تعليقات القراء الأعزاء... ومع الشكر (1)
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
من مفكرة سفير عربي في اليابان
يبدو بأن مقال الأسبوع الماضي عن، المعارضة ومستقبل مملكة البحرين، قد خلق نوع من الحوار، ليؤدي إلى تعليقات حادة، على صفحات الجريدة الالكترونية إيلاف. وطبعا من مميزات هذه الصحيفة الالكترونية فتح المجال لحرية الحوار، ومن الجميل بأن هناك فرصة أيضا للقراء الأعزاء إبداء أرائهم حول تعليق قارئ ما. وقبل أن نبدأ نقاش مقال هذا الأسبوع أرجو أن نحاول معا المحافظة على الروح الإنسانية التي أوجدها الخالق جل شأنه في جنسنا البشري، والذي جمعها في عقولنا، بمختلف أنواع الذكاء. وليشمل ذلك ذكاء ذهني يجمع المعطيات، ويدرسها، ويحللها، لينتهي لقرارات وحوارات رصينة مدروسة، وذكاء اجتماعي للتواصل بين البشر، لنعمل معا بتعاون متناغم لكي نتعامل بنجاح مع التحديات البيئية، والمجتمعية، والاقتصادية، ومن ذكاء عاطفي نستطيع من خلاله السيطرة على انفعالاتنا في التعامل مع الاختلافات والخلافات، وتوجيهها نحو بناء المجتمع وتطويره، بدل ضياع هذه الطاقة الانسانية في الحقد، والكراهية، والعداء العرقي أو الديني أو الطائفي، ومن ذكاء روحي نتفهم من خلاله معنى وجودنا في هذه الحياة، وأين نحن ذاهبون بعدها، وكيف يمكننا العيش فيها لنطورها، مع احترام مكونات الطبيعة التي خلقها الخالق، جلت عظمته، من مخلوقات متنوعة ومظاهر طبيعية جميله، وكيف سنتعامل مع اقراننا من البشر بتناغم ومودة، لنترك هذه الحياة، وقد لعبنا دورا إيجابيا في بناءها، وإسعاد مخلوقاتها البشرية. كما علينا أن نتذكر بأن علينا العمل لدنيانا كأننا نعيش للأبد، ونعمل لأخرتنا وكأننا سنموت في الغد. كما أن من صفات السمو البشري أن نعمل للآخرة لنرضي الخالق جلة عظمته، لا طمعا في بناء قصور بالجنة، مع غنيمة حورها العين، والذي وصل عددهم مؤخرا، للشخص الواحد، حوالي العشرين ألف.
وقبل أن نبدأ أرجو أن نتذكر بأن التاريخ البشري ملئ بالإرهاصات المحزنة، والماسي الدموية، والتفرقة البشرية بمختلف أنواعها. فمثلا في زمن الإغريق كان 90% من الشعب عبيد، وبعد ثلاثة ألفيات من الزمن، وفي القرن العشرين، وصفت وزيرة خارجية الولايات المتحدة السابقة، مادلين ألبرايت، القرن العشرين بأنه من أكثر القرون دمويا في تاريخ البشرية. ولنتذكر أيضا، وحتى نصف قرن مضى، كان الأفارقة في الولايات المتحدة يعانون من التفرقة العنصرية، لا بل كانوا يعانون من التفرقة العنصرية في بلدانهم الأفريقية، كجنوب أفريقيا وروديسيا، ولا يختلف ذلك عما يعانيه الشعب الفلسطيني من تفرقة عرقية في الدولة العبرية اليوم.
لقد حاولنا في مقال الأسبوع الماضي، المعارضة ومستقبل مملكة البحرين، أن نلفت نظر عزيزي القارئ بأن ارهاصات ما سمي بالربيع العربي كان مقلقا، بعد أن انخفض ترتيب دول الشرق الأوسط في مؤشر السعادة بشكل محزن، وهو المؤشر الذي يربط نتائج التنمية الاقتصادية والاجتماعية بسعادة البشر. كما لفتنا النظر لبعض عناصر المعارضة المتطرفة التي تريد أن تفرض تصوراتها بالقوة، وتدمر اقتصاد بلدانها. وكما قالها المفكر الإيرلندي، جورج برنارد شو، الرجل العاقل يتآلف مع العالم، بينما يصر الرجل الغير العاقل أن يتآلف العالم مع تصوراته وأفكاره، ولذلك يقرر، عادة، المستقبل البشري الرجل الغير العاقل، وكما لاحظنا من التاريخ، بالعنف الدموي والحروب المدمرة.
لنبدأ عزيزي القارئ بالتعليق الأول والذي يقول: "ما يمدح السوق إلا من ربح فيها، عقبال ما تكون وزير بعد هذا المقال، ما تقول لي من سمع فيك انت وانجازاتك. اقول خاف الله في عيالك واحفادك، ترى الظلم حرام. أنا مواطن خليجي اراقب الوضع البحريني عن قرب، ارى تهميش واضح لشريحة كبيرة من البحرينيين بدون سبب، واجزم بذلك."
ليسمح لي الأخ المعلق أن أشكره على تعليقه، كما أقدر صراحته، وحرصه على العدالة في مملكة البحرين، وقلقله من "تهميش شريحة كبيرة من البحرينيين، وبدون سبب،" كما اشكره أيضا على دعائه لي لكي أكون وزيرا. وأرجو أن يعلم المعلق العزيز بأنني قد انتهيت من تأديتي واجبي نحو وطني كوزير، حينما تشرفت بخدمة بلدي كوزير للصحة قبل عقد من الزمن، بعد أن أرسلتني الدولة للمملكة المتحدة لتخصص في جراحة الأطفال، ضمن خطة حكومية لتطوير الكوادر البحرينية في مختلف الاختصاصات الطبية، ولم يسألني أحد حينما اخترت لهذه المسئولية، لأي قبيلة أو طائفة أو جمعية أنتمي. وحينما رجعت إلى بلدي قمت مع زملائي الجراحيين البحرينيين بإنشاء أول قسما لجراحة الأطفال في مملكة البحرين، ضمن خطة صحية حكومية متطورة. وقد عينت في بدايات الألفية الثالثة وزيرا في الحكومة، بعد أن كنت رئيسا منتخبا لجمعية الأطباء البحرينية، مع بدأ الاصلاحات السياسية والاقتصادية والاجتماعية في مملكة البحرين، وبعد الموافقة على ميثاق العمل الوطني من 98.4% من شعب مملكة البحرين. كما أنني بعد ان تشرفت العمل بتلك المهمة، تشرفت مرة أخرى بالحصول على وسام الدرجة الأولي من جلالة ملك مملكة البحرين، على تطوير خطة صحية وقائية، بجهود مشتركة متناغمة لفريق عمل جمع بين رئاسة الحكومة، ومسئولي وزارة الصحة، وبالتعاون مع منظمة الصحة العالمية، ومن خلال المدير الاقليمي للشرق الأوسط، سعادة الاستاذ الدكتور حسين الجزائري، والذي كان وزيرا للصحة بالمملكة العربية السعودية. كما شرفني بعدها مرة ثالثة جلالة الملك بتعيني أول سفير لمملكة البحرين في اليابان في عام 2005.
وأرجو من عزيزي المعلق أن يطمئن على شعب مملكة البحرين، فالشعب البحريني شعب متعلم، ومسالم، وحكيم، كما أن هناك دستور تمخض من ميثاق عمل وطني شعبي متفق عليه، بالإضافة بأن الخالق جلت عظمته، أنعم على مملكة البحرين بملك متزن، حكيم، وصبور، وحازم، وذا قلب كبير. وفي الحقيقة بأن معضلتنا اليوم في مملكة البحرين، هي محاولة جارتنا إيران، تصدير نظامها الثيولوجي، وفي الألفية الثالثة، وهو النظام الذي ثبت فشله في القرون الوسطى بأوربا، كما تكرر فشله حينما حاول البعض تجربته مؤخرا، خلسة، في مصرنا الحبيبة. وكما تعلم عزيزي المعلق بأن هناك طريقين للإصلاح في تاريخ المجتمعات البشرية، الأول طريق الاصلاح التدريجي الهادئ الرصين، والتي عايشته الكثير من دول أوربا الغربية، وعلى رأسها المملكة المتحدة. بينما هناك طريق الثورة الانفعالية الفجائية، والتي عايشتها التجربة الاوربية الغربية في فرنسا، والتي احتاجت لقرون طويلة لكي تهدأ ارهاصاتها الثورية الانفعالية، ولكي تتخلص من تبعيات دكتاتورياتها بعد بدء الثورة، وخير مثل لذلك دكتاتورية نابليون بونابرت، وما تبعتها من خلافات أوربية أدت لحروب عالمية طاحنة، والتي إنتهت بزهق الملايين من أرواح البشر، وتدمير مرعب للبنية التحتية الأوربية، وكلفة هائلة من تريليونات الدولارات، خلال الحرب وما بعدها، ولكي تنتهي اليوم بديمقراطية الجمهورية الفرنسية.
وطبعا اختارت مملكة البحرين بحكمة، الاصلاح التدريجي من خلال مملكة دستورية، والتي انبثقت من ميثاق عمل وطني صوت عليه 98.4% من شعب البحرين. بينما اختارت ايران تجربة الثورة، والتي بدأت في الاساس من جموع من الشعب الايراني، بمختلف فئاته السياسية، والتي تمت مع الأسف سرقتها في النهاية من مجموعة، لبست قناع الدين، لكي تسيطر على الحكم، وتستلذ بالسلطة ولمدة 35 عاما. وليعاني خلالها الشعب الايراني بسبب سياساتها الانفعالية الثورية، من سياسات اقتصادية فاشلة، أدت لتضخم وصل إلى 45%، ومغامرات حروب طاحنة متكررة، أدت لقتل العدد الكبير من شباب الشعب الايراني، ودمرت الكثير من دولنا العربية، بل لتنتهي لتكرار المأساة الفلسطينية، بمأساة لاجئي الشعب العربي السوري. كما لا تنسى عزيزي المعلق التدخل الايراني في ارهاصات مارس لعام 2011 بمملكة البحرين، لتودي لزيادة الطين بلة، لولا تدخل الأخوة الخليجيين ومنع تكرر مأساة الشعب السوري في مملكة البحرين. ولتتذكر عزيزي المعلق بأن المواطنة هي مسئولية كبيرة، فمثل ما لأي مواطن حقوق على بلده، عليه ايضا واجبات نحو بلده. ومن أهم واجبات المواطن هو الاخلاص والإبداع في عمله، والدفاع عن وطنه، واحترام دستوره، وقوانينه المنظمة. وحينما يتجاوز أي مواطن واجبات المواطنه بالتطرف، يجب عليه أن يدفع ثمن هذه الخيانة، وإلا تحولت المجتمعات لبلدان فوضي، يفعل فيه كل مواطن ما يشاء. بل قد يستغل المواطن من القوى الاجنبية، واحيانا باسم الايديولوجية، او الدين، او المذهب. وقد نلاحظ عزيزي القارئ تأثيرات التجربة الثيولوجية للنظام الإيراني على عقول شباب منطقتنا من خلال التعليقات الإضافية، والتي سنعرضها إنشاء الله في الأسبوع القادم. فلنا لقاء.
د. خليل حسن، سفير مملكة البحرين في اليابان