فضاء الرأي

من امريكا مع التحية (4): هل العرب صناع حضارة؟

-
قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

&

& كنا أربعة من العرب في فصل اللغة الانجليزية ومعنا طلبة أسبان وآسيويين. كانت المعلمة تشرح لنا درسا عن الفن السينمائي وطلبت منا أن نذكر فنانا سينمائيا نعرفه، فذكرت& لها الفنان العربي عمر الشريف... وفجأة صرخت طالبة اسبانية وقالت بإشمئزاز :عمر الشريف عربي؟!
أخذتني الحمية العربية ووقفت كوقفة قس بن ساعدة في سوق عكاظ وهو يخطب& أحد خطبه& الشهيرة ثم قلت :& وما المشكلة لو كان عمر الشريف عربيا؟!
نحن العرب صناع الحضارة.. وما هذه الحضارة الغربية إلا إقتباس لحضارتنا العربية& والإسلامية التي عمت العالم كله. ألم يكن ابن رشد والحسن ابن الهيثم& وابن سيناء والرازي والفارابي والخوارزمي وغيرهم من العباقرة.. عربا ومسلمين؟!
لكزني صديقي& العراقي العزيز على نفسي& "صباح "& الذي& لا أعرف أين هو الآن.. وقال بهدوء : يامجنون هؤلاء الذين ذكرتهم& زنادقة في عرف بعض العرب والمسلمين، ليس لك أن تتفاخر بهم.
قلت لصديقي وزميلي صباح : زنادقة في حروبنا المذهبية فقط.. لكننا أمام الغرب نفتخر بهم كعرب ومسلمين أثروا الحضارة الإنسانية بفكرهم وفلسفاتهم& وإبداعاتهم... وإلا فمن أين لنا بعباقرة نفتخر فيهم أمام الغرب؟!
ادركت معلمة اللغة الانجليزية.. انني وصباح& نحاول الخروج بصيغة حوارية واحدة ننتصر بها& أمام استهزاء تلك الاسبانية التي استكثرت أن يكون الفنان العربي الشهير في ذلك الوقت فنانا عربيا، وكأن العرب حسب ماتعرفه عنهم مجرد قوم لا علاقة لهم بالحضارة.
لكن الغريب أن المعلمة الامريكية ذاتها لم يعجبها حميتي العربية والاسلامية& ولا ذلك الافتخار بعباقرتنا القدامى& وانتصبت أمامي وكأنها قائد عسكري يريد أن يعطي درسا في فنون& الضبط والربط& لطالب مستجد يجهل الكثير من القوانين العسكرية وقالت بتعال يميل الى فكرة الطالبة الاسبانية عن العرب :
عندما تتحدث عن شيء.. عليك أن تسنده بالحجج والبراهين كي يكون منطقك مقبولا.
أنت تتحدث عن الماضي وأنكم كنتم صناع حضارة منذ ستمائة عام تقريبا وهوعمر النهضة الصناعية الليبرالية الغربية. فلو كنتم& صناع حضارة في ذلك الوقت لعشنا شيئا من بقايا تلك الحضارة في هذا الوقت.. فهل أنتم من اخترع القطار والطائرة والسيارة واكتشف العلاج للكثير من الامراض التي كانت تفتك بالبشرية؟!
وهل أنتم دعاة حقوق الانسان.. ونظافة البيئة.. وحقوق المرأة.. والحرية والديوقراطية؟!
ماذا تركت حضارتكم التي تدعي ان الغرب اقتبسها أو سرقها منكم.. من براهين تدل انكم صناع الحضارة وليس الغرب؟!
ألتفت الى صديقي صباح.. والى الأخوين العربيين الآخرين.. فلم أجد ايا منهم يملك ما يسندني به من الدعم الموثق& بالأدلة والبراهين. وكشاب صغير السن لا يملك من& الأدلة والبراهين شيئا وهو يرى بأم عينه أن كل المنتجات الحضارية من صنع الغرب وليس من صنع العرب.. شعرت بالصدمة وأنكسر خاطري وجلست على كرسيي كالمهزوم.. لكن معلمتي ادركت ذلك وعطفت على شاب صغير السن تم تلقينه بمعلومات تاريخية بولغ في ذكرها.. وعندما واجه أول حوار منطقي وجد أن تلك المعلومات ليست سوى نفخا معنويا لاداعي له.
وعادت المعلمة تمارس دورها المشفق على نفسية الطالب من الانهيار وقالت :
ليس عيبا أن تعرف شيئا غير صحيح.. لكن اللوم على المدرسة& التي علمتك المعلومة الخاطئة... واستمرت قائلة :
إن أسوأ وأخطر الثقافات : تلك التي توحي لأبناءها أنهم& الأفضل والأجدر وهم يقبعون في ذيل الحضارات. لأن ذلك كالمخدر الذي يرسخ في ذهنية الناس تخيلا جميلا لشيء قبيح، وبطولة لفعل جبان وخسيس، وعندما يواجه الأبناء حقيقة الأشياء ويكتشفون الوجه الآخر للحقيقة المزورة في الفكر الذي حقنت به أدمغتهم.. يحدث الانفصام الذي يرتد الى النفس فيجعلها مريضة& ومعادية لكل جميل وبريء وحضاري.
تذكرت ذلك التخدير الذي قد يكون ممنهجا& بجهل مقدس أو مؤسس أويكون& عفويا بسبب جهل& فطري، وكلما إستمر حقنه في العقول، كلما سارت الأمة في طريق الانهيار المؤدي بدون شك الى الانقراض.
لكنني عدت وقلت لها بصوت خافت : نحن أصحاب حضارة.
قالت وهي تهديء من خجلي واضعة يدها على كتفي المنحني بإتجاه الأرض :
أنا لايهمني يا عزيزي إن كنت تشعر أنك صاحب حضارة أو لا.. ما يهمني أن يعكس سلوكك وعملك وإنتاجك ما تدعيه.
أنا وأنت نعيش الحاضر.. وما يؤكده& لنا هذا الحاضر أن الغرب يصنع الحضارة منذ قرون.. ولم نشاهد على أرض الواقع ما يثبت أنكم أصحاب حضارة.
وكلما أعرفه عن العرب من خلال الواقع العالمي أنكم أمة تستهلك كل شيء يصنعه الغرب ولا تصنعون شيئا... بل ليس لكم إبداع يذكره التاريخ ويسجل بإسمكم.
فإذا كنت أجهل شيئا أنتم تبدعون إنتاجه أرجوك صحح معلوماتي.
حاولت أن أتذكر شيئا في تلك اللحظة فلم أجد شيئا أستطيع ذكره.
كان ذلك في ثمانينات القرن العشرين.. وعندما عدت هذه الأيام الى أمريكا بعد تلك العقود الماضية.. قلت لنفسي لو قدر لي أن ألقى معلمتي القديمة وتسألني عن التقدم الذي حصل في عالمنا العربي وعن الشيء الجديد الذي أبدعنا صناعته؟!
فلن أجد شيئا& جديدا& أقوله لها.. غير داعش !&&&&&&&&
&

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف