تكنولوجيا البشر تسبر أغوار الكون
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
عندما كان البشر الأوائل ينظرون الى قبة السماء يصابون بالذعر والدهشة في آن واحد، فهناك في السماء العالية تسكن الآلهة المحاطة بالنجوم، تحصي أنفاس البشر وأفعالهم وتتوعدهم بالويل والثبور. ثم جاء الفلاسفة ليقدموا اللبنات الأولى للنظرة العقلانية للوجود لكنهم لم يكتشفوا قوانين الطبيعة بعد. هناك نظام رائع وبديع ومعقد وغاية في الانتظام والتنظيم والدقة كما يبدو لناظر الانسان لكنه غامض ومليء بالأسرار والألغاز، وبفضل قوانين، كانت خفية على البشر، استطاعت الطبيعة أن تخلق التركيبة المذهلة لتنوعات العالم، والتي كان القدماء يعزوها لفعل رباني مطلق ولا محدود القدرة. مر وقت طويل قبل أن تخرج قوانين الطبيعة الى العلن وتعلن عن نفسها، بعد أن انتبه الحكماء والفلاسفة والعلماء القدماء الى تكرار بعض الظواهر الطبيعية وانتظام تعاقب الليل والنهار وتعاقب الفصول وعزوها الى عالم الأرواح الذي يقف وراء هذا التناغم، فلكل شيء روح تحركه. بعض الفلاسفة كأرسطو على سبيل المثال، حاول تفسير العلة والسبب أي الإجابة عن لماذا ولم يركز على الكيفية، أي كيف تحدث الأشياء والظواهر كسقوط المطر مثلاً. وعندما ظهرت الأديان، لا سيما السماوية منها، أرجعوا كل شيء الى إرادة الكائن الأعظم وغدت الطبيعة مجال يحكمه الإله بمجموعة من القوانين، فكان العالم الألماني يوهان كبلر Johannes Kepler يبحث عن كمال الله من خلال عظمة خلقه ودقة تنظيمه عندما كان يدرس حركات الكواكب ودورانها، وكان العالم الإنجليزي إسحق نيوتن Issac Newton يعتقد أن الكون ليس إلا آلة هائلة ومحكمة بدقة متناهية من قبل إله مهندس عقلاني، أي أن الله في نظره، كان هو الضمان لكل عقلانية الطبيعة، وهي العقلانية التي تتيح للعقل البشري، الذي هو بدوره هبة إلهية، إمكانية فهم العالم. بينما أدخل غاليلو غاليله Galileacute;e المنهجية العلمية مؤكداً أن العلم يهدف الى البحث عن العلاقات الكمية بين الظواهر الفيزيائية التي تبدو منفصلة عن بعضها البعض على أن يبنى هذا البحث على المراقبة والمشاهدة والرصد والتجربة. وإن الله خلق الكون الساعة بعد أن أحكمه بدقة وتركه يعمل لوحده بصورة دائمة، وابتعد الله رويداً رويداً عن ساحة التفكير العلمي تاركاً العقل يفكر ويعمل في الصدارة مخلفاً وراءه مبدأ الإيمان والاعتقاد الديني، الى أن تحول الله الى مجرد فرضية زائدة في رأي العالم الفرنسي الماركيز بيير سيمون دي لابلاس le marquis Pierre Simon de Laplace في كتابه الميكانيك السماوي La meacute;canique ceacute;leste الذي أهداه إلى نابليون وسأله هذا الأخير أين المهندس الأكبر، أي الله، في هذا النظام البديع؟ أجابه لابلاس:" ياسيدي إنه فرضية لا حاجة بي إليها في نظامي. وهكذا ابتعد الله شيئاً فشيئاً قبل أن يعلن موته الفيلسوف المتشائم نيتشه. انطلق العلماء مبتعدين عن القيود والإملاءات الثيولوجية الكنسية أو الدينية في بحثهم عن شكل الكون وحجمه وتاريخه وجغرافيته، أصله ومصيره، هيكليته وهندسته، وكان على رأس هؤلاء آلبرت آينشتين Albert Einstein وماكس بلانك Max Planck، الأول صاحب نظرية النسبية الخاصة والعامة، والثاني واضع أسس نظرية الكموم أو الكوانتا. الأول يبحث في اللامتناهي في الكبر، في الكواكب والنجوم والمجرات، والثاني في اللامتناهي في الصغر، في الذرات والروتونات والالكترونات والنيوترونات والكواركات وما دونها.
ما تحت وما فوق:
عندما نقول اللامتناهي في الصغر فهذا يعني أننا ملزمون بالحديث أولاً عن العلم الذي يتعامل مع هذا المفهوم، وهو فيزياء الكوانتا أو ميكانيكا الكم physique ou meacute;canique quantique، وهناك قلة من العلماء من تفهموا في بدايات القرن الماضي أسرار هذا العلم وما يترتب عليها من تغيرات في الرؤية العلمية للكون والمادة والطاقة وإعادة النظر في المسلمات العلمية السائدة.
فيزياء الكموم أو الكوانتا هي بلا شك أحد أكبر المغامرات العلمية للقرن العشرين. وبالتالي ينبغي الكشف عن أصولها وجذورها وأسرارها وما يعتليها من غموض وصعوبات مفاهيمية، أي الأسس والتجارب والتطبيقات المرتبطة بهذه النظرية.
تحتوي الأسس العلمية لفيزياء الكوانتا أو الكموم، على الأساسيات من الخيارات المفيدة في فهم واستيعاب المباديء الكوانتية أو الكمومية الرئيسية حسب تسلسل ظهورها التاريخي والزماني. وعلينا أولا أن نضع فيزياء الكموم أو الكونتا في سياق الامتداد المكمل للفيزياء الكلاسيكية كونها جاءت لتجيب على تساؤلات ومسائل لم تستطع الفيزياء الكلاسيكية حلها أو تفسيرها. إن مفهوم الكمومية ثوري بطبيعته ولقد أدخل إلى عالم الفيزياء بمختلف الأشكال. ولابد من الحديث عن العلماء الذي وسموا بأعمالهم ومساهماتهم العلمية فيزياء الكموم أو الكوانتا وتركوا بصماتهم وكونوا جيل الرواد، كماكس بلانك والبيرت آينشتين ونيلز بور ولوي دي بروجلي وغيرهم. Max Planck،Albert Einstein،Niels Bohr،Louis de Broglie، وبعد هؤلاء الآباء المؤسسين لهذا الصرح العلمي، يأتي جيل من العلماء والفيزيائيين الموهوبين جداً الذين وضعوا القاعدة الرياضياتية الشكلانية المتينة اللازمة للأبحاث العلمية اللاحقة في هذا الميدان. وقدموا إضافات مذهلة مثل مبدأ الاستبعاد لبولي principe drsquo;exclusion de Pauli، ومبدأ الريبة أو اللايقين لهيزنبيرغ principe drsquo;incertitude drsquo;Heisenberg، أو معادلة شرودينيغر الشهيرة lrsquo;eacute;quation de Schrouml;dinger، ومع ماكس بورن Max Born برز مبدأ الاحتمالات principe de probabiliteacute;s، وعلينا أن نلاحظ كيف تغلغلت التخمينات والافتراضات في أبحاث العلماء وزعزعت مفهوم الحتمية conception deacute;terministe في عالم الفيزياء. كما يتعين علينا توضيح كيف استطاعت فيزياء الكموم أو الكوانتا أن تلج عصر التفسيرات والنبؤات أو التوقعات. كان آينشتين ينظر بعين القلق والهلع من التحولات والتطورات التي طرأت على النظرية الكمومية أو الكوانتية التي ساهم هو شخصياً بتأسيسها وتطويرها. وتجسد نقده فيما عرف بمفارقة EPR التي سنشرحها بالتفصيل لاحقاً، ونعرج على مختلف تيارات ومدارس التفسير لميكانيكا الكموم أو الكوانتا من تفسير كوبنهاغن interpreacute;tation de Copenhague الى يومنا هذا في العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين. مع إطلالة سريعة على أهم التجارب الجوهرية، وهي في أغلبها تجارب ذهنية تفكيرية وليست مختبرية، مثل مفارقة قطة شرودينيغر paradoxe du chat de Schrouml;dinger، وبالطبع التجارب المختبرية التي أثبتت صحة المعطيات العلمية لفيزياء الكموم أو الكوانتا كتجارب العالم الفيزيائي الفرنسي آلان آسبيه Alain Aspect وتجارب جون بيل John Bell الأحدث منها والتي ردت بعد ثلاثين عاماً على مفارقة EPR والتي أعطت الحق لبور وأعتبرته مصيباً في حججه ضد آنشتين التي خطأت طروحاته وحججه، والتجارب الأحدث كتجربة الحصول على غيوم من الذرات الباردة أو أبحاث وتجارب عالم الفيزياء الفرنسي الحائزة على نوبل للفيزياء سنة 2012 سيرج هاروش Serge Haroche.
وهنا ياتي الجزء الأهم ألا وهو التطبيقات العملية لفيزياء الكموم أو الكوانتا في مجال البحث العلمي وفي حياتنا اليومية، كموضوع الليزر واستعمالاته المدنية والطبية والعسكرية الذي جرى تطويره منذ سنوات الستينات في القرن المنصرم، إلى جانب تطبيقات مستقبلية مثل الكريبتوغرافية أو التشفيرية والترميزية cryptographie والانتقال الفوري الآني تيليبورتيشن teacute;leacute;portationوالحاسوب الكمومي أو الكوانتيordinateur quantique ومختلف الأدوات والأجهزة الالكترونية الحديثة كالهاتف الذكي smartphoneوالجي بي أس GPS أي محدد الأماكن عبر الستلايتات أو الأقمار الصناعية والتصوير الشعاعي الطبي imagerie meacute;dicaleالخ..
منابع الفيزياء الكوانتية أو الكمومية:
في نهاية القرن التاسع عشر اعتقد علماء الفيزياء أن قواني الفيزياء الكلاسيكية التي اكتشفوها تمنحهم المعرفة الكاملة لفهم العالم. باستثناء بضعة تساؤلات ظلت معلقة تبحث عن أجوبة علمية شافية. ولكن في بداية القرن العشرين في العم 1900 حدثت انعطافة حادة في الفيزياء المعاصرة عدت بمثابة ثورة حقيقية وذلك بولادة الفيزياء الكمومية أو الكوانتية La physique quantique من صلب محاولات بعض العلماء الإجابة على تلك التساؤلات العلمية العالقة. ففي عشية القرن العشرين كانت حصيلة المعارف والخبرات في مجال الفيزياء وباقي العلوم الطبيعية وفيرة وفيها تكمن جذور وأصول الفيزياء الكمومية أو الكوانتية. كانت الفيزياء منقسمة إلى ثلاثة تخصصات رئيسية هي الميكانيك والكهرومغناطيسية والديناميكا الحرارية la meacute;canique، lrsquo;eacute;lectromagneacute;tisme، la thermodynamique، فالميكانيك الكلاسيكي أو النيوتني نسبة لنيوتن meacute;canique classique newtonienne يستند إلى دعامتين وضعهما إسحق نيوتن Isaac Newton في نهاية القرن السابع عشر. الداعمة الأولى مكونة من ثلاث قوانين هي قواني الحركة، والدعامة الثانية هي قانون الجاذبية أو الثقالة الكونية وهي بلا أدنة شك أكبر الاكتشافات العلمية لكل الأزمان التي سبقت اكتشافها. وكان الجمع بين هذين الاكتشافين هو الذي قاد البشرية الى التطور والتقدم النظري والتقني الهائل الذي حققه الانسان في العصر الحديث. فبفضل قوانين نيوتن يمكننا اليوم حساب مسار الصواريخ والاقمار الصناعية التي ترسل للفضاء. أما الكهرومغناطيسية، وهي الفرع الجوهري الثاني من الفيزياء المعاصرة، فقد نجمت من توحيد المغناطيسية بالكهرباء وكان العالم جيمس ماكسويل James Maxwell هو الذي أعلنها سنة 1864 على شكل أربع معادلات باتت شهيرة. وما زالت تستخدم لوصف الأنظمة المتنوعة، كموجات الراديو والتلفون والمحركات الكهربائية الخ.. أما الفرع الثالث للفيزياء الكلاسيكية، أي التيرموديناميك الحراري فيقوده ثلاث مبادئ جوهرية ويدرس آليات وميكانيزمات التحول الحراري للأجسام، وتطور هذا الفرع من الفيزياء في القرن التاسع عشر على يد العالم كارنو وجول وكلاوسيوس Carnot، Joule،Clausius وكانت لهذا العلم تطبيقات عديدة مثل اختراع محركات التفجير وأنظمة التبريد وغير ذلك من الأنظمة الفيزيائية والجيوفيزيائية physique، geacute;ophysique. وإلى جانب هذه الفروع الفيزيائية الأساسية مجتمعة يوجد علم البصريات lrsquo;optique والذي يمكن التعامل معه بمعادلات ماكسويل حصراً لذلك يمكن اعتباره جزء من الكهرومغناطيسية ولكن بخصوصية منفردة. فهناك واجهتان لعلم البصريات: الأولى هندسية geacute;omeacute;trique التي تمثل الإشعاعات الضوئية كالخط المستقيم الذي نخطه على سطح ورقة بمساعدة مسطرة / والثانية موجية ondulatoire التي تعامل الضوء كموجة. وكانت هذه الطبيعة المزدوجة للضوء مثار جدل وسجالات علمية لعبت دوراً أساسياً في ظهور وتطوير الفيزياء الكمومية أو الكوانتية. وبعد بضعة قرون من التردد، بسبب الرؤية الحبيبية الموروثة عن نيوتن للضوء، بات من البديهي في فجر القرن العشرين، اعتبار الضوء ذو طبيعة موجية أيضاً. وذلك بفضل أبحاث وتجارب علماء الفيزياء هيوغينز Huygens سنة 1690، ويونغ Young سنة 1801، وفرينلFresnel سنة 1818، وتوجتها فيما بعد معادلات ماكسويل الشهيرة التي وصفت كيفية تأرجح الحقول الكهربائية والحقول المغناطيسية التي تكون الضوء، في الزمان والمكان. ولو تمكنا من حل تلك المعادلات سيكون بإمكاننا وصف الموقع والسلوك المؤقت للحقل الكهرومغناطيسي لكل نقطة إشعاع ضوئي. ونستنتج من ذلك ثلاث أشياء: الأول أن الضوء ينتشر بسرعة ثابتة ومحددة وهي سرعة الضوء المعروفة 300000 كلم في الثانية، والميزة الثاني هي أنه إذا لم يلتق الضوء بعائق فإنه سينتشر في اتجاه ثابت ومستقيم، والميزة الثالثة هي الحل الرياضياتي الذي يثبت بداهة الظاهرة الموجية التي تتأرجح بتردد معين أي عدد التأرجحات في الثانية الواحدة وبطول معين للموجة التي تحدد لون الشعاع الضوئي. فالضوء الأزرق لديه طول موجة تقدر بأربعمائة نانومتر أي سنتمتر مقسوم على 250000. إن إدراك الصفة الموجية للضوء سمح للفيزيائيين فهم ظاهرتين أساسيتين وهما التشابك أو التداخل والزيغ أو الانحراف وحيود الضوء الذي لا يمكنه شرحه وتفسيره وفق النموذج الحبيبي أو الجزيئي للضوء. فالتداخل والتشابك يحدث عندما تلتقي موجتان أو أكثر في نقطة ما من الفضاء أو المكان. والمثال التوضيحي لذلك هو عند رمي حجرين في مستنقع ساكن على مسافة الواحد عن الآخر وكل واحد منهما يحدث موجات حول نقطة تصادم الحجر بالماء الساكن وبالتالي يمكننا أن تلاحظ مصدرين للموجات التي تتداخل ببعضها البعض. أما انحراف الضوء وحيوده فينتج عندما يمر شعاع الضوء خل فتحة تكون أبعادها مساوية لطول موجة الضوء النافذ ومن البديهي القول أننا لا يمكن أن نفسر هاتين الظاهرتين إلا إذا اعتبرنا الضوء ذو طبيعة موجية. ومن هنا برزت ظاهرة الجسم المسخن ذو الشعاع الأسود حسب درجة الحرارة وطول الموجة التي تصدى لشرحها وتفسيرها علميا الفيزيائي الفذ ماكس بلانك Max Planck ولكي يحلها قدم لنا ما نعرفه اليوم بفيزياء الكموم أو الكونتا physique quantique.
في سنة 1900 انكب ماكس بلانك يبحث عن تفسير لمشكلة الجسم الأسود corps noir الذي يتعرض للتسخين ويطلق نوعاً من الأشعة غير المرئية، الأمر الذي قاده الى تقديم ثابت بلانك الشهير constante de Planck واكتشف أن تبادلات الطاقة داخل المادة تحدث على شكل حزم كمومية paquets quantiques أي إنه هو الذي ابتدع ثابته الشهير في معادلته الشهيرة ومفهوم الكم أو الكوانتا. ولد العالم الألماني ماكس بلانك سنة 1858 وكان مولعا منذ صغره بالموسيقى ويعزف على آلة البيانو وكان من التلاميذ الموهوبين والمتميزين، وبعد إنهائه المرحلة الثانوية بامتياز دخل الى جامعة ميونخ لدراسة الفيزياء وكان يرغب في معرفة القوانين التي تحكم وتسير الطبيعة. اتجه في بادئ الأمر لدراسة الثرموديناميك أو الديناميكا الحرارية thermodynamique ودافع في هذا التخصص عن أطروحته سنة 1878. و الثرموديناميك هو فرع الفيزياء الذي يدرس تبادلات الحرارة بين الأجسام الباردة والأجسام الساخنة، وبفضله تمكن البشر من اختراع المحرك والثلاجة. كرس بلانك جل وقته لدراسة آليات انتقال الطاقة داخل المادة. تم تعيين ماكس بلانك سنة 1888 أستاذا للفيزياء النظرية في جامعة برلين العريقة. وكان قد خلف عالم الفيزياء الألماني الشهير هيلمولتزHelmoltz على رأس هيئة علماء الفيزياء في برلين. وكان متواضعاً وخجولاً وبقي في منصبه الى تاريخ تقاعده سنة 1926. كانت مشكلة الجسم الأسود من معضلات الفيزياء الكلاسيكية منذ أبحاث غوستاف كيرشهوف Gustav Kirchhoff سنة 1860. في تلك الفترة، ومنذ عهد نيوتن، كان العلماء يعرفون أن الضوء يبدو أبيضاً، أو أصفرا بالنسبة لشعاع الشمس، مكوناً في الواقع من عدة أطياف ضوئية مختلفة الألوان عرفت بمفهوم الطيف الضوئي spectre de la lumiegrave;re، فهناك الطيف المرئي spectre visible المحصور بين البنفسجي والأحمر، وكل لون مرتبط بقيمة فيزيائية تعرف باسم طول الموجة longueur drsquo;onde والمعاكس لها بصيغة الرياضيات يعرف باسم التردد freacute;quence. وكان مريشهوف يحاول أن يفهم ماهي العلاقة بين لون طول الموجة الذي يبثه الجسم عند تسخينه ودرجة حرارة ذلك الجسم، بغض النظر عن طبيعة أو شكل الجسم المعني. أي اكتشف أنه يمكن الربط بين درجة الحرارة ولون الجسم المسخن، وكانت هذه الظاهرة ملحوظة ومشخصة ومعروفة خاصة لدى صناع الزجاج، وكانت غاية كيرشهوف من تجاربه هي قياس الطيف الضوئي الذي يبعثه الجسم الأسود عند تسخينه بدرجات حرارة مختلفة ومتصاعدة. فتمكن عند درجة حرارة معينة من قياس كثافة الضوء المنبعث لكل لون من الطيف المرئي. وتثبت من أنه في كل لون تكون الكثافة الضوئية المتلقاة لا تعتمد، لا على طبيعة المادة أو المعدن ولا على شكله ولا على حجمه، وكانت المشكلة أعقد فيما يتعلق بالطيف غير المرئي أي الأشعة فوق البنفسجية والأشعة ما تحت الحمراء، وكانت تلك المشكلة معروفة باسم كارثة ما فوق البنفسجي catastrophe ultraviolette. كانت القضية مهمة بالنسبة للصناعيين خاصة صانعي المصابيح الكهربائية الذيم كانوا يمولون التجارب والأبحاث النظرية بغية استمداد التطبيقات الصناعية منها، فقرر بلانك إيجاد قانون يتماشى مع كافة مناطق الطيف الضوئي المرئية وغير المرئية، من خلال إيجاد الصيغة الرياضياتية التي تتلائم مع النتائج التجريبية، ولتحقيق غايته، لجأ بلانك لأبحاث أجريت سنة 1870 من قبل العالم الفيزيائي لودفيغ بولتزمان Ludwig Boltzmann. وكان هذا الأخير قد طور نظرية عرفت باسم النظرية الحركية للغازات theacute;orie cineacute;tique des Gaz من خلال الحسابات النظرية البحتة. حاول بلانك تطبيق هذه المعطيات على الجسم الأسود وافترض أن الطاقة المشعة تحرر على شكل حزم paquets وليس على نحو ممتد، وإن كل حزمة تمتلك طاقة تعادل تردد الإشعاع مضروب بقيمة رقمية محدد وثابتة دائماً وهي التي عرفت فيما بعد بثابت بلانك h وسميت الشرائح المنبعثة بكموميات أو كوانتات الفعل quantum drsquo;action ووضع كل ذلك في معادلته الشهير E=hv حيث E هو الطاقة و h هو ثابت بلانك و v تردد الشعاع وهذه المعادلة الرياضياتية في اللامتناهي في الصغر هي المقابل الرياض يأتي لمعادلة آينشتين الشهيرة E=mc2 في اللامتناهي في الكبر في نظرية النسبية. ولقد حصل العلمان الألمانيان على جائزة نوبل للفيزياء بلانك سنة 1918 وآينشتين سنة 1921 وهما صديقين حميمين. يتبع