فضاء الرأي

الاستهلاك التفاخري.. تحت وفوق خط الفقر

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

يشير مفهوم الاستهلاك التفاخري من الناحية الاقتصادية وبالمعنى الضيق إلى "استخدام خدمة أو سلعة بصورة مباشرة بدون استخدامها في إنتاج خدمة أو سلعة أخرى"، وهذا المفهوم يمتثل في الواقع على شكل مُمارسات عديدة ومُختلفة يصدق البعض منها على المُمارسات الفردية، وأخرى على مُمارسات أوسع نطاقاً كالإنتاج المُفرِط والتسويق الاستهلاكي الموجَه. ومن الوجهة الفردية وهو ما يعنينا هنا، يشير إلى الاستعمال الخارج عن الحاجة بغض الطرف عن موجهات هذا الاستهلاك ودوافعه. وقد ظهر هذا المصطلح لأول مرة في التاريخ لدى ثورستين فيبلن عند تقديمه لنظرية الطبقة المترفة في عام&1899. وهذه النظرية لم يبحثها ويُقدمها فيبلن عبثاً، بل باعثه على هذا البحث تفشي ظاهرة التفاخر في أوساط المجتمع الأمريكي خاصةً الأثرياء. لكن الجدير بالذكر أن النزعة إلى التمييز الطبقي ليست ظاهرة أمريكية فقط أو حتى حديثة، فتاريخ التمييز الطبقي عرفته الحضارات الأوروبية والعربية والصينية وغيرها خاصةً في القرون الوسطى (بين القرنين الخامس والخامس عشر)، إنما كان التفاوت يجري طِبقاً للاعتبارات التي يضفيها التمييز داخل المجتمع أو الإقليم الواحد.&

لكن هذا التفاخر لم يعُد ميزة مقصورة على الطبقة المترفة اليوم، بل أن دراسات كثيرة وشواهد من الواقع المعاش تؤكد عزوف الكثير من الأثرياء عن تمييز أنفسهم عن الطبقة المتوسطة أو نمط العيش التقليدي. ومع تطور ورقي العادات بجانب الثورة الكبيرة في تسهيل "الإقراض" وحصول أبناء الطبقات المتوسطة والفقيرة على الأموال، كان لابد لظاهرة التفاخر أن تجد محلها لدى هذه الطبقتين، وهي الطبقات التي تشكل&80%تقريباً من إجمالي سكان أي مجتمع، وهي أيضاً الطبقات الأقل إنتاجاً والأكثر استهلاكاً. والمؤشرات الاقتصادية الرسمية الصادرة من بلداننا العربية تؤكد هذا الخطر الذي يحدق بأبناء الطبقتين المتوسطة والفقيرة، ففي كل من مصر والسعودية والإمارات العربية المتحدة ولبنان والأردن وقطر والكويت، ترتفع سنوياً معدلات "القروض" الاستهلاكية بجانب تدني الإنتاج المحلي، والإنتاج المحلي مقصود به إنتاج الفرد وليس إنتاج الدولة القائم على موارد طبيعية أو غيرها. &&&

والسؤال هو: أين الخطر في الاستهلاك التفاخري؟

إذا كان هناك ثمة خطر فإن على الجانب الآخر من المعادلة ثمة فوائد. أعني أن خطر الاستهلاك التفاخري هو خطر على المستهلك لكنه على جانب من الفائدة بالنسبة لمؤسسات الإقراض، وبالتالي على حركة الأنشطة التجارية. لكن يجب أن نتذكر بأن زيادة النشاط التجاري والقوة الشرائية تعتبر بهذا المفهوم مؤشرات سلبية، لأنها غير إنتاجية، أي مجرد تداول واستهلاك خارج منظومة الاكتفاء الذاتي. أيضاً لا يتوقف خطر الاستهلاك التفاخري لدى الأفراد عند حدوده الطبيعية خاصةً مع موجات التنافس الاجتماعي ودعايات التسويق ومهرجانات التخفيض، وجميع الأساليب الأخرى التي تنظر إلى رصيد وجيب المستهلك. بل أن المستهلك غالباً هو أبعد شخص عن معرفة كيف ولماذا تستهدف هذه المؤسسات المالية والدعائية استنزاف أمواله، وبالتالي فقره واحتياجه المستمر!

والمؤسف أنه نتيجةً لهذا النمط الاستهلاكي (التفاخري) تتحول بعض الضروريات إلى "فاقة" يصعب الحصول عليها. فمع تنامي معدلات "الإقراض" وزيادة الاستهلاك خارج الحاجة، لابد أن يجد المستهلك التفاخري نفسه مُحاصراً ومُثقلاً بالأعباء المالية التي تفوق جدارته في استرداد الأموال لأصحابها، سواءً مؤسسات مالية أو أفراد. فليس من الخيال أو الافتراض جزافاً أن تجد من يمتلك أحدث الأجهزة والسيارات ولكنه لا يجد مالاً لتلبية احتياجاته اليومية. وما السياسات المالية التي تنتهجها الكثير من الدول خاصةً العربية في مسألة تقنين "الإقراض" المالي إلا شاهداً على شيوع وتفشي الاستهلاك التفاخري&وتعثر المقترضين من جهة، وارتفاع الأسعار ومعدلات البطالة من جهة أخرى. &

والمؤسف أيضاً أن بعض بلداننا العربية التي تعاني مشاكل اقتصادية وجيوسياسية تزداد فيها معدلات الاستهلاك التفاخري أكثر من غيرها من البلدان قياساً بمستوى المعيشة والدخل. ففي فلسطين مثلاً تُستهلَك سلعاً ومنتجات تفوق الجدارة المالية لأصحابها. وفي رام الله وحدها توجد أنماط استهلاكية لا تتلاءم مع الواقع الاقتصادي والمعيشي للفرد الفلسطيني، مع العلم أن الاقتصاد الفلسطيني من أقل الاقتصادات نمواً في العالم، ويعتمد على المساعدات الدولية.

إذن فظاهرة الاستهلاك التفاخري وخطرها على الفرد لا يتوقف علاجها عند مستويات زيادة الوعي المالي للأفراد، بالرغم من أهمية ذلك، بل لابد أن تتشارك المؤسسات المالية والاجتماعية في هذا العلاج. فزيادة الاستهلاك خارج الاحتياج الطبيعي والمسؤول، يعني انخفاض في إنتاجية الفرد وتحمله أعباء مالية تفوق جدارته في الاسترداد، وبالتالي عوزه وانكساره عن تلبية احتياجاته اليومية ما يقود إلى انخفاض الناتج الإجمالي الوطني الذي تعول عليه اقتصادات الدول. بل لابد قبل كل ذلك من تقنين سياسات المصارف في منح القروض الاستهلاكية التي لا يُرجى منها إنتاجية بقدر ما تصب في المصالح الربحية وزيادة الثروات على حساب الطبقات المتوسطة والفقيرة.

*كاتب سعودي &

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
التقليد والمقارنة وغيرها
ابراهيم -

عندما يرى الفرد ان المجتمع من حوله يقدر سلعة او ملبس او ماركة او موضة من الصعب عليه تجنب مجاراة ذلك وهو على استعداد إذن لتلبية هذا الاحتياج الذي يعززه المجتمع او العادات حتى لو كلفه الامر الكثير المال لأن المجتمع هو الذي يعطي هذا الاعتبار للافراد والفرد بتخليه عنه يشعر بالنقص

التفكير القاصر وإيحاء المجتمع
dr.ehab -

من المنظور الاقتصادي يكون صحيح ان الاستهلاك التفاخري امر سلبي على ميزانية الفرد بالذاتلكن الدوافع الاجتماعية والنفسية اشد على الفرد من الوعي بمخاطر هذا النوع من الاستهلاك ربما وفي جميع الحالات السلبية حاضرة. لكن الاشارة ان المحرض او السبب وراء التفاخر هو سهولة اقتراض الاموال او الحصول عليها فهذا رأي اعتقد انه سليم .. لأن الغير مالك للمال لايجد الكفاية في سد حاجاته وعليه يكون انفاقه وفق ما لديه من اموال بعكس من يجد المال بسهولة لدرجة انعكاس هذا على سلوكه الاستهلاكي شكراً على المقال

العرب شعوب استهلاكية
معتز الوابل -

كأن القدر قد كتب على العرب ان يكونوا مستهلكين اكثر من غيرهم من الشعوب ...ضعف التوجيه الذاتي وتقدير قيمة المال هما ما يدعو الناس للصرف العشوائي ...الغالبية على استعداد دائم للدخول في التزام مالي طويل الاجل في سبيل الحصول على المال لقضاء احتياجات غير ضرورية كالسفر والترفيه وغيرها من الكماليات ... متجاهلين اي ظرف قد يطرأ خلال فترة الالتزام ؟؟؟ وهذا سوء في الادارة المالية ...لكن للبنوك والاعلانات دور رئيسي في ترغيب الناس وجذبهم نحو الاقتراض الميسر ... ... الافراد بحاجة للتوعية المالية

يضمحل الاقتصاد لولا وجود الاستهلاك
متخصص مالي -

اتفق معك من حيث المبدأ في ان الاستهلاك التفاخري نمط سلبي لكني اختلف معك في الحد منه فلو افترضنا انحسار الاستهلاك فكيف يعمل النشاط التجاري؟ اليس يتضمن تنشيط الاستهلاك خلق فرص عمل وتسريع دوران الاقتصاد؟ ومع هذا اتفق معك جملةً في الانماط الاستهلاكية المغالية عند ذوي الدخل المتوسط والمتدني لانها تؤول الى انعكاس سلبي في الميزانية ونتيجةً له الالتزام الشرس فوق الجدارة واتمنى منك الابتعاد عن بعض المصطلحات الاقتصادية الجافة لانها غير مفهومة بالنسبة لغير المتخصصين وشكرا لك

الاستهلاك التفاخرى
فول على طول -

فى المجتمعات المأزومة نفسيا وعقليا فان الاستهلاك التفاخرى يفوق بمراحل عن المجتمعات الراقية . تتحكم العادات والتقاليد وضغط المجتمع فى ارتفاع معدلات الاستهلاك التفاخرى وخاصة فى المجتمعات المتخلفة أما المجتمعات الراقية فلا أحد يهتم بالأخرين ولا ينظر الى تصرفاتهم بل تعتبر التصرفات الشخصية مثل الحرية الشخصية تماما وهى مصونة وحق للجميع . المجتمعات المتخلفة يركبها العند والعناد ويقولون : نحن لسنا أقل من فلان أو علان الذى صرف مبالغ طائلة على فرح ابنة مثلا أو على مراسم خطوبة ابنتهم ..وهذة ترتدى فستان بألف ريال مثلا الخ الخ ...أى أن ضغط المحيطين بك ممكن يضطرك للاستدانة بالرغم من أن ان امكانياتك لا تسمح بالسداد مستقبلا وهذا أيضا يرجع لضعف الشخصية فى المجتمعات المتخلفة ...لا أحد ينبع قرارة من نفسة لأننا تعودنا على أن الأخرين هم الذين يحددون لنا كل شئ وخاصة المظهر ...مجتمعاتنا مأزومة عقليا ونفسيا ومحكوم بعادات وتقاليد بالية ونقدسها للأسف الشديد . نحتاج الى ثورة عقلية ومجتمعية وحرية وتقوية الشخصية بعيدا عن كلام الناس . تحياتى . موضوع المقال هام للغاية .

يمكن للضرائب التصاعدية بمعدلات مرتفعة أن تحد من الظاهرة
بسام عبد الله -

سمعت القاضي والعالم الجليل علي الطنطاوي رحمه الله مرة يقول في برنامجه نور وهداية أن حاتم الطائي لو عاش في يومنا هذا لحكم عليه القضاء بالجنون والحجر والسجن. وما يجري في مجتمعاتنا ونردده ونتفاخر به هو عادات وتقاليد جاهلية موروثة ومنتشرة حتى على مستوى القبائل والبدو الرحل، وتؤكد ظاهرة السفه الإنفاقي في بلادنا العربية أن العرب ينفقون على أفراحهم فقط أكثر من خمسة مليارات دولار سنوياً، وهو مبلغ يكفي لحل مشكلات الفقراء والعاطلين في كل ربوع العالم العربي. التباهي والتفاخُرُ شوَّه المعانِيَ السامِيةَ للكرَم، بتكلُّف الإسرافِ والتبذيرِ، حتى بلَغَت المُبالغاتُ السَّفَهَ والجُحودَ والكفرَ بالنِّعمة، والتبذير الذي نهى الإسلامُ عنه ويشملُ التطاوُلَ والتكاثُرَ المبنيَّ على العُجْب والرِياءِ والكبرياء،.. يتشبَّثُ المتفاخِرُون بالمظاهر بسببِ انتِكاسِ الموازين، وتوهُّم القوة في موارِدِ الحياة الزائِلَة، ولا يخفَى على عاقلٍ أن المالَ والصحةَ والجمالَ والمنصِبَ هبةٌ من الله، وهي مُتقلِّبةٌ زائِلَة، وعلى المرءِ أن يُقابِلَها بالتواضُعِ وليس بالتباهِي والتفاخُر.