أصداء

بغداد: العاصمة المحاطة عسكرياً بالأصدقاء والأعداء

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

بغداد هي العاصمة المحاطة بالأصدقاء والأعداء من كل جهة وصوب ومن داخلها كذلك. فمن هي الجهة الأمنية التي تحمي العاصمة المخربة وتمنع توزيع الموت فيها بأسم الله؟

في عام 2003 وبعد سقوط بغداد ودخول القوات الأمريكية والحليفة اليها، كانت المهمة الرئيسية للقوات تأمين العاصمة المركزية من أعمال الفوضى الأرهابية داخل وخارج بغداد.

وكان النقاش العسكري للقيادة العسكرية الأمريكية في غرفة العمليات (في قصر الفاو القريب من المطار الدولي، او نادي الفارس العربي كما أطلق عليه جماعة صدام ) كان يدور عن الوسائل والسبل المتخذة لحماية العاصمة وسكانها من هجمات متوقعة تشنها القوات المتبقية و فدائيي صدام بعد أنضمام منظمة القاعدة اليها. وتم دراسة جغرافية خطوط الأمداد المُغذية للقوات الأمريكية والحليفة التي تمتد من شريط المطار الدولي وخط المرور الذي يصل قصر الفاو بالقصر الجمهوري والجسر المُعلق بجانبيه ومخاطر الدخول والخروج وهي مسافة تُقدر ب 18 كيلومتراً، وتركتْ القيادة هذه المهمة بعهدة قوات برية خاصة وقوات منقولة جواً تالبعة للجنرال ديفيد بيتريس الذي أصبح فيما بعد القائد العام للمنطقة الوسطى. كما أتخذتْ أجراءات عسكرية مُشددة لحماية العاصمة و تأمين الطريق الدولي السريع الذي يربط بغداد بالحدود الأردنية الى غرب العاصمة وجنوبها الى الحدود الكويتية. وخصصت القوات المتمركزة في تكريت لتأمين خط بغداد - الموصل - الى الحدود التركية، كما تُركتْ قوات عراقية كردية وأمريكية لتأمين خط بغداد قصر شيرين من جهة الشرق.

وبأنتهاء مهمة القوات الأمريكية والحليفة وتسليمها مهمات البلاد العسكرية الى الحكومة العراقية بنهاية عام 2011،بدأت صفحة عسكرية أستراتيجية جديدة لقوى الأرهاب الداخلي والخارجي وتبنيها للتكتيكات المدنية الشبه عسكرية بمساعدة من ضباط عراقيين في القيادة العراقية المنحلة الخاضعة الى عزت الدوري وقيادات أسلامية مختلفة من منظمة القاعدة.

ورغم الزيادة المطردة في عدد القوات المسلحة للجيش العراقي الجديد وتصنيفها الى كتائب وألوية وفرق ميدانية وأدخال التسليح والتدريب الحديث وتشكيل قوات العمليات الخاصة العراقية (سوات) SWAT، و قوات الصحوة لرفع كفاءة القدرة القتالية للوحدات، ورغم كل التدريب المكثف الذي أدخلتهُ العقيدة العسكرية الأمريكية وكتب دليل الميدان FMوفصولها المخصصة للقيادة والسيطرة وتكتيكات القتال الحديثة، فأن القوات العراقية بقيتْ في وضعية الخضوع الطائفي التام للمليشيات العنصرية والمذهبية والقومية. ولم تستطع قوات التدريب الأمريكية تغييرها الى تاريخ مغادرتها. لا بد من السعي قبل كل شيء لانتزاع القيادة من أيادي البعثرة العنصرية العاجزة وتسليمها وتحويلها الى أيادي الصلاحيات العسكرية الكفوءة.

أن مشكلة القادة العسكريين تتلخص في قناعاتهم الوظيفية التي تتفوق وتتجاوز قناعاتهم العسكرية في أتقان و براعة وفن القيادة الأفقية لقطع دابر الأرهاب من أي جهة أو طائفة مذهبية كانت. أنها قناعة أملتها على تفكيرهم أرضاء القيادة السياسية بشتى الصور الأيجابية بنجاح مفترض في وقت اصبح من المتعذر حالياً فك الطوق الأرهابي على بغداد بعمليات تكتيك عمودية.

كنتُ قد كتبتُ عن الأرهاب في مرات عديدة وتطرقتُ الى أن أحدى أهم مفاتيح النجاح في محاربة قوات معادية هي القدرة على تدفق المعلومات أفقياً والقدرة على الرد الفوري على العدو في منطقة محصورة تكون محور التنفيذ. وفي سنوات العمل في العراق أصبح لرجال الحرب الأعتقاد البديهي بأنهم يجب أن يكونوا أكثر خفة وسرعة وفطنة وتكيّف وعقلية تكتيكية من عدوهم وجعل التخطيط والتنفيذ لايتبع مركزية ثابته. وقد وردَ ذلك أيضاً في حديث مع العقيد روبرت. ب. بروان، الحاصل على شهادات عليا من الأكاديمية العسكرية الأمريكية، والماجستير من جامعة فرجينيا وكلية الحرب الوطنية، وكان قد كتب مقالاً عن مشاركته وقيادته للواء سترايكر التابع لفرقة المشاة الخامسة والعشرين في العراق و نشرته مجلة العرض العسكري في طبعتها العربية - الربع الأخير من عام 2007 ص. 16 تحت عنوان (عقلية القيادة السريعة الحركة والبديهة: الأستفادة من قوة التغييرفي العراق). ويتضمن مقاله تشابهاً نوعياً بين حرب الأرهاب الماضية والحالية، حيث كانت قوى الأرهاب المعادية ترتدي نفس الأزياء العسكرية الرسمية وتحمل نفس أشارات وهويات التعرف وتعتلي نفس العربات والمركبات العراقية المسلحة وتتكلم نفس اللغة. وعلى ضوء التقدم العملياتي والخسائر وتكاليف القتال الميدانية والمالية الأمريكية، فقد أستطاعت القوات الأمريكية في الآخر تسليم أعداد ضخمة من المجرمين الأرهابيين الخطرين الى القوات العراقية قبل أنسحابها النهائي من العراق في أواخرعام 2011. والنجاح الذي حققه أنصار القاعدة وأُمراء المنظمات الأسلامية تمَّ بمساعدة وعون مادي وطائفي، خارجي وداخلي، ومن الحكومات العراقية المتتابعة المشكّلة وهيئات شعبية عشائرية. ومن أغرب الغرائب أنه كانوا ينظرون الى الأنفجارات والتدمير اليومي للعاصمة التراثية بغداد على أنه أمر "عادي"، العبارة التي أستخدمها قادة القوات الأمنية العراقية وقيادة بغداد.

عادي؟ مهارة وحسن حركة أعداء التغيير وتخفي زمر الأرهاب وراء أحزاب وطنية وشعارات سياسية أمر عادي؟ أنه الأمر الذي سهّلَ نقل الأرهابيين والمتفجرات وأدخال وأخراج الموالين للحركات الأسلامية المتطرفة التي كان همها أسقاط الحكومية المركزية في بغداد بأي وسيلة ووفق خطة جريئة يبسطها أمامهم من هو في قمة السلطة ومبنية على اساس ضرورة طرد الأمريكيين وحلفائهم داخل المنطقة الخضراء.

المسؤولون العراقيون المغرورون في بغداد " تسمية أفضلها لهذه السطور"، وخبرة قادتهم القتالية وتمرسهم في محاربة الأرهاب، لا تتعدى المعرفة العامة، ويديرون القتال اليومي ضد قوى الأرهاب بأرتباك وردود فعل أنفعالية ودون معرفة بطرق القتال التكتيكي وأبعاده الأستراتيجية وخطط الهجوم والدفاع الحديثة المتبعة. كما أن دوائر مخابراتهم مخترقة وتدار من عدة عناصر عراقية مُطيعة لأصحاب الكلمة، مع أن تلونها الطائفي كان قد أخفق خطة الأنقلاب السريع لصالح جهة دون أخرى، ومنها وعلى ضوئها فشلت محاولات أياد علاوي وطارق الهاشمي والعيساوي وأخرون في الأطاحة بحكومة بغداد وصعود البعث من جديد، وبقيت الوسائل والسبل المتخذة لحماية العاصمة من هجمات متوقعة فاشلة واهية ضعيفة ولاتتمتع بالديناميكية وسرعة الحركة.

وبتتبع أسماء وتسلسل من تبوأَ المؤسسة العسكرية يُعطي صورة واضحة لما هو مقصود هنا. ففي أحرج الظروف العسكرية تم ترشيح وتسمية الدكتور علي عبد الأمير علاوي أول وزير دفاع مدني بالوكالة في مطلع كانون الثاني 2004، بالإضافة إلى مهامه الأخرى كوزير للتجارة.

وفي فترة الحكومة الانتقالية والحقبة التاريخية الهامة الحرجة، تبوأ السيد حازم الشعلان حقيبة وزارة الدفاع في 28 حزيران يونيو عام 2004 تلاه الدكتور سعدون الدليمي في 9 أيار مايو عام 2005، كما شغل حقيبة الدفاع في حكومة نوري المالكي الأولى السيد عبد القادر جاسم العبيدي وهو شخصية عسكرية، وكمستقل كان قد شغل منصب قائد القوات البرية في الجيش الجديد قبل اختياره وزيراً للدفاع من قبل مجلس النواب العراقي. بعد تشكيل حكومة الوحدة الوطنية.
ولا تزال حكومة السيد نوري المالكي الثانية بدون وزير دفاع ويشغل المنصب بالاصالة سعدون الدليمي. وأنا بصدد نشر كتاب عن العراق قريبا فأني سأعطي متسعاً من الوقت والجهد لنشر ماألحقه تصرف البعض من أخطار على أهل العراق وأهلنا.

لقد تغاضى العراق في أحايين عديدة (الحالية) والماضية التي ترجع بنا الى الستينات من القرن الماضي، تغاضى وتأمرَ على هيكل مؤسساته العسكرية، وهو الأمر الذي جعل وزير الدفاع السابق الفريق الركن الطيارحردان التكريتي أن يقول قبل أغتياله في الكويت يوم 30 أيار مارس عام 1971، "كنا عصابة من القتلة تسير خلف مليشيات".

أن مشكلة القادة العسكريين تتلخص في قناعاتهم الوظيفية التي تتفوق وتتجاوز قناعاتهم العسكرية وتُملي على تفكيرهم أرضاء القيادة السياسية بشتى الصور الأيجابية بالتطرق الى نجاح مفترض وليس نجاحاً ميدانياً على الأرض، فمدينة بغداد ليست جدار برلين الفاصل بين شرق أوروبا عن غربها لمنع التسلل والتفجير وألحاق الدمار. والنجاح النظري المفترض للحكومة العراقية ليس حقيقياً في وقت اصبح من المتعذر حالياً فك الطوق الأرهابي اليومي عن بغداد بعمليات تكتيكية عمودية.

أهمية وزارة الدفاع ومؤسساتها العسكرية تبرز في الحفاظ على حدود وسيادة العراق ومصالحه بخبرة أفقية تمارس فيها قيادات القواطع العسكرية مسؤولياتها. فمثلاً، كان صدام حسين وعلي حسن المجيد قد شَغلا قمة المناصب في المؤسسة العسكرية دون خبرة، كفاءة، مهنية، أو شهادة عسكرية معترف بها، ومارسا المهنة الفوقية العمودية بشكلها السلبي، مع أعتراف الخبراء العسكريين بأن الخطوط الأمن والحلقات العسكرية والمخابراتية المستديرة المفروضة على بغداد عمودياً حمت في وقتها، الى حد ما، سكان العاصمة والبنية التحتية من التدمير والخراب للفترة من عام 1980 الى عام 2003.

أننا الآن لسنا في حالة تمكننا أن نختلف في مناظرات ومناقشات عقيمة حول تسمية الجهات الأرهابية الرئيسية أو الثانوية الملحقة ومواصفاتهم المذهبية والفكرية وماذا يمثلون، فلا يمكن التمييز بين الأرهاب وتجميله وتعليله بمواصفات جهادية. أن ماأريد أن أصل أليه في النهاية هو أن العقيدة العسكرية الجديدة FM التي تبنتها القوات المسلحة العراقية لم تُتقن أو تُطبق كما يجب، أو بالأحرى كما كان يرجو لها أهل العراق وسكان العاصمة الأتحادية بغداد، وبالأخص فصول " محاربة قوى الأرهاب ". كما أن الدروس المستخلصة من واقع العمليات الميدانية في الحرب على الأرهاب لم تنجح للأسباب الواردة أعلاه. ومراجعة لواقع التقسيم الأداري لمدينة بغداد التي يفصلها نهر دجلة جانبيها الكرخ والرصافة يوفر فرصة عسكرية فريدة لمن يفكر بحصارها، خنقها، أو تحريرها من قوى الأرهاب.

كاتب وباحث سياسي

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف