كتَّاب إيلاف

جدلية الاخلاق والسياسة مرة أخرى..

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

غالبا ما توصف السياسة بـ" المستنقع" لوساختها،وأحيانا يتجرأ البعض بوصفها بالعهر، خصوصا عندما تتجرد السياسة من الأخلاق، فتغدو كالعاهرة التي تستبيح جسدها لتلبية حاجاتها الخاصة.وعندي فإن الأخلاق منظومة إجتماعية متكاملة يمكن عن طريقها بناء مجتمع سليم آمن ومستقر متصالح مع نفسه.وقد مرت عصور كان الأخلاق فيها يسمو بالأمم والمجتمعات،وصدق بذلك قول الشاعر" وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت.. فإن همُ ذهبت أخلاقهم ذهبوا".

أتذكر قبل فترة طويلة أنني قرأت مقالا لأحد الكتاب العراقيين وهو يسرد حادثة وقعت خلال فترة الستينات أو السبعينات عندما كان المجتمع العراقي مازال محتفظا بسلوكياته الأخلاقية في تعامل أفراده بعضهم ببعض، ويروي هذا الكاتب"أن سائقا للتكسي أقل إمرأتين طلبتا توصليهما الى منطقة قريبة من منطقة الحافظ قاضي،والتي أشتهرت في تلك الفترة بتجمع القوادين وطالبي المتعة فيها بذلك الزمن الذي كان يخلو ممن نراهم اليوم من مجاهدي تنظيم القاعدة والسلفيين ودعاة الفضائيات الذين يطيلون لحاهم حتى يكاد مصوروا الإستوديوهات يدوسونها دون قصد منهم،ويظن هؤلاء الدعاة والمتأسلمين أنه كلما طالت لحاهم كلما إقتربوا مسافة أكثر من جنان الخلد،ورسول الله يقول"إِنما الأَعمال بِالنياتِ،وإِنَما لكلِ امرئ ما نوَى"ولم يقل ما أطال لحيته!. وعندنا مثل كردي مأثور يقول" ليس كل ذي لحية حمراء هو حمزة أغا" في إشارة الى هذا الأغا الذي إشتهر بلحيته الحمراء.

أعود الى الحادثة المنقولة عن ذلك الكاتب والذي تابع سرده للقصة قائلا"غير سائق السيارة مساره الى شارع آخر،فإرتابت الإمرأتان وسألته إحداهن لماذا غيرت المسار؟ فأجاب" حرصا عليكن والله يا إختاه،خشيت أن يظن الناس الذين نمر بهم في تلك المنطقة أنكن من السيئات السمعة، وأنا أراكن بنات عائلات،ولذلك غيرت المسار حتى لا يظنن هؤلاء بكن سوءا".

هذا كان أخلاق العراقيين في ذلك الزمن الجميل،أضف إليه تواددهم وتراحمهم بين الأهل والجيران والعمل وفي الشارع والدائرة والحي والمدينة وهذه كلها جزء من أجزاء الأخلاق.وقل الشيء نفسه عن إستقامة ونزاهة وعدالة الحكام ورأفتهم بالرعية،رؤسائهم ووزرائهم رغم ما وصموا به من قبل الثوريين اللاحقين من تهم العمالة للإستعمار والرجعية والدكتاتورية، في حين أن هذا البلد لم يجن من حكم ثواره غير الظلم والإستبداد والقهر والطغيان والتجرد من الأخلاق، حتى إستباح الحاكم لنفسه كل شيء، فإذاب معارضيه بأحواض الأسيد وأطعم لحوم بعضهم للكلاب،وإنتهك أعراض الآخرين منهم، وقتنل وأباد منهم عشرات الآلاف، ولنا في ذلك معاجم من الإنتهاكات اللاأخلاقية للحكام الوطنيين الذين تفاخروا بأنهم طردوا الإستعمار وعملائه من البلاد؟!.

لقد بعث الله رسوله الى العالمين ليرسي قواعد الأخلاق،وهو القائل صلى الله عليه وسلم" إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق" بمعنى أن الله سبحانه وتعالى أرسل رسوله فقط ليتمم مكارم الأخلاق، فبالأخلاق وحده تستقم الأمم كما يقول أحمد شوقي" صلاح أمرك للأخلاق مرجعه فقوم النفس بالأخلاق تستقم".

كل المظاهر السلبية التي نراها ونلمسها يوميا في حياتنا الحالية مرجعها الى تجرد ساستنا من الأخلاق،والإستحياء جزء آخر من الأخلاق، فإذا تجرد الإنسان من الحياء فسيفعل ما يشاء، وهذا بالضبط ما يحدث اليوم.ساستنا يتكالبون على جمع السحت الحرام،ينهبون أقوات الشعب، ويسرقون المال العام،ويحولونها الى البنوك الخارجية،ويحسبون أن مالهم سيخلدهم. يشاركون الناس بأرزاقهم،ويتبارون في إيذاء شعبهم وخلق ملايين المشكلات والأزمات لهم حتى لا تستقر أمورهم،يستعيدون صراعاتهم المذهبية والفكرية،ويدفعون شعبهم ضرائبها بدمائهم، يقتلون الناس على الهوية والإنتماء، يجلسون على الفرش الوثيرة ويتنعمون بأحضان الغانيات المستقدمات من لبنان وأوكرانيا وغيرها بأموال هذا الشعب، وأرامل العراق يبعن أجسادهن من أجل لقمة العيش، وكم حزنت على تلك المرأة العراقية الأصيلة التي بصقت على رغيف الخبز وخاطبته قائلة" من أجلك بعت شرفي"؟!.من يسمع هذه الصرخة المدوية من إمرأة شريفة هل يظن بأنه بقيت للأخلاق محل في هذا البلد الذي تفوق ميزانيته على مائة مليار دولار سنويا يملك رئيس الوزراء وحده حق التصرف بسبعة وعشرين مليار منها دون حسيب أو رقيب؟!.

لقد أباد الثوار الوطنيين العائلة المالكة بالعراق،وهم لم يتركوا ورائهم قطعة أرض أو دارا سكنية مسجلة بإسمهم،رغم أنهم ملكوا العراق..ومات عبدالكريم قاسم زعيم العراق الأوحد وبجيبه دينار ومائتان وخمسون فلسا،واليوم يملك رئيس أي حزب عراقي ما يعادل ميزانية العراق منذ تأسيس دولته الى حين سقوط صنم بغداد بساحة الفردوس.

سئل " الخوارزمي" عالم الرياضيات عن الانسان فأجاب :

إذا كان الإنسان ذا (أخلاق) فهو =1

وإذا كان ذا (جمال) فأضف الى الواحد صفراً=10

وإذا كان ذا (مال) أيضاً فأضف صفراً آخر=100

وإذا كان ذا ( حسب ونسب) فأضف صفراً آخر =1000

فإذا ذهب العدد واحد وهو (الأخلاق) ذهبت قيمة الإنسان وبقيت الأصفار التي لا قيمه لها..

وأعتقد بأن أغلبية حكامنا ومسؤولينا في هذا البلد قد تجردوا من رقم واحد، فبقوا مجرد أصفارا.

وفي الختام أتمثل بقول الشاعر أيضا وهو يقول"

صبراً على الدَهرِ إِن جَلـت مصائِبــــهُ إِن المَصائِبَ مِما يوقِظُ الأمَمـــــا

وسيأتي ذلك اليوم الذي سيستيقظ فيه الشعب ليستعيد كل تلك الأموال المنهوبة كما يحدث اليوم في مصر من ملاحقة رموز النظام السابق عن الأموال التي نهبوها وأخرجوها من البلاد، و يترآى لي من الآن مشهد هؤلاء المتاجرين بالشعب وهم قابعون وراء القضبان أو مكبلون بالأصفاد يسيرون الواحد تلو الآخر نحو الأقفاص ليحاكمهم الشعب على ما إقترفت أياديهم من جرائم غير أخلاقية بحق شعبهم.وإن غدا لناظره لقريب..

sherzadshekhani@yahoo.com

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
تعقد ربطة عنقي أنامن خلاف
ع/عطاالله -

..الخلاق أثر السلف حتى يثمر جهد الخلف خلقا جديدا تنفده السياسة.ان أحزاب وتيارات حيي أنا تدنس جهدا رأيته يهدر.

نصيحة
شيركو -

خارج الموضوع

جدلية الاخلاق عند الساسة
salam fattah -

لماذا نلوم الساسة والحكام والمسؤلين فقط ؟ هل بقي عند غيرهم من عامة الناس الا قليللا كي نلومهم؟ فالمجتمع فسد وتعفن بعد حكم البعث ودخول المحتل الامريكي الى البلد وجلبه للقتلة والقاعدة ...اذا دخل الدولار بلدا افسدها وجعل اعزة اهلها اذلة ....حيث اصبح الاخ يخون اخاه في الدم ويسطوا على ممتلكاته واموله ويقطع صلة الرحم المقدسة .ويكن له العداء ويتمنى له السقام من الامراض من اجل حفنة قذرة من الماركات والدولارات الاوضاع الشاذة التي مرت علينا ايام الحروب الكارثية لصدام حول الكثير من الناس المتمكنين الى فقراء فاءخذوا يبعون حاجاتهم وملابسهم الشخصية وحتى ابواب منازلهم احيانا لسد افواههم الجائعة . ومن الناس من فر من الوطن الام مكرها ومضطرا الى دول وبلدان اخرى مجازفين باتفسهم واطفالهم من اجل حفظ ارواحهم وصون كراماتهم. منهم من قطع مسافات شاسعة راجلا في ظروف جد خطرة ولقي الكثيرون احتافهم في هذا الدرب . ومنهم من وصلوا الى المقصد التعيس الذي وصفه المهربون والمافيا بالجنان .... فهؤلاء وانامنهم خسرنا الوطن ولم ننسجم مع ثقافات غيرنا ...هذه هي الكارثة الاكبر والناتجة من عديمية الاخلاق لدى الساسة وغيرهم من الصفاقة والحاسة وبائعي الوطن والشرف والاخوة