أصداء

أصوت من الضفة الأخرى

-
قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

أشباح ومهرجون.... تجار ومهربون.

نحن الأغلبية الواقفة على الضفة الأخرى من النهر الفاصل بين المحكومين والحاكمين، ضفة الناس الاكاديميين والمثقفين والتكنوقراط والحرفيين والبسطاء من الذين لا حول لهم ولا قوة الا بالله العلي العظيم، نحن الذين يتكلمون الساسة باسمهم ولم يفوضهم احد بالكلام منا وعنا، والجميع يدعي بتمثيلنا والدفاع عنا وعن مصالح هذه الأغلبية التي تراقب وتعاقب على طريقتها، ولكن الواقع والملموس يقول عكس ذلك، هذه الأغلبية لم تعطي لهؤلاء الساسة حق التفويض بالتعبير عن أمانيهم او التصريح بالنيابة عنهم، وعندما نتكلم بواقعية سياسية التي قد تكون مؤلمة ومحرجة للوضع العراقي في الوقت الحاضر الا أنها بالنهاية هي الحقيقة التي لا احد يجرؤ البوح بها وان باح بها فانه لا يستطيع الجهر بها، المجتمع العراقي تكوينه مركب من أعراق ومذاهب مختلفة، تتلاقى طائفيا وان اختلفت الأعراق، وتتخندق عنصريا وان اختلفت المذاهب، وهذه من الناحية الرياضية معادلة من الدرجة الثالثة من الصعب حلها دون المرور بتجربة الصح والخطأ ((Trial and Error كما درجت العادة في مادة الرياضيات.

&في الدورة الانتخابية الأولى وعندما ساق الحظ رئاسة الحكومة الى السيد نوري المالكي، كانت امام المالكي معضلة إيجاد الأشخاص المؤهلين لتمثيل الطائفة السنية، حيث اتحد الشيعة العرب مع الكرد كرد فعل طبيعي لسقوط النظام، وبقي السنة رافعين راية الرفض للنظام الجديد وأيضا جاء كرد فعل طبيعي لسقوط النظام البعثي (المحسوب سنيا)، ولكي يتم دفع الأمور الى الأمام (حيث من غير المسموح التوقف او النكوص الى الخلف تحت أي ظرف) تبنى الأمريكان معالجة الأمر وفعلا استطاعوا ان يجدوا تمثيلا للمكون السني (وان كان نظريا مقبولا لكنه بقي بعيدا عن الواقع) ومضت الحكومة تسير بخطى بطيئة وكئيبة وغير فعالة، حيث كانت محاطة بحقول الغام تركها النظام البائد عبر سلسلة من الأخطاء القاتلة، والتداعيات المدمرة للاحتلال الأنجلو سكسون، البلد خال من قوات مسلحة ضاربة وفعالة، وتشكيلات المنظومات الأمنية والمخابراتية تم تأسيسها حديثا وبأشراف أمريكي لضمان الولاء لها أولا ثم الحكومة تاليا، وكانت هذه التشكيلات يشوبها الكثير من الأخطاء المدمرة، حيث اصر الأمريكيون على ان يتم تمثيل جميع الطوائف فيها وهذا كان صحيحا من الناحية السياسية ولكنه كان بعيدا عن الواقع وادى ذلك الى حدوث أخطاء كثيرة، اقلها انخراط بعض ضباط تلك الأجهزة في منظومات إجرامية (تحت غطاء مقاومة الاحتلال) عملت على قتل وخطف الكثير من المواطنين العراقيين الأبرياء الذين لا ناقة لهم ولا جمل في السياسة، ولكن نكاية بحكومة المالكي من جهة ولتقديم الأدلة الظرفية بان هذه الحكومة غير مؤهلة لقيادة البلد والأخذ به الى بر الأمان والازدهار (وفعلا قد حصل ذلك)، عدا عن افتقار تلك الأجهزة للكفاءة والقدرة الحقيقة لحماية العراق من الاختراق الذي تقوم به الأجهزة المخابراتية للدول الإقليمية المجاورة للعراق كل حسب مصلحته وأهدافه.

&لفت الأيام بمرها وخطوبها عمر الدورة الأولى من الحكومة، ثم جاءت الدورة الثانية، وهنا لنا وقفة للتاريخ، ان المكون السني الذي أباح بأسراره خلال الولاية الأولى قد شكل مفاجئة سارة وغير متوقعة للكرد، فعامل الريبة والاضطهاد والعزل الذي عانى منه الشيعة منذ انقلاب شباط الأسود قد بنى جبالا من الشك وعدم الثقة بينهم وبين الطائفة السنية، وظهر هذا جليا في الولاية الأولى حتى انعكس بشكل مباشر على سلوك الحكومة التي كان يسوسها الشيعة ولولا الكابح الأمريكي لذهب الوضع باتجاهات لا يحمد عقباها، وكان كل ذلك نتيجة عدم الاطمئنان للمكون السني وما يخبئه للوضع العراقي الجديد، هذا الشرخ بين الطائفتين قد تم استغلاله بشكل بشع من قبل الكرد، حيث استشعروا بانهم اصبحوا بيضة الميزان في صناعة الملوك، وبدأت خيوط اللعبة البرلمانية شيئا فشيئا تتجمع بأيديهم مما أتاح لهم مجال واسع من المناورة السياسية بين الطائفتين لغرض ابتزاز كل طائفة على حدة، وبالتالي انتج ذلك تراكم كمي ونوعي من البناء الهيكلي لدولة شبه مستقلة، وهذا بدوره قد أعطى مؤشرا لساسة الكرد بان الإصرار على توسيع الشرخ بين جناحين الطائر العربي سوف يؤتي ثماره وقد لا تتكرر هذه الفرصة ابدأ وعليه فان الحس السياسي (على العموم من السياق التاريخي يكون هذا الحس غير أخلاقي) يحتم عليهم استغلال هذا الوضع بأقصى ما يسمح به، وفعلا استطاع الكرد ان يؤسسوا لهم راس جسر مهم (هناك شكوك كثيرة في مدى صلابته لظروف جيوسياسية) للعبور نحو الحلم الكردي الذي روادهم منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة، الا وهو قيام الجمهورية الثانية للكرد على ارض كردستان العراق كمرحلة أولى، على ان نشير هنا الى نقطة مهمة الا وهي ان هذا البناء الكردي قد تم وما سيتم كان بضوء اخضر أمريكي في احسن الأحوال او بغض النظر عن ما يحدث في أسوئها.

دقت ساعة تأسيس الولاية الثانية في عام 2010، وهنا حان وقت القطاف لكل الكتل السياسية والطوائف بغض النظر عن انتماءاتهم او توجهاتهم، فالمكون السني قد اعلن عن قيمته عبر اختياره لممثليه بشكل طوعي، واصبح وزنه معلوما، وذلك بمشورة أمريكية لعوامل داخلية في إدامة زخم الخصومة السياسية بين الأطراف التي شاركت في الانتخابات من جهة، ولعوامل جيوسياسية تتعلق بمقايضة مستقبلية مع ايران و دول إقليمية أخرى عندما يحين وقت المقايضة، ان الرقم الذي اعلن عنه المكون السني قد فاجأ البعض وأحبط البعض الأخر، ولكن في نفس الوقت قد اسعد البعض من الذين يريدون عودة عقارب الساعة الى الوراء، وهنا وقعت المعضلة، حيث وجد المكون الشيعي نفسه بين فكي كماشة لا ترحم، فعلى حدوده الغربية أباح السنة عن ثقل التمثيل البرلماني والذي كان مجهولا ومشوها نوعا ما في الدورة الأولى، ومن الشمال هناك الكرد قد اعد الميدان جيدا لاصطياد فريسته بغض النظر عن عنوانه ومكانته، فان حسم السنة معركتهم مع الشيعة في العاصمة بغداد وجاءا الى كردستان لغرض اخذ الضوء الأخضر برئاسة الحكومة المقبلة، فان الوضع سيكون مثاليا لاصطيادهم ووضعهم بالقفص حتى يحين وقت التهامهم وهم أحياء دون حاجة لطبخهم (لان للثأر تقاليده)، أما اذا حسم الشيعة معركتهم مع السنة في بغداد، ثم التفتوا الى الكرد لغرض الحصول على تزكيه محسومة (بنظر الشيعة للتاريخ النضالي المشترك ضد نظام صدام) في رئاسة الحكومة، فان الكرد قد اعدوا مفاجأة غير سارة تماما لحلفائهم الشيعة، الا وهي لا تزكية بدون إعطاء الكرد حق النقض لنزع الثقة عن الحكومة المقترحة في أي وقت يشاء، هنا ادرك الشيعة انهم بين خيارين أحلاهما مر، وفعلا استغل الكرد هذا الوضع الى أقصاه، وذلك لسبب بسيط وهو ان عينهم ليست على بغداد ومن يحكم فيها، بل عينهم على كردستان وكيف يجيروا حاكم بغداد لرفدها بمقومات القوة الدافعة لإعلان دولة مستقلة عندما تحين الساعة.

&وهذا ما حصل فعلا!...ودخلت الدولة في حيص بيص (على مقولة الشاميين) ولكن هناك تطور هام حدث خلال الولاية الثانية للسيد المالكي وهو ان الأمريكان قد أوفوا بتعهدهم بالانسحاب الشامل من العراق حسب الجداول الزمنية التي وضعت ضمن اتفاقية التعاون الاستراتيجي بين البلدين، وهذا التطور افسد خطط الكرد من جهة واربك حسابات المكون السني من جهة أخرى، حيث ان يد السيد المالكي قد اطلقت لترتيب البيت الداخلي العراقي دون تشويش او تدخل قسري من الأمريكان كذلك استطاع ان يستوعب التدخل الناعم منهم عبر السفارة الأمريكية في بغداد، كذلك التدخل الخشن (المسلح) الذي سوف يحدث من المكون السني لاحقا ( بسبب انسحاب الطرف الضامن لهم في حكومة شراكة وطنية) مع التدخل المعطل للحكومة الذي سوف يقوم به الكرد حال شعورهم بان السيد المالكي يسير باتجاهات غير مرسومة ومحسوبة من قبلهم (حسب اتفاق أربيل وعلى عهدة السيد البرزاني والسيد علاوي)، وكل ذلك قد حصل، فالبرلمان قد تم اختطافه من قبل السيد النجيفي لمساومة الحكومة في كبح السيد المالكي وأعادته الى المسار الذي تم الاتفاق عليه (حسب قوله) في مؤتمر أربيل، والسيد البرزاني اعلن الحرب المعنوية على بغداد بشكل خاص واخذ يهدد بإعلان حق النقض حسب ما نصت عليه اتفاقية أربيل ( أيضا حسب قوله) بأسقاط الحكومة.

&ومضت السنوات الثلاث التالية بين كر وفر للمكونات الثلاث وكأننا نشاهد لعبة الكراسي عندما كنا صغارا، في هذا الوقت ونتيجة لهذا الوضع حدث أرباك شامل في برامج الحكومة، حيث قطع البرلمان خطوط التشريع للبرامج والقوانين المقترحة من قبل الحكومة نكاية بالمالكي والبرهنة على فشله في إدارة الحكومة، وقاد الكرد حملة تشويش كبرى على السيد المالكي من خلال سحب وزرائهم تارة، وتعطيل البرلمان تارة أخرى، فيما قاد الصقور من السنة اعتصام مضاد للحكومة (اخذ فيما بعد بعدا طائفيا بغيضا) ظاهره تحقيق مطالب عادلة للمكون السني، وباطنه أسقاط العملية السياسية برمتها، هنا وجد السيد المالكي نفسه بوضع لا يحسد عليه، فان المصالح قد تقاطعت بين السنة والكرد لأسقاط الحكومة وكاد الأمر يتحقق لولا فطنة السيد جلال الطالباني، فالسيد الطالباني يملك حسا استراتيجيا قل نظيره عند السياسيين في منطقة الشرق الأوسط إضافة لخبرته الواسعة بالمناورات السياسية التي تجري سواء داخل العراق او في النطاق الإقليمي المجاور للعراق، فبحسه الفطري و الاستراتيجي ادرك السيد الطالباني ان الهدف هذه المرة ليس أسقاط السيد المالكي وإنما الإجهاز على العملية السياسية ونظامها بشكل تام، وهذا بدوره وان يحقق مكاسب وقتيه للكرد ولكن سوف يأخذ العراق الى عواقب وخيمة والى مجهول مظلم لا يرحم سوف يكون في احسن أحواله حرب أهلية طاحنة لا تبقي ولا تذر وقد لا تنتهي الا بتأسيس دول الطوائف.&

&لقد خدمت الظروف في ذلك الوقت السيد المالكي، واستطاع النجاة من الغرق عبر قيادة هادئة وغير مذعورة في بحار صاخبة من تمرد مسلح تقوده القاعدة علنا تارة، واعتصامات مسلحة وصلت في بعض الأوقات الى صدام دموي مع الجيش والأجهزة الأمنية تارة أخرى مما انعكس سلبا على هيبة الدولة ومعنويات القوات الشبه مسلحة، وبرلمان تناسى دوره التشريعي واصبح جبهة مضادة للسيد المالكي حصرا دون وزراءه (الذين هم من كتل برلمانية مختلفة)، وقنوات فضائية رخيصة تنعق أناء الليل والنهار شتيمة وكذبا للنيل منه حتى اضحى الأمر ان كان هناك خصومة شخصية بين السيد المالكي وهؤلاء، كل هذا قد افضى الى اشتداد عود وصلابة السيد المالكي واستطاع ان يحل كثير من الأمور الشائكة (الإصرار على مغادرة جميع القوات الدولية دون استثناء لاحد، خروج العراق من البند السابع، زيادة زخم الهجوم على مافيات الفساد ومحاصرة المفسدين رغم اختبائهم تحت عباءة برلمان السيد النجيفي، مما فتح جبهة جديدة مضادة له ومن المكونات كافة، أيمانه بان الحوار ضمن سقف الدستور مع الأطراف كافة هو الضمانة الرئيسية للبلاد، إصراره على الحفاظ على وحدة التراب العراقي التاريخي (مهما كلف الأمر من مهام وتضحيات) وكلما نجح في ميدان معين ازداد أعدائه شراسة وبغضا، حتى وصل الأمر الى ان بعض الأحزاب الحليفة له ومنهم التيارات الشيعية قد اعلنوا الحرب الإعلامية عليه جهارا.

&ومضت الأيام ضمن هذه الأجواء الصاخبة والمسمومة وتصاعدت وتيرة الخراب والإجهاد للشعب العراقي وتناست جميع الكتل والأحزاب السياسية (كعادتها دوما) ان الذي يدفع ثمن ذلك هو الشعب العراقي وحده والذي اخذ منه قادته السابقين مأخذا شنيعا في القتل والاستعباد (خدمة ألزامية في حروب لا تنتهي ولم يشارك الشعب العراقي في قرارات بدئها او أنهائها، متاعب اقتصادية هائلة غيرت الكثير من توجهات المواطنين وبرامجهم الحياتية حتى أصبحت جميع أحلامهم في مهب الريح، سحقت تماما الطبقة المتوسطة والتي كانت عماد ومحرك الأبداع العراقي) منذ انقلاب شباط الأسود ولغاية الأن، وسط ذلك كله تنابزت الأحزاب فيما بينها، وكان كل حزب بما لديهم فرحون، والمصيبة الكبرى ان كل هذه الأحزاب تدعي الكمال وحده دون غيرها وكان الحق له أوجه متعددة، فلكل حزب او كتلة او تيار لها تفسيرها الخاص بالأمور والدستور وهي تمتلك الحقيقة كاملة دون الأخرين، وتنطع المنظرين والمحللين والمفكرين من شخصيات سياسية وبرلمانية، ينظرون ويحللون ويفكرون بالوضع الراهن وكيف السبيل الى الخروج منه، وتناسوا هؤلاء ان الوضع الراهن هو من صنعهم وكانوا هم الأدوات المنفذة للوصول الى هذا المنحدر المخيف من فرقة وشقاق وضعف وفساد وتزييف للقيم والدين والقانون واختلط الحابل بالنابل.

&ان المتتبع للوضع العراقي يجد دون صعوبة ان الأمور قد سارت بالعراق خلال الفترة الماضي عن طريق الدحرجة الذاتية دون حاجة للقوة الدافعة والمحركة (أي النظام التنفيذي والتشريعي والقضائي) ولهذا ادرج العراق ولسنوات متتالية ضمن الأوائل في قائمة الدول الفاشلة، لقد ذهب الأمريكان منذ نهاية 2011، والعجب كل العجب كيف يستطيع من بيده الأمر (مجلس الوزراء) ان يضع آلية لصنع القرار في قيادة البلد دون إحصاء سكاني حديث، فلا خطط تنموية دونه، ولا برامج حكومية متقدمة لتطوير الموارد البشرية، ولا موازنات سنوية دقيقة تساهم في تخفيف الأعباء الاقتصادية والاجتماعية للمواطن العراقي، والنتيجة المنطقية لذلك هو من السهولة بمكان ان يتم تحديد الهدف لكن دون التمكن من صنع الوسائل اللازمة للوصول اليه، فكانت الحكومة تحت حصار الأحزاب والكتل السياسية ومتطلباتها بغض النظر ان كانت دستورية او لا، فالكرد وقفوا بالضد من عمل الإحصاء حتى يتم حسم المادة 140، وعليه فان الحكومة أصبحت بين سندان البرلمان ومطرقة الكتل والأحزاب، وهكذا سارت الأمور كالبطة العرجاء تسير تارة الى اليمين وتارة أخرى الى الشمال، قوات مسلحة ضعيفة مع وقف التنفيذ لتسليحها حتى أشعار أخر، خطط تنموية طموحة معلقة على رفوف البرلمان وحتى أشعار أخر أيضا، مجلس اتحادي (يضع الرؤى الاستراتيجية للدولة العراقية لعقود قادمة) منتخب من البرلمان تم تجميده وأيضا حتى دورات برلمانية أخرى، قانون اتحادي مركزي يعني بالحفاظ وإدارة وتنمية الثروات الوطنية مهمل ومعلق حتى يقضي الله امرأ كان مفعولا. كل هذه الأمور تم صنعها وتسويقها لغاية واحدة، ان يتم بالبرهان الذي لا يقبل الدحض او الشك بان السيد المالكي قد فشل فشلا ذريعا في قيادة الدولة والوصول بها الى الأهداف التي أعلن عنها خلال خطاب التكليف، ومرة أخرى فان هناك الأغلبية الصامتة التي عليها ان تدفع فاتورة ذلك وان كانت مرتفعة هذه المرة.

&ودارت الأيام دورتها حتى حان وقت الانتخابات الحالية والتي جرت في نهاية نيسان 2014، وهنا كان للشعب العراقي صوت وقرار، لقد شاهد على مدار ثمانية سنوات ومن على مسرح الواقع السياسي العجب العجاب، أنواع مختلفة من السيرك وفيها مهرجون سياسيون يثيرون الشفقة بدلا من الضحك، أشباح من وراء الكواليس يكتبون سيناريوهات العودة وحزبه الواحد، تجار ذو البدلات الرمادية الأنيقة، وقد انتفخت أوداجهم من السحت الحرام والمتاجرة بقوت وثروات الشعب العراقي ولم يتركوا شيئا الا وتاجروا به (عدا مياه دجلة والفرات)، ومهربون أعادوا نشاطهم السابق و أيام مجدهم السالف من تجارة التهريب ولكن هذه المرة بثروة قل نظيرها في التهريب الا وهي النفط، كل هذه الأحداث لو أتيحت لمخرج هوليدي لأخرج فيلم له من الأثارة والحبكة الشيء الكثير.

&في 30 من نيسان عام 2014 قالت تلك الأغلبية كلمتها، وأعطت للسيد المالكي صوتها عن دراية ووعي، دون ضغط او أكراه، دون شراء ذمم او وعود كاذبة، أعطت صوتها وهي تدرك تمام الأدراك انه حان وقت العمل الجدي ووضع الأمور في نصابها، لقد تعبت تلك الأغلبية من كل هؤلاء السياسيين الذين تداعوا في يوم واحد لتشريع قانون التقاعد والامتيازات الخاصة بهم وتركوا تشريع قوانين تحدد مصير الدولة العراقية وتضعها بين الأمم تحت الشمس ولتخرجها من ظلام التخلف والتناحر الطائفي والعرقي والتبعية الإقليمية والدولية معلقة في متاهات البرلمان، قوانين لو شرعت في وقتها لكان العراق قد تجاوز مصاعب كثيرة ولكن شاءت إرادة الكتل والأحزاب ان تحول دون ذلك، أما عن سبق إصرار وترصد، او لغاية في نفس يعقوب.&

&لقد عاقبت الأغلبية الصامتة كل أولئك، من أشباح ومهرجون وتجار ومهربون، وأعطت للسيد المالكي وكتلته صوتها مع الضوء الأخضر للمضي قدما في تأسيس الجمهورية السابعة للعراق، جمهورية دولة القانون فعلا وقولا، جمهورية شرعية تستمد سلطتها من الشعب، جمهورية سقفها الدستور وأعمدتها مؤسسات مدنية متينة لا تهتز ولا تتغير بتغيير الوجوه او الأشخاص، جمهورية التداول السلمي للسلطة وخالية من الشك والريبة والظنون السيئة، نحن لا نعرف ماهي الإمكانيات المتاحة للسيد المالكي في الوقت الحاضر ولا نعرف ماهي الظروف الراهنة المحيطة به سواء على الصعيد الداخلي او الإقليمي او الدولي، فحسابات تلك الظروف بين يديه ويدي مستشاريه وهو أولى بها لأنه مطلع على تفاصيلها بينما نحن لا نملك الا التحليل المبني على الإشارات الصادرة من هنا وهناك وهي بكل الأحوال لا تغني ولا تسمن من جوع في إسداء أي مشورة تساعد الرجل للمضي قدما نحو الأمام.

&اكتب لك يا نوري المالكي (مع حفظ الألقاب) هذه الرسالة. رسالة الأغلبية الواعية... هي بسيطة ولكنها حاسمة، صريحة دون مواربة او مجاملة، وهي أننا أعطينا لك صوتنا فهل أنت قادر على إعادة الأمانة الى أهلها، وهي أمانة في عنقك الى ان تقوم الساعة أمانة تشكيل حكومة منسجمة (سمها ما شئت) قادرة على إعادة القوة والاحترام والإشراق لوجه العراق، حكومة قادرة على ان تقول الحق ولا تخشى فيه لومة لائم، حكومة لا تداهن على حساب مصالح وشرف الشعب العراقي، حكومة لا تفرق بين أبنائها طائفيا او عرقيا، ولا فرق احد على احد الا بالعمل الجاد والشريف والنية الصادقة لوجه الله عز وجل والوطن، حكومة تصون مصالح العراق أينما تكون وكيفما تكون، حكومة تجير من يستجير بها من مواطنيها في الداخل والخارج، تغيث الملهوف، وتصون العرض والمال والدم، تعين المحتاج، تطرق باب الفقير والمسكين أناء الليل والنهار، تراقب بعيون ساهرة كل شاردة وواردة لحفظ امن الوطن والشعب، ترفد قواتها المسلحة بكل ما هو جديد وحديث من أسلحة وإمكانيات تعينها على أداء واجباتها في كل وقت وتحت أي ظرف، حكومة تخلق قطاع خاص وطني شريف يؤدي مهامه في خلق فرص عمل شريفة للموطنين وتكون الأداة الرافعة للاقتصاد الوطني والمساهم الرئيسي في تطويره، حكومة تستطيع ان تقوم بتطوير التعليم الأساسي والمتوسط والعالي ومواكبة كل ما هو حديث ومتقدم في دول العالم وخلق بنية تحتية للتعليم قادرة على ان تأخذ بيد العراق الى أفاق المستقبل وهو متسلح بسلاح العلم والأبداع والابتكار، حكومة تؤسس لقيم التعايش مع الأخرين وتقبل ثقافة الأمم الأخرى دون نزعة شوفينية او دون أحكام مسبقة، حكومة تستطيع ان تبني بنية تحتية من طرق وجسور وشبكات كهرباء واتصالات فهي شرايين الحضارة والتمدن والتوسع مع تأسيس محطات ذات مستوى عالي من الأداء لمعالجة المياه الثقيلة وبناء شبكات تصريف مياه الأمطار، حكومة تقوم بصيانة وبناء سدود المياه لتصون وتحفظ ثروة البلاد المائية، حكومة لتحديث وترشيق نظم الإدارة والعمل على تأسيس الحكومة الذكية الإلكترونية في كل المفاصل التي تهم المواطن بحيث تنهي عوامل الابتزاز والرشوة والفساد مع تأهيل الكادر الإداري ليكون مواكب لأسس الإدارة الحديثة. حكومة تستطيع تشريع وتأسيس برامج رعاية صحية تشمل جميع المواطنين دون استثناء او تفرقة، مع تأهيل المستشفيات والكادر الصحي وزيادة عددها ورفده بما يحتاج ليقوم بدور يضاهي البلدان المتطورة، مساعدة سلطة القضاء في تخصيصات مالية تؤهلها لعمل برامج طويلة ومتوسطة وقصيرة المدى لتأهيل القضاة والادعاء العام وكتاب العدول مع العمل على إعادة بناء مؤسسات القضاء بشكل حديث وبما يتناسب مع هيبة القضاء وقدسيته، حكومة تساهم وبقوة في السماح بصحافة حرة ومسؤولة، مع أعلام حر ونزيه ملتزم بشرف المهنة ومواثيقها، حكومة تشجع على إشاعة ثقافة التسامح ومحاربة القيم والنزعات الشوفينية والعنصرية والطائفية مع العمل على بناء منظومة قيم إنسانية معينها رسالات السماء وسيرة الأنبياء والصالحين ونشرها بين أفراد المجتمع عبر مؤسسات التعليم والأعلام والتشريع والقضاء.

هذه الأمانة التي أودعنها عندك فهل أنت لها... فان كنت لها فانهض لها وتمنطق بنطاق العمل الجاد والحازم دون تردد او مجاملة لهذا الطرف او ذاك وعلى حساب الشعب العراقي، عمل تواصل به الليل والنهار فالذي مضى من الزمن دون عمل جاد الشيء الكثير، ولا تلتفت للذين يريدون سحق إرادة الناخب وأصواتهم بحجج واهية وأعذار أقبح من أفعال، فكن من أولي العزم من الرجال وقل أنا لها... فان كنت لها فلك كتبت هذه الرسالة.... وان قلت لا... فعليك ان تجنح وتركن الى حكومة الظل لتراقب وتتعلم عسى ان يجود الدهر بالأمر عليك مرة أخرى.... وان غدا لناظره قريب.

&

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف