كتَّاب إيلاف

أبراج شارلي شابلن 

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

أختصر نجم الربيعي محافظ الموصل قصة تفجير الأبراج الكهربائية بفيلم لشارلي شابلن الذي يجلب معه طفلا مهمته تكسير نوافذ البيوت بالحجارة، في الوقت نفسه يحمل شابلن على ظهره الزجاج لكي يجبر أصحاب البيوت تصليحها. فالقصة كما يراها ليست بفعل داعش فقط، وإنما بفعل طرف ثالث له مصلحة مادية. مضافا إليه إفشال حكومة الكاظمي. ويضيف الربيعي عندما يسقط برج كهربائي ليلا تجد في الصباح مقاول بجنبه يقدم لك عروضا مغرية لإصلاحه!
وقصة السرقة، والتفنن بأساليبها، ليست مقتصرة على الأبراج الكهربائية، إنما هي حالة عامة تبدأ من سرقة راتب الموظف البسيط إلى سرقة منابع البترول، مرورا بالبنوك والمنافذ الحدودية إلى تصليح أسنان النواب وبواسيرهم، وموائد الترف العامرة، والأثاث المزخرف بالذهب، والرواتب الكبيرة للرئاسات الثلاثة التي تستنزف ميزانية الدولة.
والقصة لا تنتهي إلى هذا الحد، فهناك "تحت العباءة "كما يقولون مصائب وأسرار وأهوال تحدث في الوزارات والمكاتب الاقتصادية للأحزاب؛ عقود ومساومات وبيع مناصب. وكلها تجري تحت الشرعية الدينية في حق لصوص السياسة والدين بأحقيتهم بالتمتع بمال الدولة. بل إن هناك فتاوي دينية أجازت هذا الحق، حيث يصبح المال العام ملك الحاكم يتصرف به كيفما يشاء.
وهكذا سارع لصوص العملية السياسية الحاكمة في التفنن بابتلاع أموال الشعب، وشفطها، وتوقير الفاسد المحتال، حيث الفاسد يستجوب الفاسد. وتحرق ملفات النهب بفعل فاعل، ويسجن الموظف البسيط، ويبرئ الفاسد الكبير، وتنتهي قصة الفساد ببراءة جميع الفاسدين!
بمقاييس الضرب والقسمة، تحول العراق إلى بنك مركزي، ودولة "مقاولة"، وليس إلى وطن. فقد تم اقتلاع شوارعه ومصانعه ومزارعه وأنهاره ومتاحفه، ليس للتخريب فقط، وإنما لإنشاء مزادات تجارية، وأسواق للخردة. فلا يسلم من اللص السياسي العراقي شارع جميل من الزمن الماضي إلا وحوله إلى أنقاض بهدف إدخاله في قائمة "المقاولات"، ولم تسلم مدن مخربة من تحويلها إلى "خردة". فقد أصبح الجانب الأيمن من الموصل، على سبيل المثال، أرضا خصبة لمزادات تجارة المعادن الخردة بدء من السيارات الملغومة والمحطمة والأسلحة الخربة وانتهاء بصهاريج المياه وإطارات النوافذ وحديد البيوت، حيث تدوير خردة الحرب من قبل المليشيات بمعاونة السياسيين المحليين، وبيعها بأقل من قيمتها السوقية. فبدلا من استغلال هذه المواد لإعادة أعمار المدينة التي بات 91% منها أنقاضا، فقد تم تحويلها من قبل التجار إلى حديد التسليح في الشمال وإيران. وهذا الأمر عرقل مشروع شركة فرنسية لإعادة أعمار 55الف وحدة سكنية من خلال الطباعة ثلاثية الأبعاد والاستفادة من تدوير الأنقاض والخردة.
كذلك لا يتم نهب الخردة من تحت الأنقاض فحسب، بل تم أيضا نهب المنشآت النفطية، مثل مصافي تكرير النفط، حيث لم تسلم مصفاة بيجي من النهب والتخريب، فقد تم تفكيكها وتهريبها إلى البلدان المجاورة.
ومثلما تم بيع العراق سياسيا، فقد تم بالمقابل تحويل العراق إلى "خردة" من الحديد والمزابل والأنقاض والنفايات السياسية القذرة. فما عاد العراق بهيا يوم كان رجاله يصنعون مجده بصدق الولاء، وتضحية الواجب، ونكران الذات "أول من يضحي وآخر من يستفيد". كان الوزير عاملا في الشارع يزرع الزهور والنخيل، كما في صورة سمير الشيخلي، والوزير في مخازن الحبوب والمواد التموينية يمسك "آلة الحاسبة" يجمع حصة المواطن بالعدل، فلا ينام الليل إلا بعد إن يؤمن قوت الشعب بالبطاقة التموينية، كما في صورة محمد الراوي وزير التجارة الأسبق. وكنا نقرأ يوميا مراسيم لإعدام المسؤولين والتجار والفاسدين. فلا أحد من لصوص السلطة والمال يسلم من قصاص الحق.
أما اليوم، فالفساد والنهب، له لون جديد، ورائحة نتنة لا يمكن تحمله من فرط عفوتنه. فالوزير يأتي تحت شرعية الفساد ليصبح وكيلا رسميا ذليلا للأحزاب. عينه على السلطة والوجاهة، والعين الأخرى على عقود الشركات. أما الأحزاب الدينية فأنها "تشفط" العقود "باسم الدين باكونا الحرامية". فهناك متوالية هدم وتخريب مستمرة، ولصوصية ممنهجة هدفها مالي، والآخر سياسي مرتبط بأجندة خارجية لمحو العراق.
بشكل عام، الإرهاب والفساد وجهان لعملة واحدة. والفساد آفة خطيرة، ومعول هدم، يفضي إلى نهاية الدول، وموت المؤسسات، وهو ضد الإصلاح. وقد أصبح الفساد ثقافة راسخة في عقل السياسي العراقي، وجزء من منظومته الأخلاقية. لذلك أصبح العراق بيئة فساد يشبه الأواني المستطرقة، حيث يتوزع الفساد في كل مفاصل الدولة السياسية والإدارية، ومؤسساته وأحزابه. مما أنتج لنا مواليد سياسية تشبه شارلي شابلن في تفننه بكسر زجاج بيوت العباد.
في العراق " الديمقراطي “، لا تجد إلا "الخردة “؛ خردة السياسة، وخردة المزابل والأنقاض. وصراصير سياسية تملأ المطبخ العراقي!

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
صحيح, ولكن
زارا -

نعم ما كتبته عن الفاسدين صحيح, ولكن رجاءا كفاكم كذبا عن عهد صدام. لم يكن عهد صدام حسين خاليا من الفساد ابدا, وما ذكرته عن وزراءه مبالغة. لكن نسبة الفساد فيه كان اقل بكثير مما يحدث الآن, والسبب ان الانظمة الديكتاتورية لا تسمح ببقاء اي منافس لها في الحكم, ولذا تستطيع الالتفات الى بناء الدولة, بينما الانظمة الفوضوية, التي تسمى بالديمقراطية, في الشرق الاوسط, في سبيل الحصول على نفوذ اكثر, تسرق الدولة والناس وكل شيء.ولا تنس, في دفاعك عن النظام السابق, ان اكبر فساده ان العراق كان في حالة حرب مستمرة منذ وصول صدام الى الحكم, وهذا ادى الى هدر مبالغ خرافية من اموال وثروات العراق....اليس هذا فسادا؟! الم يحرق نظام صدام حسين اكثر من مليون نخلة من نحيل الجنوب, بالاضافة الى ملايين الاشجار في كردستان التي تسميها "الشمال"؟! اليس هذا ايضا فسادا يا سيد ياس؟؟؟!!!! وماذا عن مقتل الملايين من مواطنيي العراق في زمن صدام في حروبه المستمرة, مرة ضد حارة واخرى ضد الجارة الثانية؟ انا لن اتكلم عن الملايين التي قتلها وشردها ودفنها حيا من ابناء شعبه, لانه وحسب مفهوم امثالك, فان هؤلاء كانوا "مخربين" و"خونة" !!!! ولكني اتكلم عن الملايين التي تسبب في قتلها في حربه مع ايران والكويت, ثم مع امريكا, وهو الذي بدأ كل هذه الحروب.....اليس هذا فسادا؟!وماذا عن الاموال التي هدرها صدام لتمويل طوائف مختلفة في لبنان وفلسطين ومجاهدي خلق الايرانية, وغيرها وغيرها؟ اليس فسادا؟! وماذا عن قصوره وقصور اولاده وبناته؟!الفرق انه كان هو وزمرته هم الفاسدون فقط, بينما الآن الفسدة كثر.مصيبة ان يأتي "كتاب" و"محللون سياسيون" بهذا المستوى من التحليل للاحداث.....مصيبة ان لا يمتلك العراق الا هذا المستوى من المحللين والكتاب والذين يحللون كل الامور بصورة غبية, كيف يتوقع ان يتخطى العراق ما يمر به الآن؟!