خرافة ميلاد البطل وإسقاطاتها الرمزية والنفسية
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
من خلال كتابه "خرافة ميلاد البطل"، يتحدَّث أوتو رانك عن الغريزتَيْن الأساسيَّتَيْن في اللاوعي الإنسانيّ وهما: غريزتا الحياة والموت، واللتان تؤسّسان لنوعين من القلق: القلق من الحياة والذي يبدأ بالانفصال عن الأم من خلال الولادة ومن ثمَّ الشعور بالوحدة، والقلق من الموت وذلك من خلال فقدان الفرديَّة والزوال بين الحشود والذوبان في الكلّ الكبير.
يُعيد رانك صناعة خُرافة البطل والحكايا التي تدور في فلكها، إلى تقهقر الكبار نحو مرحلة طفولتهم المبكِّرة، وإلى عمليَّات تخيّلهم لتلك المرحلة، وعلى وجه الخصوص عمليَّة الولادة.
فلم تكن المغامرة والتهوُّر والابتعاد عن " الرحم الاجتماعيّ"، إلَّا إعادةَ تمثيلٍ لمخاطر ومخاضات الولادة الأولى للإنسان. وما أسطورة ولادة الأبطال، إلا مُحاكاةً رمزيَّةً لواقعٍ إنسانيٍّ قديم.
فولادة كلّ فردٍ منَّا، على ما انطوت عليه من معاناةٍ وضروبٍ من الحصرٍ، وخاصَّةً لدى الإنسانية القديمة، أدَّت بالضرورة إلى تشكُّل تلك الهالة التي أحاطت، من خلال الخُرافة، بما قبل وما بعد ولادة البطل.
فصعوبة عمليَّة الولادة، والاحتمالات الضئيلة لميلاد الطفل، أضف إلى ذلك مزاجيَّة كبير الأسرة ورغبته من عدمها في إبقاء المولودِ حيَّاً! وعمليات "القتل الوحشيّ" الممارسة من قِبلهِ (الأمر الذي ما يزال قائماً حتى يومنا هذا لدى البعض، لكن بصورةٍ مخفَّفة أو رمزيَّة)... ذلك كلّه جعل من ميلاد وبقاء الطفل على قيد الحياة، موازياً إلى حدٍّ كبير لولادة الأبطال في الأساطير.
وفي معرضٍ آخر، وتحديداً ضمن إشكاليَّة علاقة الطفل الأزليَّة بأبيه، يبدأ رانك طرحه للمعضلة من خلال معيار سيغموند فرويد لسعادة المرء وهو: إيجاد الحب والعمل.
ولـمَّا كانت الأم هي موضوع الطفل الأول للحبّ، كان هذا الصِّدام المحتوم!
وفي هذا الصدد يقول أوتو رانك بأنَّ "السبب العميق غير الواعي، في كره الطفل لأبيه أو شقيقه، يعود إلى التنافس المحموم في حب ورعاية الأم. ولأن مثل هذه المشاعر هي فوق قدرة المرء على احتمالها ومواجهتها والقبول بها، يتم في ما بعد ومن خلال الأسطورة أو القصَّة المُصطنعة، العمل على جعل الأب مُذنباً. والهدف واضحٌ هنا في محاولة التماسِ العُذر لتبرير هذا الكمّ من الكره الخبيء".
هنا يظهر الهدف الأسمى من الأسطورة، وهو قتل الوحش (الأب)، الأمر الذي يوازي ولوج الطفل، سيكولوجيَّاً، لمرحلة البلوغ بعد تخطي الأب في مغامرته للوصول إلى مستقبله المنشود.
وبعد هذا الفعل يغدو البطل -من خلال الأسطورة- هو الفاتح العظيم وهو المُلهِم لقومهِ وهو المخترع وباني المُدُن!
أما من لم يبلغ مرادهُ ولم يستطع قتل الوحش رمزيَّاً، فقد أضحى بطلاً مُجرَّداً من بطولته، وشخصاً عالقاً في مُستنقعِ مراهقته، فهو لم يستطع تكوين أنا أعلى قوي، لذلك سيبقى طفلاً أبديَّاً، أو مُضطرباً انفعاليَّاً مدى الحياة.
باحث سوري في علم النفس التحليلي.