محلِّلو بطّيخ أبيض
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
هو انفجار فضائي من نوع مختلف، لا نتحدث عن كوكب يصطدم بآخر أو مركبة فضاء تخرج عن مسارها، نحن نتحدث عن انفجار فضائي إعلامي عربي. الاصطدام هذه المرة بين الألاف من القنوات التلفزيونية، والمئات من المحللين السياسيين الذين اقتحموا منازل العباد تحت قصف مدافع الحروب، وحروب الفقر والمياه والأزمات المتوالية، بحيث فوجئ العباد بغزو فضائي في زمن التشرذم العربي لم يسبق له مثيل. بعد سنوات طويلة اعتادوا فيها على قنوات حكومية قليلة، ربما وحَّدتْهم فكريّاً بنسيج اجتماعي واحد مثلما يقول البعض، لكنهم أفقدتهم أيضاً بعض حقوقهم الاتصالية.
بالعربي الفصيح، يعيش المواطن العربي ازمه داخل ازمه لا تنتهي، وضجيج أجوف أبطاله خبراء واستراتيجيون في السياسة والحروب والأمن القومي، هكذا تقدمهم الفضائيات بافتخار وثقة لنا، لا دور لهم ألا صب الزيت على نار فوضى الحروب الميدانية والطائفية، بدلا من تقديم المعلومات المعرفية والواقعية للجمهور! هم تجار من نوع فضائي لهم أدوار محددة، ومهمات عسيرة في تبيض المواقف السياسية أو جعلها سوداء مثل ظلام الليل، تراهم يقفون صفوفا بانتظار إشارة الطلب، بعضهم يتنقل في أكثر من قناة، وله أكثر من رأي ووجه، منافق لا يهمه تقديم الحقيقة للعباد بقدر ما يدخل إلى جيبه الدولار.
وإذا أخذنا العراق نموذجا، فأننا سنرى العجب، مثل عجب ما يجري فيه، فقد شهد العراق الجديد تناسلَ الفضائيات بشكل لا مثيل له في الوطن العربي، مثلما شهد أيضاً تناسلاً لجيش من المحللين السياسيين والاستراتيجيين، وخبراء لشؤون العراق والشرق الأوسط والأدنى، كما شهد بالمقابل جيوشاً من الإعلاميين يقتحمون بجهلهم وطائفيتهم هذه الوسائل التي أشعلت حرائق الطائفية والكره بين أبناء الوطن الواحد. فقد شهد الإعلام العراقي بعد الاحتلال دخولَ تجار اللحوم والبسكويت والألبان للاستثمار في الإعلام لتحقيق غايات معروفة، مثلما دخلت العمليةَ السياسيةَ جحافلُ من السياسيين العراقيين الذين أجادوا في دول المهجر بيع الخضروات والمسابح وفن العمالة ضد أوطانهم.
إن العدد المتزايد للمحللين السياسيين باطّراد على شاشات الفضائيات العراقية، ظاهرةٌ تستحق الوقوف عندها، ولا سيما أن هؤلاء باتوا يساهمون اليوم في صياغة الرأي العام العراقي عبر ما يقدمونه من معلومات، أو حتى عبر ما يقومون به أحياناً من تسريب معلومات استخباراتية عن لقاءات وطبخات سياسية في الكواليس. وما يزيد الطين بلةً وخطورةً، هو أن العديد من هؤلاء يقدمون أنفسهم على أنهم محللون استراتيجيون من الطراز الرفيع ولديهم من المعارف والخبرات العسكرية ما يدفع بأرقى وأهم مراكز الأبحاث ومعاهد الدراسات الاستراتيجية في العالم للتواضع أمامهم، علما أن معظمهم لم يسبق له أن كتب حتى مقالاً واحداً بالشؤون الاستراتيجية، بل أن بعضهم كان صاحب محل للحلاقة وبيع الألبان واللحوم!
تتفق التعاريف الموضوعة للمحلل السياسي، على أنه يجب أن يكون قادراً على سبر أغوار الحدث السياسي، وعدم الوقوف عند ظواهره السطحية، والسعي إلى كشف بواطنه ومسبباته والتنبؤ بتداعياته المستقبلية، فيما الأغلب ممن يظهر على الفضائيات لا يمتلك القدر الكافي معرفيّا، لمهمة التحليل وإنما لمهمة التنجيم. هؤلاء الذين يسمونهم في الفضائيات (خبراء) و(استراتيجيين)، يتكاثرون بسرعة هائلة على الشاشات، يوزعون آراءهم العاجلة ويثوّرون مواقفَ ضد مواقفَ أخرى، يصرخون ويتقاذفون الشتائم، ويتبادلون تُهم الخيانة والارتهان للأجنبي أو العمل كأبواق لدى السلطة؛ دون أن نجد في كلامهم حكمة تنقذ العباد من وجع السياسة العراقية ومآسيها، وسلوك (صبيان) السياسة الجدد. لا يزال المحلل السياسي في العراق يركز على إثارة الرأي العام، كاشفاً عن الأحداث الاجتماعية والسياسية والثقافية، من دون البحث في الأسباب المباشرة، مع العجز عن فهم علاقتها الجدلية مع الزمان والمكان وحركة التاريخ، بل يسعى إلى تأويلها وفق الجهة المموِّلة له أو الحزب الذي ينتمي إليه، ليس أكثر. فائدته كما عبر عنه مواطن شعبي يشبه بطيخ ابيض لا طعم له!
ما يثير التندر أن الكثير من المحللين له أكثر من وجه، يغير جلده مثل ثعبان، فترى كلامه في الفضائيات الخليجية لا يشبه كلامه في الفضائيات العراقية، مرة يتحدث عراقيا ومرة إيرانيا أو أمريكيا، ولم تعد له هوية واضحة، هويته البحث عن المال الحرام، والظفر بمنصب في الرئاسات الثلاث أو في مؤسسات القوة والشهرة كما فعل الكثير من الإعلاميين والمحللين الذين يظهرون اليوم على الشاشات وهم يتبخترون مثل الطواويس بعد أن خدعوا العباد بالأمس بكلامهم المعسول. وصدق من قال عش رجبا ترى عجبا!
وهكذا تناسل الجهل في المؤسسات الإعلامية بشكل لا يوصف، وأصبحت هناك جمهرة من الأميين يقودون أخطر جهاز في الدولة، مثلما تناسل معهم بالفطرة عدد كبير من المحللين والاستراتيجيين والخبراء الذين كانوا لا يحلمون يوما برؤية ستوديو تلفزيوني وهؤلاء لا تنقصهم الأخلاق فقط، وإنما تنقصهم الكثير من المعارف والمهنية والمعايير الإعلامية الذي تجعله لا يفرق بين الخبر والرأي، والتحسين والتقبيح في تحليل الحدث، والتفريق بين النوايا الحسنة والأعمال السيئة، وكذلك معرفة الفرق بين التنبؤ والتخمين. لان المحلل السياسي هنا ليس بالضرورة موظفا في المؤسسة الإعلامية بل هو صاحب رأي، ويمتلك خلفية يتشكل من أدوات التحليل وقاعدة معلومات تمكنه من المتابعة وتعزيز مضمون التحليل. فالإعلام لم يعد مجالا محايدا بل هو جبهة صراع مفتوح بتقنيات ناعمة.
ومع الأسف لدينا اليوم صنف ردئ من المحلل السياسي، انه صنف المحلل المحتال الذي لا يهتم بالتوعية ولكنه معني باستثمار المتداول من الأفكار البسيطة والمتحيزة لمنحها الشرعية، والرقص على الحبال السياسية لأهداف أيديولوجية أو مالية، وهذا الصنف هو الذي تبحث عنه وسائل الإعلام لاستهلاكه لأنه غير مكلف ويؤمن شكلا من الضجيج النظري وتكريس الالتباس.
نقول أخيراً إذا كان لدينا هذا العدد الكبير من خبراء التحليل السياسي، فلِمَ لا يتحسنُ وضعنا السياسي، وهو وضع سيئ لا نجده في كل أوطان العالم؟! أم أن المنجمين الجدد اكتشفوا بجهلٍ أن إدارة الأزمات لا تقوم إلا على إدارة الأزمات بالأزمات، فالغيمة لا تمطر غباراً وكذلك سحابة الدخان لا يُنتظر منها الغيث؟ وبعيداً عن التهوين والتهويل لما يجري في الفضائيات العراقية، فإن هذا الاحتضار قد يفضي إلى قيامة فتنهض العنقاء من رمادها!
التعليقات
محللو تحت الطلب
كاظم -الى الان لم اسمع تحليلا لخبير ستراتيجي لم يكن يعبر عن وجهة نظر مستقلة ومن اول كلامه اعرف اية وجهة نظر يدافع عنها مقال رائع ضروري التحذير من صورة الاعلام الذي عليه اليوم من خطورة كما ان الفضائيات هي السبب لا تتصل الا بجماعة تملي علبهم وجهات نظر تلك الفضائيات .
النفاق الفضائي
طه العراقي -سلمت افكارك التي كشفت حقائق وأرقام من هم معتاشين على النفاق وشق الصفوف وشعب المسكين الذي لا يدري هل سيحصل على قوت يومه ام والموظف المحدود الدخل لا يدري سيتمكن من دفع الإيجار في وقته ام لا عجبا والله ان من كان في المسؤوليه واسقطه ضعف ثقافته موقعه واذا به يرتفع صوته علا انه يعرف اسرارا لم يعرفه غيره ومرة يظهر كمعلق ومره فاضحا معلومات تظر المجتمع وحتى الدوله التي اغرقته بل الراتب التقاعدي الذي حصل عليه من دون جهد سلمت لكشف الحقائق ودمت على الظالم السيف المسلول
محللو على عدد الأحزاب
د.طه -وماذا تنتظر من بلد سجل فيه لحد الآن ٢٣٠ حزباً لخوض الانتخابات النيابية ، وقد يصل العدد إلى ٣٠٠ ؟! . عدد المحللين يتناسب طردياً مع عدد الأحزاب التي لابد أن لكل منها وجهة نظر في كل شيء ، و ناطق رسمي ، و ( محلل ) استراتيجي ! .
دلالون في الفضائيات
ماجد نعيم -سلمت اناملك على كل حرف اخططته يديك الكريمة وكعادتك فانك تطرقت الى معضلة حقيقية يعيشها الاعلام العراقي منذ برز البقالة والدلالين والمتسؤولين واعتنقوا مهنة التعليق والتحليل السياسي الذي جاءهم من فراغ في اجواء اخلتط الباطل بالحق واصبح للباطل جيوش من المناصرين كبسطية حاجة بربع هؤلاء النكرات الذين لا يملكون لا الثقافة ولا القاعدة الرصينة من المعلومات وانما هم مروجين للدعايات والاكاذيب وجعل الاسود ابيض والابيض أسود هؤلاء الذين خيرهم لا يساوي خشفة تمر.
أزمة عربية ايضا
د.سكينة -مهنة المحلل لا تنطبق على الإعلام العراقي فقط فقد أصبحت مهنة الكثيرين في الفضائيات العربية ..وگأنها مهنة من لا مهنة له..مع شهودنا ضبابية التوصيف ..فكيف يصدق وصف المحلل على احدهم دون الآخر ..هذا من جهة ومن جهة اخرى فان توظيفه وفي كثير من الاحيان اصبح موضة الفضائيات الاخبارية التي اراها وفي كثير من الاحيان تبالغ في استضافة المحللين بينما الجمهور هو بحاجة فقط الي مجرد احترافية ومصداقية في تبليغ المحتوى الاعلامي ليس إلا!! شكرا على طرحكم لهذا الموضوع الهام
حرائق المحلل
د.حارث -شكرا دكتور ياس لطرح هذا الموضوع المهم موضوع الساعة وما قبلها وما بعدها فقد اصبح المحللون اكثر من مختبرات التحليل في المنطقة العربية . ولكن هناك نقطة مهمة تتعلق بالفضائيات نفسها التي تعمل 24 ساعة على 24 ساعة وهي بالتالي بحاجة الى اي شخص يظهر ليحلل كفرا ام صدقا المهم ان يملأ الفراغ الذي تعاني منه الفضائيات فتتصل بكل من هب ودب واحيانا اكاد ان اتقيأ من بعض تحليلات وآراء بعض الذين تستضيفهم ولا اعرف من اي مستنقع تنتشلهم وتخلع عليهم صفات الاعلامي او المحلل الاستراتيجي والامني.حقا لقد أجاد الكاتب ووضع اصبعه على الجرح والنقاط على الحروف.. من خلال تشخيص ظواهر مستغربة فعلا بدات تطفو على السطح لاسيما مابات يعرف بجيش المحللين السياسيين الذين لايجيدون سوى التلاعب بالالفاظ والخوط بجانب الاستكان وصب الزيت لاشعال الحرائق..مرة أخرى شكرا للكاتب المبدع في موضوعاته وأسلوبه الرشيق
محلل وظيفته السابقة سارق
قانوني -الفوضى غير الخلاقة أدت إلى انزواء أهل الخبرة والمعرفة والخبراء الأصليين وظهور العشرات والمئات من الأشخاص المزيفين الذين يمتازون بانهم خبراء نصب واحتيال اعرف شخص درس مدرسة دينية اشو صار خبير امني وسياسي والآخر متهم بسرقة أموال الدولة يخرج علينا بفصائية حزب إسلامي وتسوقه كخبير في الشأن السياسي..والآخر كان ساعي للبريد العسكري ودائمًا يعرف بانه راقص في الشوارع اصبح الان وبفضل الأحزاب باحث في الستراتيجيات...ومن هالمال راح نحمل جمال!
الاحتضار قد يفضي إلى قيامة فتنهض العنقاء من رمادها!
قارئ -غير صحيح فالاحتضار لا يؤدى الا الى الموت ، و ليست هناك عنقاء تنهض من رمادها ، هذه اسطورة فقط و ليست حقيقة و لا احد او شئ يعود من الاحتراق و الموت ...... لا تخدعوا الناس بالاباطيل و الامل الكاذب مثل محلليكم الذين تتحدث عنهم : لا تنهى عن شئ و تاتى مثله .... فانك اذا فعلت عظيم ....
وجوه متعددة
سلمان العراقي -سيدي الفاضل انا في اواسط العقد السادس من عمري ومنذ ان عرفت الحياة رافقني البؤس والحرمان والسجون والمعتقلات علما انا لم اكن سياسيا ولست انا الوحيد من شباب العراق بل الكثير منا كان ولازال يتمنى لو لم يكن عراقيا ..؟؟واظن ان الحزن السومري سيرافقنا الى ان نرحل عن هذه الدنيا ..ياسيدي السياسيون الذين يحكمون العراق الآن هم ناتج شعب وكما قيل ( كيفما تكونوا يولا عليكم ) ونحن شعب لايستحي فكيف تستحي الحكومات المتعاقبة ..؟؟؟حقا انهم عفطية آخر زمن ..تقبل احترمي وشكرا لمنشورك الذي اصاب الهدف بدقة
مقال مؤلم
تحسين -احسنتم ...مقال رائع جدا ومؤلم تدور أحداثه لزمره فاسده وفاشله تحكم العراق العريق من ٢٠٠٣ولحد الان هم زمر ولائهم للغير جاءوا لسرقة البلد وتحطيمه وخرابه فأصبح هذا البلد العريق مقبرة الاحياء.اصحوا ياشعب من نوم السبات كاد العراق أن ينمحي من الخارطه بسبب هذه الزمر العفنه .انه نص موجع ومؤلم لكل عراقي حر غيور.. سلمت دكتور ياس وسلم فكرك المضيئ وسلم قلمك الزاهر بالنبل والشجاعة والوطنية
توعية النخب ضرورية
سعد -لايؤلمني مايحصل لانه نتاج شخصية هؤلاء اللذين يحكمون ومثلما شخصت السبب والحقت النتائج به لكن اين دوركم في التغيير والتوعيه فعندماادخل على منشورات المثقفين والمحللين السياسيين اقف مذوهولا امام رؤعة الكتابه والتشخيص فالمجتمع الذي يمتلك هكذاقامات في الفكروالثقافه الا يتبادر الى الاذهان عن دورهم في البناءورسم المستقبل بل الجميع تعرف الخلل من ادنى فقير في الشارع الى اعلى ثقافات الناس ولكن الكل تنتظر ان يأتي التغيبر من الخارج كماحصل الان. والله سبحانه وتعالى يقول ان الله لايغيرمابقوم حتى يغيروا مابأنفسهم وهل ننتظر من يأتي ليحكمنابفرض ارادته ونرجع نتباكى بالمظلوميه. ولكن تبقى مقولة العرب ماترك القوم حد السيوف ذلوا.
صداع المحللين
عبد الرحمن -مقال رائع عالج ظاهرة اعلامية مدمرة كشف زورها واضرارها وفضح اصحابها افلا يكفون ويريحون الناس مما يسببونه لهم من صداع الاعلام الحالي وجه اخر للخراب السائد في البلد .المشكلة ياسيدي الكاتب بلد محتل من الداخل اكثر من الخارح...عدد المطبلين يزداد كل مرة يجري فيها ذبح مستقبل الشعب العراقي المظلوممقال جرئ اصاب الهدف