كتَّاب إيلاف

الدكتاتورية الموروثة والتربية الديمقراطية

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

واحدة من أهم وأخطر ما يواجه مجتمعاتنا وهي في خضم عمليات تغيير اجتماعي وسياسي هي تلك المنظومة من السلوكيات والثقافات المتوارثة عبر أجيال وحقب زمنية ليست قصيرة، ابتداءً من الأسرة وسلطة الأب أو ولي الأمر، وانتهاءً بالقائد الضرورة مروراً بكل من تسلط على عباد الله وإن كان عددهم اثنان فقط، لكي يمارس فيها نرجسيته وتفرده. فإذا كانت البداوة مرحلة من مراحل تطور مجتمعاتنا وما زالت كثير من سلوكياتها تتمركز في مفاصلنا التربوية والاجتماعية، مضافاً إليها إكسسوارات قروية وقبلية كرست تفرد الشيخ و الأغا، الذي تطور تدريجياً كمفهوم للتسلط والأحادية في من يتولى إدارة أي مؤسسة أو حركة أو حزب في حياتنا، حيث تتجلى اليوم في الكثير من سلوكيات أولئك الذين يحملون شعارات الديمقراطية خاصةً في مرحلة ما سمي بالربيع العربي الذي صبغ بلدان البداوة السياسية بألوان الدماء والدموع منذ سنوات على أنقاض أنظمة أوحت لنا جميعاً، أن دكتاتورياتها أفضل بكثير من ديمقراطية البداوة الجديدة، تلك الدكتاتوريات التي أنتجت مشروع داعش مختصرة كل أفكار وتوجهات من أرادوا بناء دولة الوحدة العربية أو الإسلامية وصهر وإذابة كل ما هو خارج مفهومي الانتماء لغير العرب أو الإسلام في بوتقة هذا المشروع، وعودة سريعة لمكامن نشوء وبلورة الدكتاتورية اجتماعياً وتربوياً وتطورها سياسياً ندرك دقة ومصداقية ما يقوله علماء النفس في إحدى نظرياتهم حول عالم الطفل الذي يرى نفسه مركزاً للمجتمع الذي يدور حوله، بل وفي خدمته وتحت تصرفه، وبوجود بيئة تساعد على نمو هذا الشعور وتعملقه ودلال أسرته يتحول هذا الكائن المدلل تدريجياً إلى دكتاتور لا شريك له في هذا العالم، ابتداءً من تحوله إلى رب أسرة ينتج سريرته ويكاثرها في أبنائه أو بناته، أو مدير دائرة يُشعر معيته بأنه فيلسوف عصره وأن استبداله سيوقف حياة وتطور تلك الدائرة، ولك أن تقيس أخي القارئ كلامنا هذا على مديرك العادي وصولاً إلى من يتولى إدارة المنكوبين من العباد، فيصبح رئيساً عظيماً وضرورة أو حتمية تاريخية، يتطلب من بقية الكائنات الدوران حول كوكبه الدري.

إن تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية وقبله القاعدة ومجمل الحركات العنصرية والدينية والمذهبية وخاصة داعش، ليست طارئة أو وليدة الربيع البائس، بل هي نتاج ثقافة وسلوك متراكم من مئات السنين، وخبطة معقدة من الثقافة الدينية البدائية والسطحية والسلوك البدوي وعقلية القرية وبنائها الاجتماعي والتربوي، وهي بالتالي الحلقة الأخيرة في سلسة الأحزاب العنصرية القومية أو الدينية التي تطمح لبناء دولة ايديولوجية، أساسها العرق العنصري أو الدين المتطرف والمتشدد، وما يتبعه من مذاهب وطوائف، ببناء فكري متعصب أحادي التفكير، لا يقبل الآخر إلا عبداً مطيعاً أو ملحاً مذاباً في بوتقته الفاهية، وعلى ضوء ذلك ولأن دورة تربية مجتمع بأكمله من الطفولة حتى النضج تستدعي زمناً ليس قصيراً، بل حقبة طويلة لسبب بسيط هو أن المربي ذاته هو الذي أنتج هذه السلوكيات، ولأن الكثير الكثير يؤمن بأن مجتمعاتنا لا تتحمل هذا النمط من النظم الاجتماعية والسياسية، وهي سعيدة جداً بوجود الفارس والرمز، بسبب تراكمات هائلة من العادات والتقاليد والتركيب النفسي والاجتماعي والتربية الدينية الأحادية الاتجاه. عليه وجب البحث عن حلول وخيارات أخرى غير هذه النظم أو أن يتحول الجميع إلى دكتاتوريين لكي لا يُتهم أحد بأنه قد تفرّد بالآخرين!؟

وحتى يتحقق ذلك الهدف وحماية لأجيالنا القادمة من ظهور دكتاتوريات متوحشة تبتلعهم علينا أن نبدأ من السنوات الأولى لحياة الطفل في تهيئة بيئة صالحة لنمو كائن ديمقراطي لا يعتبر أن المجتمع كله خلق من أجله، بل يؤمن بأنه خلق من أجل المجتمع، وتعديل تلك المشاعر والسلوكيات الغرائزية وفق أسس تقلب المعادلة، فيتحول من كوكب تدور حوله كل الكواكب، إلى نجم يدور هو حول كوكب اسمه المجتمع، ويشعر بأنه جزء من عالم وعليه خدمته لإثبات انتمائه له دونما شعور بالفردية الطاغية، ومن هنا تبدأ حكايتنا حيث يستمر هذا الطفل باعتبار كل العالم يعمل لأجل تنفيذ رغباته أو العكس، فإذا جمعنا طفلنا المدلل واعتبرناه في جمعه يمثل مجتمعاتنا الشرقية، ندرك ونكتشف حقيقة اللبنات الأولى في بناء الديمقراطية أو الدكتاتورية.
kmkinfo@gmail.com

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
الدكتاتورية الموروثة
د. سفيان عباس -

احسنت الرؤية التحليلية الصائبة تشخيصا وتصويبا . وكعادتك دائما تضع النقاط على الحروف في مسيرة الأمم المتعرجة ، ان غريزة التسلط والتفرد والدكتاتورية في الشخصية العربية والإسلامية لها امتدادات تاريخية تبلورت ، وتضخمت مع الزمن في ظل سحق مفهوم الكرامة الإنسانية للفرد تحت خيمة ، أية كانت المسميات والعناوين التسلطية ، ولعل آخرها فترة الاستعباد العثماني الذي سحق الفرد والمجتمع معا وما تبقى من أي اعتبار آدمي للإنسان . حتى غدت هذه الارهاصات سلوكا تربويا في بناء الشخصية ابتداءً من رب الاسرة وتعاقب الأجيال الى يومنا هذا . فالدكتاتورية والديمقراطية سيان من حيث النهج التربوي المعتاد عليها ، الديانات ومذاهبها لم تستطع تغيير هذه المفاهيم ، بل زادتها بلة واسهمت في ترسيخها وتجسيدها أكثر عمقاً وايلاماً وانتشاراً وباتت واحة تفرز ساسة وعساكر العهد الجديد الاكثر دكتاتورية من حالة الاستعباد الديني . وهنا السؤال يطرح نفسه عنوة . ما هو السبب الذي جعل الناس تترحم على الدكتاتوريات المقبورة ...؟ اليس مرارة المرحلة الراهنة وتبوأ أولاد الشوارع مصدر القرار والتقرير هي الدافع للترحم ..؟ نعم نحن بحاجة الى البناء الجديد من نقطة الصفر على وفق برمجة علمية نوعية في كيفية اعداد الأجيال التي تؤمن بالعمل الديمقراطي وقبول الآخر تحت رايات السلام والمحبة ، وليست رايات القتل والثأر باسم الله والحقد الدفين المتواتر الذي بنى هذه العقليات والسلوكيات الهمجية ..؟ اعتقد جازما ان اللبنة الأولى لهذه النظرية قد تأسست في إقليم كوردستان ، فأن المجتمع الكوردستاني قد خطى خطوات كبيرة في هذا الاتجاه الحضاري والديمقراطي ، بفضل الله سبحانه الذي انعم عليه قيادة رشيدة ورجال دولة وتاريخ . وما على القارئ الكريم الا ان يلمس هذه الحقائق بنفسه في اقليم كوردستان ... بورك قلمك اسد كوردستان ، الوفي لشعبه وامانة البيان .

البداوة الحقيقية
يوسف سرحوكى -

تمتاز البداوة الحقيقية بالأنسانية وقبول الأخر ومساعدته عند الحاجة حيث كانت تلك البداوة تحتاج إلى رجل قيادي ذو نظرة بعيدة المدى لصالح المجموعة التي ينتمي إليه ذاك الشخصية الإنسانية وكان له مستشارين .. دينية ومجتمعية وعسكرية وأقتصادية وسياسية .. ليدعموه عن الشدائد لكن بمرور الزمن تحولت تلك الشخصية وعبر نرجسيته وحب ذاته تحولت الى دكتاتورية لإجل البقاء لتحقيق أهدافه وطموحاته الذاتية وهذا بدوره يحتاج لاستعمال القوة المفرطة لكل من يخالف نهجه وسلوكه الظالم حتى وأن كانت ضد أقرب أقربائه وحتى ضد مستشاريه وضد أصحاب العقول المنفتحة للحياة برفع شعارات دينية كانت أو قومية لغسل أدمغة المجتمع ليصبح قائدا أو رمزا لكل الضرورات وهذه العملية الإجبارية القسرية جعلت تولد داخل نفوس مجتمعه فكرة الدكتاتورية حيث كبرت تلك الفكرة من جيل إلى أخر وكما تفضلت .. تعملقت .. داخل عقول الأباء وعلى ذلك الفكر الدكتاتوري تم تربية الطفل ليصبح قاسي الطبع ظالم لكل من يخالفه نهجا وفكرا و مجرما لايرحم أحدا حتى وأن لم يصبح قائدا أو شيخا أو كبير منصبا لهذا تحول المجتمع لمجتمع دكتاتوري يهظم الحقوق المشروعة دينية كانت او عرقيا ويهدم كل مكتسب بناء أن لم يكن لصالحه الفردي او يقلل من قيمته الذاتي لهذا نجد مجتمعنا يسكن فوق بحر للدماء ومهدم لكل جميل والحرمان من أبسط الحقوق الحياتية الكريمة عبر الأجيال . بمعنى الدكتاتورية معش عش داخل عقول أبسط إنسان وليس في القائد وحده والواقع المؤلم يثبت ذلك .. في الدوائر في الشارع و التعامل والبيع والشراء وووو.أحييك أستاذ كفاح

لا حل إلا بالتغيير الجذري
باسل الخطيب -

المنطقة بحاجة إلى تغيير جذري سواء في النظم السياسية أم الاقتصادية أم التربوية، لأن بقاء الوضع الحالي فيها لا يمكن أن ينتج إلا مسوخ وشواذ يعتقدون بأنفسهم الالوهية، فضلا عن المزيد من الطغيان والفساد وبحور الدماء، ولعل العراق يجسد ذلك بنحو صارخ حيث تتناسل الرموز من ديناصورات الجريمة والفساد ويسود الجهل وتغييب العقول واستغلال الدين بأبشع صورة لاستعباد الناس والضحك على ذقونهم.. مع التحيات للأستاذ كفاح محمود على جهده التنويري.

الشيخ والآغا هم قضاة المجتمع
محمد سيف المفتي -

شكرا على هذا المقال والذي كان من المفروض يكون تقريرا مع امثلة كثيرة عبر تاريخنا تؤكد ما جئت به.اشكاليتنا الكبرى في الموروث الثقافي والتي تبدأ من الطفولة ، التربية العائلية، الشارع ، العشيرة وقوانين العشيرة. وبالرغم من كل ما تسبب به هذا الموروث الثقافي من كوارث مجتمعية على مر التاريخ لم تجرأ المؤسسات الإصلاحية سواء الدينية منها أو المجتمعية بمحاولة التدخل لأصلاحه أو تهذيبه، وكما تفضلت ذاب مفهوم المجتمع والمنفعة الجمعية في الرغبات الذاتية والمنافع الشخصية. لنتمع بمصطلح اعجبني " ديمقراطية البداوة" ولنعيش في حالة فوضى من صدام الحضارات في المدينة الواحدة.. وللحديث بقية.

دكتاتورياتنا البائسة
ديالا حسين -

دكتاتورياتنا البائسة التي صنعناها بايدينا هي سبب تخلفنا ..هي كاصنام قريش التي صنعوها بايديهم وبداوا بعبادتها معتقدين انها سبيلهم إلى الله والخلاص ... وقبلها كآلهة معبد آمون لا حول لهم ولا قوة...مقالات رائعة لاستاذ وكاتب كيير ومخضرم استمتع بقراءتها .. شكرا لك استاذ كفاح

الدكتاتورية الموروثة والتربية الديمقراطية
salim maroki -

لقد تربّت غالبية شعوب الشرق الأوسط ومنذ مئات السنين على ثقافة التصفيق للقائد السياسي أو الديني أو العسكري أو القبلي وعدم مناقشة قراره " نفذ ولا تناقش". هذه الثقافة أنعشت روح الإستبداد والنرجسية لدى المسؤول، فإذا أصاب أو أخفق بقراره يصفق له. وهنا تكمن الطامة الكبرى لغياب النقد المباشر والمحاسبة القانونية للمسؤول. لو تمحصنا بكافة القرارات المصيرية التي يتخذها حكام الشرق الأوسط لوجدنا غالبيتها شخصية مزاجية غير مدروسة ودون الإستعانية بمستشارين أكاديميين لغياب القانون وسلطة المحاسبة. لقد ترجمنا المعاني السامية للحرية والديموقراطية بالفوضى وعدم مسائلة القائد أو المسؤول عن صواب قراره. فلا أجد حلا سحريا لهذه المعضلة المهلكة التي سببت كوارث مدمره لهذه الشعوب سوى تربية الجيل الجديد على نبذ ثقافة التصفيق للمسؤول وتسليحه بمبادى النقد البنّاء وتقبل النقد الذاتي للوصول الى الحقيقة المثلى للنهوض من هذه الكبوة القاتلة التي أضاعت طعم الحياة.

الحكامة المطلقة مفسدة مطلقة,,
الحسن لشهاب -

إن تنظيم ما يسمى بالدولة الإسلامية وقبله القاعدة ومجمل الحركات العنصرية والدينية والمذهبية وخاصة داعش، ليست طارئة أو وليدة الربيع البائس، بل هي نتاج ثقافة وسلوك متراكم من مئات السنين، وخبطة معقدة من الثقافة الدينية البدائية والسطحية والسلوك البدوي وعقلية القرية وبنائها الاجتماعي والتربوي، وهي بالتالي حلقة في سلسة الأحزاب العنصرية القومية أو الدينية التي تطمح لبناء دولة ايديولوجية، أساسها العرق العنصري أو الدين المتطرف والمتشدد، وما يتبعه من مذاهب وطوائف، ببناء فكري متعصب أحادي التفكير، لا يقبل الآخر إلا عبداً مطيعاً أو ملحاً مذاباً في بوتقته الفاهية، و الحقيقة ان طبيعة الاحزاب القومية او الدينية ،ما هي الا نسخة طبق الاصل للاحزاب السياسية المخزنية ،سواءا كانت مسيرة من طرف مؤسسات عسكرية او ملكية او مخابراتية، و مما لا شك فيه ان الاحزاب السياسية المخزية ،على علم بما حدث و بما سيحدث ،قبل ظهور او فبركة الاحزاب القومية او الدينية،كما هو الشأن بالنسبة لفبركة اسلام الطالبان ،و اسلام ال سعود و الاسلام الفارسي و اسلام اردوغان و اللائحة طويلة و صولا الى الاسلام الداعشية و لا زالت الانتربلوجية تصنع و تفبرك,,,

وداعا يا وطن
محمد سيف المفتي -

ستاذي العزيز !لم تخلق اغلب مناشدات القوميين وابطال الامة وعلى مر التاريخ دولة مؤسسات حقيقية. استحوذت روح القبيلة في كل الانظمة لتقوض مؤسسات الدولة، وتقتل روح المواطنة ولا تجعل للمواطنين مشتركات الا على النطاق الضيق الذي يطرد المصلحة العامة ويركز على المصالح الخاصة.. ففعلا كما تفضلت وداعا يا وطن .