كتَّاب إيلاف

النوم والاسترخاء في بحبوحة (العَود الأبدي)

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

كثيرا ما أصاب النكوص والأسى وأنا أرى بني قومي في سكون دائم وطويل؛ وإذا تحرّكوا قليلا فسيكون تحرّكهم مشي السلحفاة وربما أبطأ في حين ان الأمم الأخرى تسارع بخطى واثقة رصينة في أشواط التقدم والرقيّ ومضمار السباقات العلمية النافعة من اجل إسعاد أهليها بكل ما في وسعها من تحقيق انجازات حداثوية عملاقة وبنفس الوقت تتصدى لتمييع كل ماهو مُعيق غير نافع سواء في البناء التحتي او الفوقي.

أهجس انه عندما يُحبط الانسان ويتراخى عقله ولم يعد يستطيع اللحاق بأشواط التحضّر فما له سوى الإذعان لأي شيء بسيط يتخيله حلاّ وسكينة له فيأنس الركون الى الغيبيات والتخييلات المريضة غير الواقعية ملاذا وهروبا من الكدح العقلي والعَضَلي بسبب عدم قدرته وهوانه، لأن تلك الاستكانة لعوالم الغيب غير الواقعية توفّر الراحة الواهنة المعطلة للعقل طالما ان الفكر الطامح للانجاز مغيّبٌ عنده.

هذا بالضبط ما يجري عندنا نحن معشر العرب؛ حين يلجأ العاجز الى الأساطير والخرافة والوهم بالرغم من اننا في عصر انفجار العلم وامتداده المهول وبالأخص الثورة الرقمية والاتصالات المهولة والتقنيات الالكترونيّة المتفجرة الان؛ فنقع في هوّة الفشل المتعدد الأشكال؛ فشلنا في الابتكار العلمي، فشلنا في التحضّر، فشلنا في فهم واستيعاب وممارسة الحياة الحديثة، فشلنا في تقديم منجز واحد للبشرية في العصر الحديث، فشلنا في تشكيل نظام سياسي ديمقراطي ومدني، فشلنا في المعايشة مع كل شيء متحضر راقٍ يسعد شعوبنا.

فتراكمُ الفشل يؤدي الى نوعين من رد الفعل؛ الأول نكوصي مهزوم يجعلنا ننغلق على أنفسنا ولا نقبل الإفصاح عن علّتنا وأخطائنا، والثاني عنيف يجعلنا نرفض هذا العصر الحضاري الناهض كلّه ونكرهه فنفجّره بوجه من يصنعه ومن يشيّد لبنة علمية للأعمار والرقي.

الناس العاجزون بصفة عامة تتجه إلى الأساطير والخرافة على انها يقين صادق لا يجب زحزحتها من العقل لأنها توفر الراحة لهم وتُغنيهم عن الجدل والعمل والمنافسة والابتكار والإبداع، وفيها يتمددون بجهلهم وينامون مثل المخدّرين وينعمون بسعادة واسترخاء واهن يبعدهم عن التفاصيل الخاصة بالنماء والتطور وعن الحرج في كيفية التدبّر لتحديات كثيرة عليهم انجازها.

يلجأ الناس إلى الأساطير لأنهم ينامون فيها على وسائد مليئة بالأحلام والأماني الكاذبة البعيدة عن الواقع.. فهي الرحم الأول الذي خرجت منه الأديان والفردوس الذي لم يطردوا منه بعدُ.

علم الأديان يُسمي هذا الارتخاء والاسترخاء بتسمية (العَود الأبدي) الذي يجعل من الأسطورة والخرافة بمثابة (البيت المريح) الذي يعود له الإنسان بعد عناء التاريخ وضوضائه وعمله المضني، وهكذا نشأ الصراع بين الأسطورة والتاريخ واختار فقهاء الأديان ومعهم العامة (العَود الأبدي) بينما اختار المبدعون من العلماء والمفكرين والخاصة المتنورة عناء الكفاح والتقدم والمثابرة والعناء المثمر طوال مسيرة حياتهم.

عصر العلم لا يليق بالجهلة والعاجزين والواهنين عقلا وعضَلاً ولهذا هم يختارون الأساطير وأوهام السلف ويقنعون بما جاءوا به بلا تمحيص او غربلة عقلية.

عصر العلم له أهله الذين يبتكرون فيه كل يوم ابتكارات وانجازات جديدة لإسعاد أوطانهم وإراحة البشرية، أما الذي يعجز عن الابتكار فيه فيذهب الى الأسطورة ملاذا لكي يرتاح من (تعقيدات) العلم وتفاصيله التي تحتاج الإلمام العميق بكل العلوم التفصيلية التي صنعت لنا كل هذه المنجزات، ولذلك فالنوم في عسل الخرافة والجمود أمامها أفضل وأريَح مادامت بلا مثابرة او عمل فكري مضنٍ ومتواصل.

طفولة العقل الانساني في مراحلها الاولى وكأنها نبتة زرعت في الماضي السحيق ولا زلنا نقطف منها ثمارها المرّة، بدأت من الأسطورة وهي النتاج العقلي المرافق للخيال الأهوج لا الخيال الإبتكاري في مراحل النمو الأولى للنشاط الذهني ومعظم الشعوب قطعت الحبل السري من رحم الطفولة البشرية باستثنائنا نحن العرب، فما زلنا نستقي من أمومتنا الميتة دما ملوثا ونستشفي ببول الجَمل تماما كما كان يفعل الفُـرْس قبلا حيث كانوا يغسلون وجوههم ببول البقر تبرّكا وطلباً للنجاة والمعافاة.

وتذكرني هذه الممارسات غير السليمة بقول ابي العلاء المعري حين كان يُطيح بأي مسلك سيء وهجين ويبرز سوءاته وخطله من اي مصدرٍ أتى ومن ايّ مبعث ديني تمددَ حتى طال حاضرنا:

عجبتُ لكسرى وأشياعـهِ --- وغسـل الوجـوه ببول البقـرْ

فوا عجبا من مقالاتهم -- أيعمى عن الحـق كل البَـشَــر

وقوله ايضا في موضع آخر:

كذب الظنّ، لا إمام سوى العقل في صبحهِ والمساءِ

فإذا ما أطعْـتهُ جلبَ الرحمةَ عـند المسيـر والإرسـاءِ

إنما هذه المذاهبُ أسبابٌ لجَـذب الدنى الى الرؤسـاءِ

مثل هذا العماء السائد اليوم لايستطيع مسخه سوى العلم الذي يرافق العقل وهو دور ومهام كبيرة وعظيمة لكشف الحقائق اليقينية امام هذا الكم الهائل من الجهالة والجهّال؛ وهنا علينا ان نبدأ من الخطوة الاولى في تعليم الصغار منهجا علميا تجريبياً لتكوين قاعدة عقلية راسخة تبتعد تماما على التخريف والإذعان لما قيل سابقا وكنس الخزعبلات القديمة الاولى تماما من بيت العقل الجديد وتأثيثه مجددا من اجل خلق أجيال جديدة تقوم على عاتقها بمهمة التغيير والتجديد فقد اثبت اننا الان ننفخ في قِربة مخرومة ولا نستطيع مهما علت أصواتنا وأعمالنا ان نزيح قناعات راسخة ولو قيد أنملة الاّ بجرأة فولاذية وعقل شجاع لا يخاف العواقب وما عدا ذلك سنبقى مركونين في الصفوف الأخيرة من الأمم ونعتاش على ما يخلفوه لنا ولا نستطيع ان نخلق أجيالا مختلفة عنا في الرؤى واتساع العقل وإنتاج قاعدة عريضة من النماء والتطور سواء في البناء الفوقي للفكر او البناء التحتي من عمران وصناعة وزراعة وتحقيق التقدم في مجالات العلوم كافة والتكنولوجيا الحداثوية وتقنياتها العولمية.

وليكن شعارنا: "المجد للعقل والطمر للخرافة والأسطورة والأوهام والمتخيل الهادم غير النافع للعقل" فلا يقين الاّ يقين العقل المرشد المدلول بالحواس والظاهر لنا عن طريق التجريب العلمي وما سواه من يقين الجهّال الآتي عبر عصور مضت من متاهات غيبية وتناقلته العامة اقتناعا بلا تحكيم العقل ومأخوذةً به على علاّته وعواهنه الا تعطيل للفكر والانجرار نحو الميتافيريق الضار والخنوع طوعا نحو قناعات قيلت قبلا دون ان تستند الى دلالات عقلية مقنعة.

ومن العيب فعلا ان نرضخ لكل ما يرد الينا ونهضمه في أذهاننا دون ان ننظر ملياً الى انتهاء صلاحيته، فالفكر كما البضاعة المصفوفة على الرفوف لا بد ان تنتهي فترة صلاحيته "الاكسباير" ولابد ان يرمى في النفايات ما دام هناك منتج جديد يسوغ استخدامه واتّضح نفعه عياناً.

jawadghalom@yahoo.com

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لحم الخروف معروف
باسم عبدالكريم فرحان -

احسنت ابا وميض فانت من بقى لنا حكيما لعصرنا اليوم يصعب علينا ان نحصل على امثالك عفتا وانتظاما وطيبتا فالكل يفكر بنفس الا انت نتمنى لك دوام التألق والصحه