فضاء الرأي

الفرق الجوهري بين اللغة والإنسان

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

الحقائق الاجتماعية لا تتجذر في بنية العلاقات الإنسانية ، إلا إذا كانت اللغة هي الحاضنة لأحلام الفرد وطُموحاتِ الجماعة . واللغةُ لَيست آليةً ميكانيكيةً عابرةً ، أو عمليةَ تجميع روتينية للحروف والكلمات ، إن اللغة هي الشرعية الرمزية الدائمة للوجود الإنساني المُؤقَّت . وبعد مَوت الإنسان ، تظل لُغته حَيَّةً ، وشاهدةً على وُجوده وأفكاره وأسلوب حياته ، لذلك ينبغي الاستثمار في اللغة ، لأنَّها البصمةُ المُؤثِّرة التي لا تُزوَّر ، والوجودُ الحقيقي الفَعَّال في عَالَم الأقنعة والزَّيف والرِّياء ، وكُل فلسفة اجتماعية لا تُبنَى في قلب اللغة ، ستسقط في الفراغ ، وتُؤَسِّس للعدم .
2
التعامل مع اللغة هو تعامل مع وجود الإنسان وعناصرِ الطبيعة ، لأنَّ اللغة هي العَالَم السِّحْري القادر على اختزالِ المشاعر ، وتكثيفِ المضامين الاجتماعية ، وتأطيرِ الزمكان ( الزمان _ المكان ) ، وصَهْرِ عناصر الطبيعة ومُكوِّنات البيئة في بَوتقة معرفية واحدة ، وربطِ النُّظم العقلانية المُجرَّدة بالرُّوحانية الحالمة . وهذا يعني أن اللغة هي المنظومة الشمولية التي لا تتفكَّك ، والكُل الذي لا يتجزَّأ .
3
إذا أردنا معرفةَ أهمية الشَّيء ، ينبغي تصوُّر الحياة بدونه . وإذا أردنا معرفةَ أهمية اللغة ، ينبغي أن نتصوَّر وجود الإنسان في هذا العَالَم بدونها . سيكون العَالَمُ كئيبًا مُتَوَحِّشًا ، ويَكون قلبُ الإنسان مُوحِشًا ، وكيانه فارغًا ، وأحلامه ضائعة . سيُولَد الإنسانُ ، ويَعيش ، ويَموت ، ويذهب إلى النسيان ، ضِمن دائرة استهلاكية مُغلَقة تقوم على الأكل والشُّرب والنَّوم . وهذا دليل واضح على أن اللغة هي التي تَمنح المعنى للوجود والجَدوى للحياة . وإذا أدركَ الإنسانُ أن حياته لها معنى ، سيُدافع عنها ، ويعيشها بكل تفاصيلها ، رُوحيًّا وماديًّا . أمَّا إذا أدركَ الإنسانُ أن حياته بلا معنى ، فإنَّه سينسحب منها ، ويتراجع إلى داخل نفْسه ، ويَهرب مِن الزمانِ والمكانِ ، وعندئذ سيشعر أن سِجنه في داخله ، وأنَّه مُحاصر من كل الجهات . وهذا هو المَوت في الحياة ، والانتحار التدريجي .
4
اللغة تَحْمي الإنسانَ مَن الانتحار المعنويِّ والماديِّ ، لأنَّها تَصنع له حياةً ذات مَعنى على الصعيدَيْن الرمزي والشُّعوري، وتُوجِد في المجتمع منظومةً فكرية قادرة على تفسيرِ المشاعر، واحتضانِ الأشواق الروحية ، والعنايةِ بالنزعات المادية ، فَيَصِل الإنسانُ إلى التوازن الداخلي، الأمر الذي يَجعله ذا شخصية سَوِيَّة قادرة على التعامل مع عناصر الطبيعة بحُب واحترام ، وهكذا تزول العداوة بين الإنسان ومُحيطه الخارجي، وتختفي دوافع الانتقام والثأر من المجتمع ، التي تُسيطر على مشاعر بعض الناس ، نتيجة شُعورهم بأنهم مَنبوذون ومُضْطَهَدُون ومَظلومون ، وأنَّ المجتمع يتآمر ضِدَّهم ، ويتحرَّك باتجاه مُناوئ لمصالحهم .
5
اللغة مشروع خلاص جماعي ، يُشارك جميعُ الناس فيه بدافع المحبة والإحساس بالواجب ، بدون ضغط ولا إكراه . والسبب في هذا الأمر يَرجع إلى كَوْن اللغة عَصِيَّة على التَّدجين ، ولا تَخضع للاحتكار . ولا يُوجد إنسان _ مهما علا شأنه _ يَستطيع أن يدَّعي امتلاكَ اللغة ، أو يَزعم أن اللغة مِلك شخصي له ، أو سُلطة خاصَّة ورثها عن أسلافه . إنَّ اللغة هي السُّلطة العُليا التي تَفرض قواعدَها على الجميع ، ولا تتلقَّى الأوامرَ مِن أحد ، وهذه السيادة الفَوقية ، تَجعل اللغةَ هي الأُم الحاضنة لأبنائها، الراعية لهم ، حيث يَعودون إلى حِضنها ، ويَحتكمون إلَيها ، وهذا يُشعِرهم بالعدالة والمُساواة والأمان ، حيث إن لهم مرجعيةً شرعيةً ، وحِضنًا دافئًا .
6
صِفة الجماعية في اللغة هي القادرة على تفسير مصادر المعرفة، وربط المشاعر غَير المحسوسة بالوجود المحسوس، وإنهاء الصراع بين الإنسان ونفْسه، وبين الإنسان وأخيه الإنسان ، وبين الإنسان وعناصر الطبيعة ، لأنَّ الصراع نار مُتأجِّجة في صدر الإنسان ، انتقلت إلى الواقع ، وانتشرت بشكل كارثي ، وأحرقت الأخضرَ واليابسَ ، لأنها لم تجد مَن يُطفِئها في مَهْدها . وَلَوْ فرَّغ الإنسانُ أحزانَه في اللغة ، وأطفأ نارَ حِقده بالكلام المنطقي العقلاني الهادئ ، واعتبرَ اللغةَ هي طبيبه النفسي الذي لا يَخدعه ، ولا يَخونه ، ولا يُجامله ، لاختفى الصراعُ ، وزالَ الصِّدام . فاللغةُ قائمة على القواعد المنطقية ، والحُجَج العقلانية ، والأدلة المعرفية ، والبراهين الفكرية ، أمَّا الإنسان فهو كُتلة مِن المشاعر المُتغيِّرة ، والأحاسيس المُتقلِّبة ، وهو كائن خاضع لضغط العناصر الحياتية ، وهذا يُفَسِّر مِزاجية الإنسان ، واختلاف سُلوكه حسب الوقائع والأحداث . وهذا الفرق الجوهري بين اللغة والإنسان ، يَجعل اللغةَ هي الكائن الحَي صاحب السِّيادة المُطْلَقَة على الإنسان ( الكائن الحَي المِزاجي النِّسبي الذي لا يُمكن أن يَصدُر عنه قِيَم مُطْلَقَة ) .

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
بلاد مابين النهرين وقوتها الانسانيه
ابن الرافدين -

مقاله ممتازه , لم احس ان الرجل متحيز او ياتكي على عنصر القوة في الطرح . اذا سمحنا الكاتب ان نبدي بعض الافكار هنا . انني وحسب قرائتي المتواضعه استطيع ان اجزم واقول ان اللغه صاحبت الانسان في تقدمه نحو الحياة . اي ساعدته في تفسير الظواهر وتشخيص الاحداث والمشاهد . على سبيل المثال لغه الكهوف كانت بسيطه للغايه لاتعني اي شئ سوى المحيط الذي يعيش فيه . عندما نزل ابن الرافدين الخالد من تلك الاقفاص الجبليه ولعابه يسيل لاقتحام السهل الواسع المخيف حيث كانت اللغه التي بها دون الكثير الكثير , عندما نزل الى تخوم نينوى الاشوريه وبالتحديد عند ضفاف دجله الحاليه حيث وفره الاسماك بشكل غير طبيعي اطلق على المكان (نون ايث) والترجمه بالعربيه (تواجد الاسماك) وان النون او النونتا هي السمك بالغه الاشوريه ومنها جاء المدلول الواضح للحدث لتكون نينوى . وكما ذكرنا الاسم جاء للتاكيد على ظاهره حددت بالمكان والزمان . لنا الكثير من التاريخ المنسي للشعوب الاصليه القاطنه في هذه الديار منذ فجر التاريخ . دمتم

لغة ولغة
خوليو -

إذا كانت اللغة صور جمالية شعرية تعبر عن عمق المشاعر الإنسانية والعاطفية وعن قوة الإبداع العلمية الكامنة في خلايا العقل ،فلها دور فعال في تنمية الصنف البشري ..أما إن كانت تحث وتشجع وتُحّفز الإنسان على قتل الإنسان الآخر ونهبه وسلب ما عنده وسبي النساء ، فتباً لها من لغة مدمرة لإنجازات البشر الحضارية .

اللغة العربية لغة البلاغة وليمت بحقده كل ناكر
بسام عبد الله -

منخوليو زعل لأننا قلنا أن قرينه مردخاي عبقري مقارنة به عندما يتحدث عن الأديان أو بالثقافة والأدب، فماذا نقول عنه اليوم ونحن نقرأ تعليقه عن اللغات؟ نحن هنا يا منخوليو لا ندافع عن اللغة العربية لأنها أسمى من أن يتطاول عليها صعاليك الغجر والمجر والمهجر، وقد شهد التاريخ أمثالك الكثيرين على مد العصور ولم يزدها إلا إنتشاراً . نحن كعرب نفتخر باللغة العربية، ونحمد الله على أننا عرب، وعلى أن لغتنا الأم هي العربية، ونحمد الله على أن القرآن نزل باللغة العربية التي هي لغتنا الأم التي نستطيع أن نقرأها ونكتبها بسهولة. ونعتز لأنها نالت شرف نزول القرآن بها، ولولا القرآن لما أصبحت يومًا ما اللغة الأولى للفكر والثقافة والعلم والأدب ولما تسابق خيرة شباب أوروبا يومًا ما من أجل تعلمها! لك أن تتخيل لو كان القرآن لم ينزل بالعربية، ماذا كان سيصبح مصيرها؟ لن نقول إنها كانت ستندثر ولكن مصيرها في نهاية الأمر لن يختلف كثيرًا عن لغات أخرى اقتصرت على شعوبها، وبالطبع كانت ستصبح لغة الجزيرة العربية فقط أو مناطق معينة. ومن المؤكد أيضًا أن اللغة العربية في الوقت الحالي كانت ستختلف اختلافًا كبيرًا وربما كليًا عن صورتها قبل مائتي عام ناهيك عن ألف سنة. ما من لغة في العالم احتفظت بخصائصها اللغوية طوال 1500 عام سوى العربية. انظر إلى الإنجليزية في القرن التاسع عشر في مؤلفات ديكنز والصحف الصادرة آنذاك وانظر إلى لغة الصحف والروايات الإنجليزية اليوم، ولغة شكسبير في القرن السابع عشر فهي لغة أشبه بالميتة مثل اللاتينية فلا يستطيع أحد أن يفهمها حتى من أهل بريطانيا دون قاموس أو تفسير باللغة المعاصرة. ونحن هنا حتى نغيظك فقط ونجبرك على تغيير الحبوب التي تتعاطاها أو تقبل دعوة ابن خالة مردخاي الدكتور سيمون للعلاج .

التنزيل
كاميران محمود -

كلمتان ألأولى لأبو عواد والثانية لأبتسام .ألأولى أقول فيها أن الكلمة هي تجمع اعتباطي لعدد من ألأصوات (الحروف) جمعها البشر لتعني شيئا باتفاقهم (دي سوسير) أو بتواطؤهم (ألغزالي) يا أبو عواد.والثانية أقول فيها أن نزول القرأن باللغة العربية حسب القرأن لم يكن الهدف منه تشريف اللغة العربية بل التالي :أنا أنزلناه قرأنا عربيا لعلكم تعقلون.

مجنون يكتب وعاقل يقرأ
بسام عبد الله -

قرأت تعليقان للمدعو كركيران ولم أجد فيهما جملة ولا حتى كلمة مفيدة، فتوقعت ثلاثة إحتمالات وهي إما أنه كردي أو فارسي أو صهيوني يكتب التعليق بلغته ويستعين بالمترجم الالكتروني فيلطعه دون أن يفهم محتوياته، ويترك القاريء في حيص بيص.

يا أبتسام
كاميران محمود -

أعلم أنك في حيص بيص ولم تفهم شيئا مما كتبته لأنك قرأت ألجزء ألأول من التعليق والموجه لأبو عواد ونقلته من(دي سوسير ) وهو واحد من أكبر علماء اللغة وعلى أساس أفكاره تأسست النظرية البنيوية الفلسفية مع أن ألغزالي مؤلف تهافت الفلاسفة ( مع ألأسف )ذكر نفس الشيء قبله بقرون وأستغرب كيف لم ينفجر دماغك بسبب أمكانياتك الثقافية المتواضعة أو المعدومة أصلا وأعترفت بذلك عندما تصورت أن ذلك عمل المترجم ألألكتروني وأستغرب كذلك من عدم قولك أن التعليق من عمل الجن لكوني متأكدا من أنك لا تقرأ شيئا ما لم يكن مسبوقا ب:ذكر أبو صفيحة أو قال أبو زريبة وأفتى أبن ذميمة ممن يرفعون ألحرام عن القتل ولأجرام لأنك لا تفهم غير ذلك.و لماذا لم تذكر الجزء الثاني من التعليق الموجه اليك .وبالمناسبة فأن الغزالي هو أول من طالب بالتقيد بألأختصاص حيث قالها بصراحة : لا يمكن لعالم الرياضيات أن يكتب في اللاهوت ولاالعكس وهذا موجه لأبو عواد.