ديمقراطياتنا وتصنيع الآخر!
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
شهدنا في حقبة الجمهوريات الشعبية عملية تصنيع الآخر من الأحزاب التي يتم برمجتها في أقبية أجهزة المخابرات وقيادة الحزب القائد وإطلاقها كأحزاب حليفة أو معارضة إذا اقتضى الأمر في إكمال اكسسوارات الديمقراطية المفصلة على قياسات تلك الأنظمة الشمولية بامتياز، ولا تتجاوز كونها أقراصاً مهدئة أو علاجاً سحرياً يرمم بناءات المجتمع الاقتصادية والسياسية الآيلة للسقوط والموبوءة بأمراض تكلست عبر أزمان ودهور، ومناهج تربوية أكل عليها الزمان وشرب، متغافلين كونها ممارسة وسلوك ومنظومة أخلاقية لا يمكن حصرها بتداول السلطة السياسية فقط وهي بالتالي امتداد لتحضر المجتمعات وتقدمها في كل مضامير الحياة بدءًا من القراءة والكتابة والتحول من البداوة إلى المدنية وصولاً إلى أعلى مراتب التقدم الاجتماعي والاقتصادي في قبول الآخر، هذا القبول الذي يعتبر من أهم مرتكزات الديمقراطية وممارساتها على الصعيدين الاجتماعي والسياسي وهي بذاتها العلة الأكثر تعقيداً وربما السبب الأكثر خطورةً في ضآلة فرص نجاح معظم التجارب السياسية التي مرّت وتمرُّ بها منطقة الشرق الأوسط عموماً والمحيط العربي خاصةً، وهي بالتالي سبباً رئيسياً لنكوص المجتمعات وبطئ تقدمها.
إن مسألة قبول الآخر والتعاطي معه ليس وصفة جاهزة للتنفيذ والأخذ بها بقدر ما هي نتاج نظام تربوي ومعرفي واجتماعي يقوم على أساس النقد البناء الذي ينسجم فيه البناء الفردي والمجتمعي بما يحفظ حقوق الاثنين ومصالحهما وتتوازن فيها مصالح البلاد العليا مع مصالح الفرد المواطن دون ما تمييز في العرق أو الدين أو الرأي، وهي بالتالي معادلة تنسجم فيها واجبات الفرد مع حقوق المجتمع بما يعزز قيام دولة متقدمة ومجتمعات متماسكة، ترتكز على نظام تربوي يبدأ من الأسرة والمدرسة وصولاً إلى الجامعات و مؤسسات المجتمع المدني الأخرى، وفي كل ذلك تحتاج عملية التحديث هذه إلى دور الأم والأب والمعلم والمناهج التربوية والمعرفية الحديثة بدرجة أساسية لوضع أسس صحيحة في تكريس مفاهيم البناء الديمقراطي للمجتمع ومنها بالتأكيد المرتكز الأساسي الأكثر أهمية وهو قبول الآخر.
لقد اعتادت معظم الأنظمة السياسية الحاكمة في هذه المنطقة وغيرها من العالم المولعة بالشموليات والأوحديات أن تبتكر نماذج من الديمقراطية الممسوخة وتمنحها أسماء وأصناف ومواصفات بحسب نماذج تلك الأنظمة وطبيعة سلوكها حيث ابتكرت الكثير من هذه الأنظمة أنواع وأصناف من الديمقراطية للالتفاف حول مفهومها الحقيقي في تداول سلمي للسلطة وقبول الآخر واحترام الرأي المختلف، وهي بالتالي تنتج (آخراً) حسب ما يتوافق مع نظامها لتزين به تجاربها السياسية وأنظمة حكمها الاستبدادية، ولعلنا نتذكر تلك الأحزاب والجمعيات التي صنعتها دوائر المخابرات لتشكل بها جبهات وطنية تدعي قيادتها للدولة كما رأيناه في بغداد ودمشق وأمثالهما في تصنيع ما كان يُسمى بالجبهة الوطنية والتقدمية ومن ثم الالتفاف على عناصرها الأصلية ومحاولة إفراغها وتصنيع (آخر) حسب القياسات والمواصفات المطلوبة من النظام الحاكم وتزيين عمليته السياسية بأحزاب و(آخرٍ) مدجن بموجب ما تقتضيه مصالح النظام والثقافة الأحادية.
وللأسف ورغم التغييرات الحادة التي حصلت في هذه البلدان إلا أن متكلساتها التربوية والاجتماعية والسياسية ما تزال تفعل فعلتها في تشوية عملية التحول إلى النظام الديمقراطي باستخدام أدواته بعقلية شمولية معتمدة هذه المرة النزعات الدينية والمذهبية والعشائرية بشكل مطلق بما يزيد الطين بلة يُراكم فيه هذا الإرث من القيم البالية والتجارب الفاشلة التي كرستها الأنظمة السابقة سياسياً واجتماعياً ونفسياً، بما يعيق أي محاولة لإحداث تغييرات نوعية في بنية المجتمع وتوجهاته وفصل الدين عن الدولة وإعطاء المرأة دورها الأساسي الفاعل في تطوره وانتقاله من ثقافة القرية والبداوة إلى الثقافة المدنية والسلوك الديمقراطي وقبول الآخر الحقيقي.
التعليقات
التاريخ لا يرحم
ماهين شيخاني -مقال أكثر من رائع ,,,جعلني أرجع مباشرة أسلطها على واقعنا المزري التي تعاني منها أحزابنا الكوردية في سوريا , فمثلما تفضلت " للأسف ورغم التغييرات الحادة التي حصلت في هذه البلدان إلا أن متكلساتها التربوية والاجتماعية والسياسية ما تزال تفعل فعلتها في تشوية عملية التحول إلى النظام الديمقراطي باستخدام أدواته بعقلية شمولية معتمدة هذه المرة النزعات الدينية والمذهبية والعشائرية " فالنزعة العشائرية وتلك العقلية الشمولية مسيطرة على الاحزاب بشكل رهيب ...وستكون كارثية , تلعننا الأجيال أن لم نتعظ من تجارب الآخرين ...دمتم ودام يراعكم.
قبول الأخر ..كيف ومن أين يأتى ؟
فول على طول -الذى لا ينطق عن الهوى قال أنتم خير أمه أخرجت للناس ..واليهود والنصارى كفار ومعهم غير المسلمين قاطبة ..يعنى تم استبعاد أكثر من ثلاثة أرباع البشر ...وقال أن الأكراد نفر من الجن حتى لو كنتم من أتباع الدين الأعلى .ونأتى الى تقسيمات داخليه : الروافض والنواصب وما أدراك ما الروافض أو النواصب ..ثم تقسمات : المؤمن العربى أفضل من المؤمن الأعجمى ..وأن قبيلة قريش هى الأفضل ..بل وعائلتى هى الأفضل ..بالطبع أنت تعرف حجم ومكانة الحريم فى الدين الأعلى ..هذه هى الثوابت وهذه تعاليم مقدسه تعلو أى تعاليم ..عن أى قبول للأخر تتحدث ..ومن أين تأتى ؟ كان الله فى عونكم ..وربنا يشفيكم جميعا ..
الديمقراطية الحقيقية إثراء لانسانيتنا
ديالا حسين -كما أوضح الاستاذ الكاتب كفاح محمود التأكيد على أن قبول الآخر ثقافة تكتسب منذ الصغر فمن المهم أن ننشر هذه الثقافة بين الأطفال أولاً صعوداً إلى الفئات العمرية الأخرى, وهنا يأتي دور الأهل والمدارس في زرع هذه الثقافة من خلال التربية المتوازنة ووضع مناهج تعليمية جديدة لإعداد جيل واعٍ, لكي ينمو الإنسان حاملاً في تكوينه الفكري والسلوكي، ثقافة الاختلاف وقبول الآخر فالأمر ليس ثقافة عامة بقدر ما هو ثقافة شخصية تبدأ في البيت .. عاشت يداك استاذنا الكريم
غريبة
كلكامش -مع الاسف مقالة مكررة ولاتصلح للزمن الان و خاصة قراء ايلاف اتمنى من الاستاذ الابتعاد عن الانشائيات المملة ففكرة رفض الاخر عندنا تبدا من الدين فما عليك الا ان تقرا الايات والنصوص والتراث ستراها مكهربة وموبوءة برفض الاخر وبالمناسبة هذه التعاليم هي النشء الاول والاخير للفرد المسلم فكيف تطالبه بعدها بقبول الاخر ودينه يرفضة بشكل قاطع وكافر سيدي قليل من الحكمة لاتضر وكثرة الجمل المزخرفة لايعني ان الموضوع ناضج تحياتي لك