التركيبة العربية والفكر العربي المعاصر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
يتمتع البشر بصفات عدة تولد معهم أو يكتسبوها من خلال حياتهم اليومية والتربية الأسرية والعلاقات الإجتماعية والثقافية داخل الأسرة والمجتمع، ويتكون الفكر البشري ومستوياته العديدة من تركيبة معقدة تتشكل بعدة عوامل داخلية وخارجية، الداخلية تنبثق من المجتمع الذي نحن منه والحضارات التي شهدناها والمعتقدات التي نؤمن بها، والثقافة التي نتمتع بها، والكثير من العوامل الأخرى المؤثرة، أما الخارجية فتأتي عن طريق انفتاح الشعوب والأشخاص على ثقافات وحضارات أخرى مختلفة عن ثقافاتنا وحضاراتنا وعقائدنا وتقاليدنا على جميع الاصعدة، واستيعابها والاستفادة منها على جميع الجبهات والمستويات.. وهذه العوامل كلها بدورها تترك الأثر على الأشخاص وعلى تكوين شخصيتهم، وتكوين الفكر في المجتمعات وتركيبتها وقدرتها على خلق اشخاص باستطاعتهم نقل المجتمع من حالة إلى أخرى.
بينما العرب يختلفون عن الجميع وعن البشرية أجمع وتركيبتها وثوابتها، ولفهم العقل العربي في البداية نحتاج إلى فهم الكون وكيفية سير الكون، ونحتاج إلى دراسات علمية واكاديمية، فيزيائية وجينية، اجتماعية وثقافية، إلى ما هنالك من دراسات تساعد على فهم كيفية التفكير عند الإنسان العربي.. ويجب أن يكون هذا على درجات ومراحل، مستندين على طريقة تفكير هذه المجتمعات الغريبة والعجيبة.. لأنها تختلف في طريقة تفكيرها وتعبيرها وشعورها عن باقي المجتمعات والشعوب والبشرية عامة..
إن التغيير والتقلب بطبيعتهم يختلف عن باقي أبناء الجنس البشري، فلا يشبهون أحد ولا يشبههم أحد، مع أحترامي للوطن والأمة العربية من محيطها إلى خليجها، لا اقصد التجريح ولا الاستهزاء... لا بل أتكلم عن واقع نعاني منه، وكل ما أردته هو محاكاة هذا الواقع الذي نعيشه.. على سبيل المثال: الشعور قبل الطعام وبعده " تعابير ومفردات خاصة ونادرة عن الشبع وعن الجوع "... قوة الايمان قبل الصلاة وبعدها، " تختلف الف درجة ".. نحرم لغيرنا ما نحلله لنفسنا، ونطلب لغيرنا أن يفعل ما لا نفعله نحن في بيتنا.. التعامل مع الأزمات، " بعيدة عن الواقع وتقع في إطار الأحلام وانتظار المعجزات "، والاقتراب من الله أثناء الأزمات، والابتعاد عنه ونسيانه بعد اجتياز الأزمة على الفور، وأقصد هنا الأزمات على الصعيد الشخصي وليس على صعيد الدول مع انها لا تختلف كثيراً.. الاحساس قبل ممارسة الجنس وفي ما بعد الممارسة، " تبقى غريزة ليس إلا ".. في الحزن والفرح، أثناء الحديث مع بعضنا، عند التعريف عن أنفسنا أو عن زميل أو صديق أو قريب لنا، عن العنف والتعامل مع المرأة وتهميشها وتوصيفها في نفس الوقت بنصف المجتمع وهي ليست حتى من المجتمع، كما قلت " مفردات وعبارات نادرة وعجييبة وازدواجية فاضحة "..
أما فيما يتعلق بالصراعات والحروب الداخلية، فهذه تحتاج لكتب ولخبراء لشرحها وتدريسها للأجيال القادمة، سأحاول قراءة فكرة صغيرة من وجهة نظري.. شعوب تقتل نفسها بنفسها، تحت مسميات عديدة، والجنون قد حل مكان العقل، الاجنبي الممول من العربي يقتل العربي، والعربي يقتل العربي.. وفتاوي بين تحليل وتحريم وتكفير وتخوين من العربي على العربي.. وماذا بعد؟.. لا نعترف بالخطأ، وندعي المثالية، لا نملك أجوبة لأسئلة كثيرة، بينما ندعي أننا نملك الأجوبة كلها ونعرف كل شيء ونفهم في كل شيء، وندعي الكمال، و و و و... إلى غير نهاية، وإلى ما هنالك من عادات وممارسات تكشف التقلبات والتغيرات اللحظوية.. هل هذا كله فقط لأنهم عرب؟.. أم هناك سر آخر؟.. يعني بالعربي الصريح والمشرمحي، نحن " متذبذبون " وهذا جزء لا يتجزأ من شخصيتنا ومن تكويننا، ومن طرف آخر هو الجزء الذي يحافظ على استمرارنا !!.. أمر مضحك وعجيب، أليس كذلك؟
وعند دراسة الفكر العربي، يجب دراسة كل شخصية أو كل إنسان عربي على حدى، لأن كل شخص عربي على قدر الشبه الموجود بينه وبين البقية من أبناء جلدته، على قدر الاختلاف في تركيبتهم النوعية واتجاهاتهم.. فالتركيبة العربية التي نحظى بها تتكون من نوعية نادرة من الجينات التي عجز حتى اليوم أكبر العلماء في العالم تحليله، كما عجزوا بتفسير المصطلحات الخاصة التي يستعملونها ولا يشترك فيها معهم أحد.. خاصة بـ " العالم العربي "، وكأنهم في كوكب آخر، ومن طرف آخر عمل الساسة في العالم الخارجي على مدى قرون، على اكتشاف هذا السر الذي يكون الشخصية العربية، وعن كيفية فك اللغز أو "الشيفرة" المعقدة، وعند كل محاولة أعتقدوا أنهم قد نجحوا في فك هذا اللغز، يتبين لهم أنهم فشلوا مرة أخرى.
المشكلة في عالمنا تكمن في طريقة توظيف الفكر، في خلق مجتمع أو أشخاص يتمتعون بتوازن واعتدال وفكر ناضج منفتح يقود الأشخاص والمجتمع إلى مرحلة الرقاء الحضاري، الاجتماعي، التربوي، الثقافي، السياسي، الاقتصادي والإنساني، والتعقل في التعامل مع طموح الشعوب واحلامهم، رغباتهم، معرفتهم وقدراتهم لتحقيق ما يريدون، مع الأسف نملك كل شيء ولا نملك شيء، ومتل ما بيقول المثل "عندنا كل شيء على بساط أحمدي".. إن الإنسان العربي يمتلك ذكاء حاد ومواهب فريدة وسرعة بديهة غير طبيعية، ولكن التوظيف يكون دائماً خطأ، مثلاً، يستطيع نقلك بثواني من عالم إلى آخر دون أن تعرف كيف فعل ذلك ويطرح عليك حلول يعجز العقل على تحقيقها، وينقلك من موضوع إلى آخر، مواضيع غير مترابطة تماماً وبعيدة كل البعد عن بعضها البعض، وربطه لها بطريقة مدهشة تحير لدرجة الذهول..
سأعطي مثالاً آخر وما أكثرها.. عند قراءة مقال أو تحليل او تقرير في مواقع عربية، أحاول قراءة التعليقات على أمل أن أقرأ بعض النقد أو التحليلات والاجتهادات الفردية المفيدة للمعلقين، ولكن ما أراه وأقرأه يدهشني ويذهلني لدرجة أنني أبتعد عن لب الموضوع وأنسى كل ما قرأت في التقرير واصبح في عالم آخر، وانتقل من قراءة تقرير علمي أو سياسي أو ثقافي إلى قراءة حديث جنسي، وشتائم بين المعلقين، وأحاديث وآيات دينية، وحروب مذهبية وأهلية، إلى أن أصل إلى سوريا وجارتها الصين!!.. واجول مدنها، ومنها إلى جزر القمر مروراً بالهونو لولو لأصل لروبن هود السوري ومنه إلى... لا أدري إلى اين، كم هائل من (( المعلومات القيمة ))!!.. نقلات نوعية وفريدة تنقلك بثواني من عالم إلى آخر، بدون أن تفهم شيء، كل الذي يمكنك أن تفهمه، أن هناك مشكلة حقيقية في الفكر العربي وبالتعاطي مع هذا الفكر... هل لأننا لا نستعمل الفكر ولا نوظفه بالطرق الصحيحة، أم لأننا فقط كذلك؟
هناك من يبتسم من غير العرب الآن وهو يقرأ هذه المقالة، ويهز برأسه، سأقول للجميع، جميعنا، وكل من عاش في هذه المنطقة من القوميات والأعراق والشعوب المختلفة، نتقاسم كل ما ذكرت في السطور السابقة وتنطبق علينا كل هذه المواصفات، بكلمة واحدة، نحن وكلنا شعوب " متذبذبة "...
فما هو السبب ياهل ترى؟.. هل هو الهواء أو الماء ونوعية الطعام؟.. أم أشياء أخرى؟..
ما هو رأيك أنت عزيزي القارئ؟.. عسى ولعل أن يجد أحدكم حلاً.
p.petrossian@gmail.com