كتَّاب إيلاف

يساريّون بلا بوصلة

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

يساريّون بلا بوصلة

هم فعْلا بلا بوصلة مُذْ برزوا للوجود، وحتى هذه الساعة ...
أقصدُ اليساريين التونسيين ...
ولست معنيّا هنا بالشيوعيين الذين ظهروا في عهد الحماية الفرنسية في العشرينات من القرن الماضي، ليكونوا مثل جلّ الأحزاب الشيوعية العربية التي كانت تدين بالولاء المطلق لموسكو فلا تردّ لها طليا ولا أمرا...
تقول لزعمائها اركعوا
أمام ضريح لينين فيركعون وفي عيونهم دموع الحسرة على فقيد الثورة العالمية...
وتأمرهم بالرضوخ لكل قرارتها حتى ولو كانت ضدّ مصالح بلدانهم فيرضخون لها صاغرين...
لكن هؤلاء انقرضوا وما عاد لهم وجود أو تأثير...

اليساريون التونسيون الذين أعنيهم هنا هم أولئك الذين برزوا في المشهد السياسي في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، أي عندما كانت البلاد حديثة العهد بالاستقلال...
جميعهم دَرَسوا في المدارس، وفي المعاهد، وفي الجامعات التي أقيمت في تلك الفترة التي كان فيها الاهتمام بالتعليم يحتلّ المكانة الأولى في برامج ومشاريع الدولة الجديدة لأن بورقيبة أعلن منذ بداية الاستقلال أنه لا يرغب في أن يحكم "شعبا جاهلا". لذا أنشئت في ظرف سنوات قليلة مدارس في جميع أنحاء البلاد بما في ذلك المناطق النائية التي تكاد تكون مقطوعة عن العالم، وأصبح التعليم اجباريا بالنسبة للذكور والاناث. وبحضور د. طه حسين، وكبار شيوخ الجامعة الزيتونية، قام الزعيم بورقيبة بإزالة حجاب عن فتاة مُتفوّقة في دراستها، مُبشّرا بعهد جديد تكون فيه امرأة حرة، ومشاركة للرجل في بناء مجتمع المستقبل...

وكان أبناء الأرياف والمناطق الفقيرة من أكبر المستفيدين من تلك "الثورة التعليمية" التي لم يعرفْ لها مثيلا أيّ بلد من البلدان المستقلة حديثا...
لكن انطلاقا من منتصف الستينات من القرن الماضي، بدأت بوادر التمرد تظهر في صفوف الطلبة. وشيئا فشيئا لم يعد هؤلاء يخشون المجاهرة بعدائهم لنظام بورقيبة، وبإعجابهم بالزعيم الصيني ماوتسي تونغ، وبالثورة الكوبية، وبالثورة الفيتنامية، وبغيرها من الثورات. والبعض منهم أطلق لحيته على طريقة فيدال كاسترو وتشي غيفارا. أما الذين دَرَسُوا منهم في جامعات بلدان الشرق الأوسط مثل سوريا ولبنان ومصر فقد عادوا مفتونين بالفكر القومي الناصري (نسبة إلى الزعيم المصري جمال عبد الناصر) أو البعثي بحسب تعاليم ميشال عفلق...

وعندما اندلعت حرب 67، خرج هؤلاء إلى الشوارع لينددوا ب"تخاذل" النظام البورقيبي في مناصرة القضية العربية، وب "عمالته للإمبريالية العالمية". ولم تلبث المظاهرات الطلابية أن تحولت إلى اعمال عنف وشغب فأحرقت محلات اليهود التجارية في مختلف أحياء العاصمة، وخُرب المركز الثقافي البريطاني، وأيضا المركز الثقافي الأمريكي. وظل سكان العاصمة يشمّون روائح الحرائق على مدى أسابيع...

وكان ذلك أول فقدان للبوصلة بالنسبة لليسار التونسي...
فأولا قفز هذا اليسار عن واقع بلاده التي كانت آنذاك تعيش صعوبات السنوات الأولى من الاستقلال...وكان وضعها الاقتصادي في أسوأ أحواله ليس فقط بسبب اشتراكية أحمد بن صالح العرجاء، وإنما أيضا بسبب الجفاف المُريع الذي استمر قرابة السبع سنوات، مُهددا التونسيين بمجاعة قاتلة...كما أن اليسار نسى أن بورقيبة كان واضحا منذ البداية في موقفه تجاه الصراع العربي-الإسرائيلي. وفي خطابه الشهير الذي ألقاه في أريحا في ربيع عام1965، طالب الأنظمة العربية المجاورة لإسرائيل بالقبول بحل التقسيم الذي أقرته الأمم المتحدة بعد حرب عام1947. كما حذّرها من حرب قد تكون وخيمة عليها وعلى شعوبها، وعلى المنطقة العربية برمتها. إلاّ أن نظام الرئيس جمال عبد الناصر اتهمه بّالخيانة" فشنت عليه وسائل الاعلام الموالية له، وكانت كثيرة في تلك الأيام، هجومات عنيفة.

وتحت تأثيرها قُذف الزعيم التونسي بالطماطم والبيض، ليقوم في النهاية بقطع زيارته الرسمية إلى بقية بلدان الشرق الأوسط. ومُتجاهلا كل هذه الحقائق، أعلن اليسار التونسي العصيان على نظام بورقيبة، وتعامل معه كما لو أنه يمتلك قدرات عسكرية هائلة تخوّل له المشاركة في تلك الحرب التي خرجت منها الأنظمة العربية الداعية لها، مثخونة بجراح هزيمة نكراء ما تزال من تبعاتها إلى حد هذه الساعة.

في مطلع السبعينات، بعد انهيار اشتراكية أحمد بن صالح، صدر عفو رئاسي في شأن من كانوا ضحية أحكام قاسية بلغ أقصاها عشرين سنة أشغالا شاقة عقب انتفاضة صيف67 . إلاّ أن الهدنة لم تدم طويلا. ففي مطلع عام 1972 تجدّدت الاضطرابات داخل الجامعات، وفي ظرف أيام قليلة انتشر لهيبها ليشمل المعاهد الثانوية في العاصمة، وفي العديد من المدن الكبيرة. وكان واضحا منذ البداية أن مختلف التنظيمات اليسارية بجميع توجهاتها، وفروعها، خصوصا منظمة "العامل التونسي" الماركسية -اللينينية التي تأسست في الستينات، تبارك تلك الانتفاضات وتدعمها بقوة.

ومرة أخرى وجد زعماء الحركات اليسارية أنفسهم في السجون بعد أن سُلطت عليهم من جديد أحكام قاسية. وفي هذه المرة أيضا، رفضوا مراجعة تجربتهم، ونقد أطروحاتهم وأفكارهم، بل ازدادوا راديكالية، وتهورا، وانغلاقا على أنفسهم. والأشد تعنتا في راديكاليتهم كانوا في أغلبيتهم من أبناء الأرياف الذين انقذتهم مدارس نظام بورقيبة من الجهل والأمية. وكانت معرفة هؤلاء بفكر ماركس وفلسفته ضئيلة وسطحية إن لم تكن مُنعدمة أصلا. ومن دون أن تكون لهم أدنى دراية بواقع ألبانيا، وبما يعانيه شعبها من مظالم، ومن متاعب في الحصول على قوته اليومي، كان هؤلاء يظهرون اعجابا شديدا باشتراكية أنور خوجه وزوجته نجمية. والحقيقة أن هؤلاء لم تكن تحركهم لا فلسفة ماركس، ولا نظريات لينين، ولا اشتراكية أنور خوجه وزوجته، وإنما النّزعات التي ورثوها عن قبائلهم، وعن أجدادهم. وهي نزعات يغلب عليها العنف والرغبة في الانتقام...وفي هذا الجانب هم يلتقون مع المتطرفين الإسلاميين. وهذا ما يُفسر التحالف الذي سيحدث بينهم في ما بعد...

في الأيام الأخيرة من شهر جانفي1980، قام قوميّون يدعم من نظام معمر القذافي بهجوم مُسلح على ثكنة عسكرية بمدينة قفصة الجنوبية آملين في أن يكون ذلك بداية لثورة عارمة تطيح بنظام بورقيبة. إلاّ أن الجيش التونسي تمكن في ظرف زمني قصير من احباط الهجوم، ومن القبض على مُدبّريه.

وتلك الحادثة الخطيرة دفعت بورقيبة إلى مراجعة سياسته المتشددة حتى ذلك الحين فأمر بإطلاق سراح المساجين السياسيين بمن في ذلك اليساريين والنقابيين بزعامة الحبيب عاشور. وفي حين اختار المعتدلون اليساريون في هذه المرة التخلي عن أفكارهم القديمة لينخرطوا في الحياة العامة بعد أن حصلوا على وظائف، ظل الراديكاليون يراوحون مكانهم، محافظين على مواقفهم، وعلى أفكارهم التي تدعو إلى الإطاحة بالنظام القائم بهدف إقامة نظام اشتراكي بهدي من ماركس ولينين وماتوسي تونغ وأنور خوجه.

وقد ظلوا على هذا المسار حتى بعد أن أزاح بن علي بورقيبة من كرسي السلطة في السابع من شهر نوفمبر1987 . ولأنهم وجدوا أنفسهم بلا قاعدة شعبية خصوصا بعد أن شهدت الأوضاع الاقتصادية تحسنا لم تشهد مثيلا له منذ الاستقلال، فإن اليساريين الراديكاليين توجهوا في هذه المرة إلى السفارات الأجنبية، وإلى المنظمات الحقوقية العالمية بهدف دعم تحركاتهم ضد نظام بن علي. وفي مذكراته، أشار بريمر الذي عيّنته الولايات المتحدة الأمريكية حاكما على العراق بعد سقوط نظام صدام حسين، إلى أنه التقى سيدة من أقطاب اليسار التونسي. وتلك السيدة طلبت منه من دون أن يرفّ لها جفن أن يفعل الأمريكان ما فعلوه في العراق ل"تخليص التونسيين من نظام بن علي البغيض".

ومعنى هذا أن الراديكاليين اليساريين في تونس كانوا مُستعدين للتحالف حتى مع الدول التي يعتبرونها "امبريالية" ، و"رجعية" لإسقاط النظام القائم في بلادهم . وفي سبيل ذلك أيضا، تجاهلوا خلافاتهم العقائدية والأيديولوجية مع الاسلاميين، ومعهم عقدوا حلفا "مقدسا" خلال انعقاد القمة العالمية للمعلومات في تونس في شتاء2005. وللتأكيد على ذلك الحلف، قام الفريقان بإضراب جوع احتجاجا على مظالم نظام بن علي...وقد اعتبرت وسائل الاعلام الأجنبية ذلك الاضراب أهمّ حدث سياسي على هامش القمة المذكورة...

وقد ازداد فقدان البوصلة لدى اليساريين التونسيين بعد انهيار نظام بن علي في الرابع عشر من شهر جانفي 2011 إذ أنهم توهّموا أنهم المفجّرون الحقيقيون لما أصبحوا يسمونها ب"ثورة الكرامة والحرية". لذا اعتقدوا أنهم هم الأجدر بحمايتها من الانحرافات، وبالتمتع بمكتسباتها. ولربط القول بالفعل، طالبوا ببعث مجلس تأسيسي جديد وهم على يقين أنهم سيكونون أول المستفيدين من ثمراته، رافضين مُراجعة الدستور القديم الذي أعدته النخبة التونسية عام1959. كما طالبوا بعفو تشريعي عام تمتع به مُورّطون في جرائم خطيرة ضد الدولة، وضد الأمن العام. ولتجذير "ثورة الكرامة والحرية"، نظموا ثلاث اعتصامات في ساحة الحكومة بالقصبة للمطالبة بمحو كل آثار نظام بن علي، وطرد أعوانه والمناصرين له من مناصبهم.

وقد ساهمت تلك الاعتصامات التي استمرت أسابيع طويلة في نشر الفوضى المدمرة، وفي تحريض العامة على القيام بأعمال التخريب والعنف ، وعلى اشعال الحرائق لا في العاصمة وحدها، بل في جلّ مدن الجمهورية. وكان زعماء اليسار يباركون ذلك لأن ما كان يحدث بدا لهم شبيها بما حدث في "كومونة باريس" في شهر مارس 1871. إلاّ أن الإسلاميين هم الذين استفادوا في النهاية من كل تلك الأعمال ليسيطروا على أغلبية المقاعد في المجلس التأسيسي الجديد. وهو ما خوّل لهم تكوين حكومة جلّ وزرائها والمسؤولين الكبار فيها منهم وإليهم. وتلك كانت فرصتهم الذهبية للتغلغل في كل الوزارات، وفي المؤسسات الحسّاسة، خصوصا وزارة الداخلية، وزارة الخارجية، وزارة الاتصال. ومنتشين بانتصارهم الباهر، راح الإسلاميون يسخرون من اليساريين ناعتينهم ب"جماعة صفر فاصل" لفشلهم الذريع في الانتخابات، وب "أيتام ماركس ولينين".

ولم يكتفوا بذلك، بل حرّضوا عليهم أنصارهم ليدبروا ضدهم العديد من أعمال العنف في أكثر من مرة. مع ذلك ظلت ردود الفعل فعل اليساريين على تهجمات الإسلاميين، وعلى سخريتهم منهم فاترة ومُحتشمة للغاية. وبعد أن اغتيل في ظروف ما توال مشبوهة إلى حد الآن، كل من شكري بلعيد المعروف بتوجّهاته الماركسية في شتاء عام2013، ومحمد البراهمي الذي كان يتزعم تيارا قوميا مناصرا للناصرية في صيف نفس العام، انتظر المهتمون بالشأن التونسي أن تحدث قطيعة نهائية بين اليساريين، والإسلاميين إلاّ أن الأمر اقتصر على تراشق بالكلمات بينهم داخل البرلمان، وفي وسائل الاعلام. ثم لم تلبث أن توطدت العلاقات بينهم من جديد حتى أن أحد اليساريين لم يتردد أمام الكاميرات في أن يعانق بحرارة إسلاميا طالب ذات مرة بقطع أيدي وأرجل "أيتام ماركس ولينين"...


وخلال السنوات الأخيرة، انتبه التونسيون إلى أن "الثورة" التي أطاحت بنظام بن علي، لم تحقق لهم لا الكرامة، ولا الحرية، ولا العدالة الاجتماعية، بل أدخلتهم في نفق معتم لا يرون له نهاية. كما اتضح لهم أن الدستور الذي تَطلّب اعداده ثلاث سنوات بالتمام والكمال، والذي اعتبره الإسلاميون "أحسن دستور في العالم" هو في الحقيقة دستور أخرق، مليء بالثقوب، بسببه أصيبت أجهزة الدولة ومؤسساتها بالشلل والجمود. يكفي بند من بنود هذا الدستور ليعرقل تكوين حكومة لأسابيع أو لأشهر عدة يظل خلالها التونسيون في حالة ترقب مُريعة. أما البرلمان فقد حوّله النواب إلى حلبة لصراعاتهم اليومية، فيها يتبادلون اللكمات والشتائم والاتهامات وهم غير مبالين لا بمصير البلاد، ولا بمصير العباد. ومع تفاقم الأزمة الاقتصادية، واشتعال الأسعار، واستفحال الفساد والمحسوبية، وانخرام الأمن، وتكاثر الجرائم وانحلال الأخلاق، وظهور شبح افلاس الخزينة العامة، وتمزق النسيج الاجتماعي، وارتفاع عدد المهاجرين السريين، وغياب الشفافية والنزاهة لدى العديد من المسؤولين الكبار في أجهزة الدولة، ولدى نواب برلمانيين من احزاب مختلفة، شعر التونسيون أن "ثورة الحرية والكرامة" كانت في الحقيقة فخّا نُصب لإفساد حياتهم، واركاع بلادهم لتعود إلى الوراء، فاقدة كل أجهزة المناعة التي اكتسبتها خلال فترتي حكم بورقيبة وبن علي.
لذا فقدوا ثقتهم في كل الأحزاب التي ظهرت بعد سقوط نظام بن علي، مُحملين الإسلاميين بالدرجة الأولى مسؤولية الأوضاع المأساوية التي أصبحوا يتخبطون فيها بحيث لا يدرون كيف يعيشون يومهم، أو غدهم. لذلك تقلصت الشعبية التي كانت يتمتع بها الإسلاميون قبل عشر سنوات، وفقدوا مصداقيتهم، ولم يعودوا "أبناء الله" مثلما كانوا في البداية، بل "أبناء الشيطان". مع ذلك هبّ اليساريون مرة أخرى لنجدتهم، وتبييض صفحاتهم السوداء، مُستعملين مختلف الطرق والوسائل زاعمين أن الديمقراطية التي يطمح إليها التونسيون لا يمكن أن تتحقق من دونهم، وأن السلم الاجتماعي لن يتوفر إلاّ بتشريكهم في الحكم. ولا يدري هؤلاء السذّج أنهم وحلفاؤهم باتوا مرفوضين من قبل نسبة عالية من التونسيين الذين ضاقوا ذرعا بكلمات أفرغت من محتواها مثل "الديمقراطية، و"الحرية"، و"السلم الاجتماعي" وغيرها لأن ما يهمهم الآن هو البقاء على قيد الحياة بعد أن عمّ الخراب بلادا أصبحت تتسول الغذاء والدواء ...
والذي فقد البوصلة في البداية، لا يمكن أن يَسْتعيدَ الصواب في النهاية.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف