قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
انا لا أؤمن في السياسة بشئ اسمه الديموقراطية التوافقية ولا أؤمن بشئ اسمه المصالحة الوطنية، ولكني أؤمن بالتعايشاولا: التوافق لا يحدث الا بين طرفين "متفقين" سياسيا وفكريا، وطبيعة الديموقراطية هي التعددية لان طبيعة الإنسان هي التعددية، قد يحدث التوافق في حالات طارئة، مثل إذا واجهت الدولة اعتداء خارجيا أو كارثة طبيعية فوق العادة ساعتها " يتفق " الجميع على شئ واحد الا وهو مواجهة العدو الخارجي أو الكارثة الطبيعية ثانيا: المصالحة الوطنية: تعبير أراه يصف حالة مؤقتة، بان هناك طرفان مختصمان ويريد أولاد الحلال ان يصلحوا بينهما، وعادة تلك المصالحة كما نشأت من حالة مؤقتة فإنها حتى بافتراض أنها تمت فتظل مؤقتة، وأبرز مثال على هذا هو المصالحة بين فتح وحماس والتي استمرت بنجاح منقطع النظير لما يقارب العشر سنوات، ويخرج المجتمعون بعد كل اجتماع مصالحة وهم يرفعون الأيدي معا ويرفعون علامات النصر، ولكن اللي في القلب في القلب، لهذا تفشل دائماً محاولات المصالحة تلك. ثالثا: أما التعايش في حالة دائمة، وهذا يحدث إذا امن كل الأطراف المتصارعة إيمانا مطلقا بان قدرهم يقتضي ان يقبلوا بالعيش سويا، لانه من المستحيل ان يترك أي من الأطراف ارض الوطن لكي يفسحوا المجال للآخر، وهناك حالات استثنائية مثل طرد اليهود العرب من بلادهم بعد ان كفرهم باقي إخوان الوطن في عيشتهم، ودفعوهم دفعا لترك أوطانهم، واليهود العرب كانت حالة استثنائية نظرا اولا : لأن عددهم كان بسيطا بالآلاف وليس بالملايين، وثانيا: وجدوا أذرع مفتوحة ترحب بهم في إسرائيل وتعاملهم معاملة المواطنة الكاملة والغير منقوصة، والبعض في العالم العربي الآن يحاول دفع المسيحيين دفعا لترك أوطانهم لأنهم بسبب تطرفهم المقيت لا يريدون ان يتعايشوا مع أشقائهم في الوطن من المسيحيين.لذلك إذا لم نقبل بالتعايش كحل وحيد ونهائي فان كل محاولات التوافق والمصالحة ستنتهي بالفشل.......ودعوني اشرح لكم حالتين من حالات التعايش:اولا: انا قبلت التعايش مع نظام الزواج ومع زوجتي لمدة اكثر من ربع قرن وذلك باستخدام تكنيك غاية في البساطة، مهما قالت زوجتي من آراء أقول لها: حاضر يا حياتي، ثم افعل ما هو في مصلحة الأسرة، وبمجرد ان أقول لها حاضر يا حياتي!! يحدث التعايش أوتوماتيكيا !! ثانيا: تلك هي الحالة الأصعب، وهي كيف استطعت التعايش مع أسرتي الإخوانية الميول؟ فلقد نشأت نشأة دينية شديدة ولا أقول متطرفة،فأبي رحمه الله كان أزهريا ولم يكن اخوانيا، ولم يشترك في أي تنظيم سياسي علنيا كان ام سريا، ولكنه كان عضوا في الجمعية الشرعية، وهي جمعية سلفية تعمل لبناء المساجد والخدمات الملحقة بالمساجد، ولم يكن لها أبدا أي طموح سياسي لذلك نجحت في التعايش مع كل أنظمة الحكم في مصر منذ نشأتها في أواخر القرن التاسع عشر وحتى اليوم، وكان أخي الاكبر مصطفى يتعاطف تعاطفا شديدا مع تنظيم الاخوان المسلمين، ونقل هذا التعاطف معه الى المنزل والأسرة فكانت أسرتنا تكره عبد الناصر وسيرته بسبب أخي مصطفى وكانت أمي رحمها الله تقلق قلقا شديدا بسبب انتقاداتنا المستمرة لعبد الناصر حتى داخل المنزل وكانت تقول دائماً : بطلوا كلام في السياسة، الحيطان لها ودان! ولم نكن نبطل كلام في السياسة وربنا ستر لان حيطان منزلنا كانت من النوع الأطرش . ومع دخولي الجامعة واختلاطي بكل الأطياف السياسية من ليبراليين ويساريين وشيوعيين بدأت تتكون لدي أفكار أخرى وغريبة عن أفكار أسرتي وكان التغيير الكبير في الفكر بالنسبة لي حدث عندما ذهبت الى المانيا للعمل في عطلة الصيف اثناء دراستي في كلية الهندسة - جامعة القاهرة، وكان عمري وقتها ١٩ سنة وكان تغييرا هائلا وصدمة حضارية كبرى واكتشفت وقتها أننا نعيش كذبة كبرى من تمجيد الذات كعرب ومسلمين، ووضعنا انفسنا في عداء مع الحضارة الغربية بدلا من ان نتعايش معها ونتعلم منها فكريا وعلميا ونستفيد منها.وبعد عودتي من المانيا بدأت المسافات الفكرية بيني وبين أسرتي تتسع، ولكن استطعنا ان نتعايش معا، وأصبحوا يقبلونني كما انا وأمرهم لله، وأصبحت أحترمهم واحترم أفكارهم بالرغم من أفكاري المختلفة تماما عنهم، ثم حدثت ما سمي بالصحوة الاسلامية وقامت كل النساء والبنات بارتداء بالحجاب، فانتشر الحجاب وسط أسرتي كانتشار النار في الهشيم، ولم ينج احد سوى زوجتي وبناتي، ودائما يدعون في أسرتي لزوجتي وبناتي بالهداية في السر والعلن، وكأنهن عاصيات ومذنبات لعدم ارتداء الحجاب .ثم حدثت ثورة٢٥ يناير وفي البداية قمنا جميعا بتأييد الثورة على أنها ستكون بداية هائلة لمصر نحو الديموقراطية والتنمية، ولكن بعد تنحي حسني مبارك بأسبوع ذهبت الى ميدان التحرير وبدا الفار يلعب في عبي عندما وجدت الشيخ القرضاوي يلقي خطبة النصر في جمعة النصر، وعندها بدا ينشب خلاف آخر بيني وبين أفراد أسرتي فكلهم أيدوا استيلاء الاخوان على الثورة، وانا شخصيا كتبت يوم ٥ فبراير ٢٠١١ انصح الثوار بان يشكلوا حزبا وينزلوا معترك السياسة بقوة بدلا من إستمرار التظاهر، ولكن الثوار لم يعملوا بالنصيحة واستمروا متفرقين ومتشرذمين حتى اليوم ولكن الاخوان والسلفيون عملوا بالنصيحة وشكلوا حزبي الحرية والعدالة والنور، وفازا بأغلبية برلمانية في آخر انتخابات، واستمرت الأحداث حتى جاءت الانتخابات الرئاسية وكنت الوحيد من أفراد أسرتي الذي لم ينتخب مرسي، ورغم ذلك اعترفت به رئيساً ورغبت في استمراره رئيساً حتى نهاية مدته حتى جاءت احداث ٣٠ يونيو و ٣ يوليو والتي فاجأتني وفاجأت الكثير، وكنت موزع المشاعر بين إيماني بالديمقراطية وشرعية الصندوق ورغبتي في إزاحة الاخوان من الحكم، وحتى كتابة هذا المقال مازلت أؤيد إعطاء الاخوان باب للخروج من هذا المأزق وفرصة حقيقية وكريمة للمشاركة في الحياة السياسية وبدون اقصاء وعدم الزج بالأمور الى حد المواجهة الشاملة، ورغم ما تخبئه الايام القادمة.ورغم إزدياد الخلاف فإنني ما زلت في حالة تعايش مع أسرتي رغم أننا نحتد أحيانا على بعض في المناقشات، لاننا ما زلنا أسرة واحدة، والتعايش ليس شيئا سهلا أبدا ولكنه الأسلوب الحضاري الوحيد الذي أتفقت عليه الشعوب المتحضرة، والصراع والقتال بين أبناء الوطن الواحد لا تجده غالبا سوى في الشعوب المتخلفة مثلما نرى حولنا في العراق وسوريا وليبيا واليمن والسودان والصومال وباكستان وأفغانستان لأن كل طرف من أطراف النواع في تلك البلاد يريد القضاء على كل الأطراف التى لاتتفق معه وهذا مستحيل وسيستمر القتل وستستمر الضحايا في السقوط يوميا لأنهم يرفضون التعايش معا ولا يؤمنون به ولا يريدون التنازل او القبول بأي حل وسط (جاتهم حل وسطهم جميعا).ومثلما إستطعت بان أتعايش مع إسرتي بالرغم من إختلاف أفكارنا تماما، إلا أننا جميعا آمنا بأننا أفراد أسرة واحدة ولن نستغني عن بعضنا البعض مهما حدث، ونحن أيضا في مصر أسرة واحدة سواء رضينا ام أبينا ليبراليين واسلاميين ويساريين وحزب كنبة و مسيحيين ومسلمين ولا بد لنا من ان نتعايش معا بسلام، ويؤسفني ان أقول ان بديل التعايش هو الحرب الاهلية، وقد أعذر من أنذر.Samybehiri@aol.com