أصداء

الدكتاتوريات المقنعة.. هل تغيير مفهوم السلطة بعد الثورات؟

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

لعل الخوض في الأمور الفكرية في ظل المجازر اليومية التي ترتكب بحق الانسانية يعد عملا ثانويا، كما انه من المبكر الحكم بموضوعية على أداء من تولى زمام الأمور عقب الثورات، بيد أنه لا بد من قراءة التطورات في بنية الوعي العربي عقب عامين على الثورات المتتالية. فهل أحدثت الثورات العربية انقلابا جذريا في وعي الانسان بحيث أصبح مفهوم الدولة مرتبط بالتداول؟ وهل أصبح القائمون على شؤونها ليسوا سوى موظفين عند الشعب يعملون على إدارة الشؤون وتيسيير الأمور على وجه حسن؟ أم أن زوال الطغاة التقليدين استبدل ب"طغاة حداثيين " يراوغون عبر حريات شكلية دون ان يغييروا من مضمون الديكتاتورية شيئ؟

فنكون أما "ديكتاتوريات مقنعة " أشد بأسًا وأشد تنكيلا كونها تتخذ من الديموقراطية وجها ومن العدالة قانونا!
فعلى امتداد العقود الأربعة المنصرمة سيطر فكر "التخوين" على الخطاب السياسي، بحيث منح صاحب "السلطة" مهما كانت نفسه الحق لمحاكمة من هو في الموقع "الآخر" مما أدى الى انتشار "نظرية المؤامرة" في الثقافة السياسية، وشاعت الخطابات "التخوينية" والسجالات "الاتهامية"، وتم إحلال الأشخاص محلَّ العلاقات، وأُبدلت المسؤوليات بالأسباب. وسيطر مشهد "السلطة الرعوية" على الشارع العربي بحيث طغى "مفهوم الراعي والقطيع"، عبر اعتماد الدولة على علاقة فردية مصلحية تكرس الفساد لا على علاقة قانونية تعاقدية تحترم خيارات الفرد، بينما تحول الخطاب الإيديولوجي، الى راية حرب فانتشر "العنف المعنوي" في النفوس الذي ترعرع في أحضان التسلط و"البلطجة" عقود طويلة.

مروة كريدية

أما على صعيد السياسة الخارجية فقد ضاق المواطن العربي ذرعًا بسياسة "المحاور " كما ملّ من "متاجرة حكامه بالقضية الفلسطينية " لا سيما بعد ان تحولت شعوب المنطقة بأسرها الى شعوب "منكوبة " اقله اجتماعيا واقتصاديا.

لاشك اذن في ان الانسان سئم من أكاذيب حكامه وفسادهم واثرائهم الغير مشروع وتوريثهم ابنائهم، كما اكتوى بالفقر المدقع وسوء التنمية وقلة الحيلة وانتفض لما تبقى من كرامة ليقول كفى استبدادا وديكتاتورية.

لقد نجحت الشعوب في ازالة "الديكتاتور " بيد ان عقلية "الديكتاتور " لا زالت قابعة في النفوس بعد ان تقنعت بستار ديموقراطية الاكثرية وبدأت ترسم الخطط اللازمة بما يضمن لها استمرارها في الحكم عبر قوانين تضمن لها الشرعية الدستورية، اما من الناحية الاجتماعية والثقافية فلا زالت الأيديولوجيات فاعلة في الشارع بل زادت ترسخا اثر المجازر المتكررة والانتهاكات الحادة لآدمية الانسان في سوريا بحيث اصبح حمل السلاح في وجه "الظلم " هو الخيار الوحيد الممكن، ولا فعالية للسلاح دون "ايديولوجية" تحميه وتسوغ استعماله.

واخشى ما نخشاه ان نقع فريسة "ديكتاتوريات مقنعة " تعدنا بالعيش الرغيد بيد انها تعيد انتاج "الفساد" السابق بنسخة محدثة تتلائم والمرحلة الراهنة. وبعد ان كانت الشعوب ضحية ديكتاتور واحد فإنها ستصبح تحت وطأة "ديكتاتوريات متعددة " تتخذ من الشعارات أنبلها.

خشيتنا هذه لا تعني ان نقبل بالانظمة القامعة فالتغيير نحو مستقبل مجهول أفضل من البقاء في حاضر موجع.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف