية"، ونحن لسنا حزبًا ولا ائتلافًا ولا جماعة، وهذه مطالبنا كجزء من الثُّوَّار والمصريين، مع التضامن مع جميع مطالبنا الأخرى كثوار..
فأبدى ترحيبًا بما نقول وأخبرني أن لديه معلومات عن وجود قنَّاصة فوق أسطح البنايات وأنه يريد منا من يخرج مع فريق البحث عنهم ليكون شاهدًا في حال وجودهم، فتطوعت معهم، ولم نجد شيئًا، ومر الوقت وأنهكنا الإعياء... فبعضنا كان مستيقظًا لمدة 48 ساعة متواصلة.
انصرف بعضنا، وانتظرت حتى الثانية من صباح السبت، ثم انصرفت بعد أن أصابني الإعياء الشديد لأنال قسطًا من الراحة ثم أعود لاحقًا.. وقررت المجموعة الانصراف بعد أن اطمأنَّت إلى استقرار الوضع في شارع محمد محمود، واحتجاجًا على استشهاد أحد الثُّوَّار في شارع مجلس الوزراء.
ختامًا، هذه شهادتي للأحداث كما عايشتها، في الأيام التي ذكرتها، ولدى الآخرين مزيد من التفاصيل التي ربما لم أطَّلع عليها.
كاتب ومخرج مسرحي وأستاذ علوم المسرح بجامعة حلوان