هاشتاك الناس
سراب العظمة
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
الدول دورات متتالية ومتشابهة في تطورها، ترتفع عظمتها إلى الأعلى، وتنحدر إلى الأسفل؛ عصر مظلم يتبعه عصر ذهبي ثم عودة للبداية. هي كأدوار الليل والنهار، والفصول الأربعة. ما تلبث أن تتوهج لزمن معين، وتنطفئ في زمن آخر. تبدأ صغيرة، ثم تكبر وتشبّ، ثم تأخذ في الهرم، ثم السقوط والانحلال والكسوف.
هكذا فلسف الأقدمون تطور تاريخ الدول، فهناك حلقات متشابهة، تسير في صيرورة وديمومة دائرية يخضع لها البشر والدول والحضارات. فكان ابن خلدون وتوينبي وفيكو وشبينغلر وباريتو وغيرهم، قد جعلوا من التاريخ يسير بشكل دائري أو شبيه بدورة الحياة، بأفكار مختلفة تتطابق مع عصرهم وتجاربهم. الكل معجبون بدوران القمر وهلاله وبدره وخسوفه.
الأدباء، انتقلت لهم عدوى دائرة الوجود الدائري والفناء، حيث أثار شكل القمر الدائري خيالهم في وقت الظلمة، فكانت لهم إبداعاتهم ضمن رؤية الفلاسفة. فقرأنا أدب "نهاية العالم" بأشكاله المختلفة، وصوره المرعبة؛ روايات تكتب عن حضارات تنهار ثم تتراكم ببطء مرة أخرى، ولتنهار مرة أخرى، وهلّم جرّا. يكتبون عن الماضي وانهياراته ثم يكتشفون انه كان وقتاً للمستقبل. يصورّون لنا بلادة الحاكم في الماضي لتدمير دولته بأمراض داء العظمة، ويتنبؤون في نهاية الحاضر بالحروب النووية المدمرة.
قامت إمبراطوريات كبيرة على مبدأ قانون الحركة والتعاقب، لكنها لزمن محدد افل حضورها، مفسحة المجال لبروز إمبراطوريات جديدة، في دورات تاريخية متعاقبة. والتاريخ يخبرنا بأن معظم هذه الإمبراطوريات سادها منطق النرجسية والعظمة في أثبات وجودها، ونظرتها السرمدية التي تجعل وجودها أبدياً. و"لو دامت لغيرك ما وصلت اليك".
صرنا اليوم نتحدث عن "التنبؤ" بالمصير الذي ستواجه الدول الكبرى، وتحديد من منها هو الصاعد مستقبلاً، ومنها من هو الذي سيتراجع. بعد أن شهدنا نهاية النازية، وانهيار الاتحاد السوفيتي، والتلكؤ الياباني، ثم التشقق في جدران الاتحاد الأوربي. بمعنى الحديث عن الهيمنة الغربية، وتشكيل النظام الدولي الجديد.
هناك اضطراب دولي متعدد الوجوه؛ اضطراب في المنظومة الدولية، اضطراب اقتصادي وجيوسياسي، وتكنولوجي ومعلوماتي، وديمقراطي. وانقلاب كلي في النظام الدولي، وتوتر دولي ملغوم بالنزاعات والأزمات، وحروب خطيرة تهدد العالم بالصواريخ النووية كما في الحرب الروسية الأوكرانية التي أنعشت العودة إلى السؤال الكبير: هل تنتهي الهيمنة الغربية على العالم؟ أم أن الولايات المتحدة الأمريكية لها قابلية إعادة ترتيب أوضاعها والخروج منتصرة من أزماتها الداخلية والخارجية؟
للتذكير فقط، فقد كانت الهيمنة الغربية واضحة وفاعلة منذ القرن الثامن عشر لمدة 300عام؛ قيادة فرنسا لعصر التنوير والثقافة، وبريطانيا لقيادة الثورة الصناعية، وأمريكا لقيادة القوة التكنولوجية والحروب. وهذا الإرث الثقافي والصناعي والتكنولوجي لا يمكن أن يمحو من خارطة العالم بسنوات.
لا شك أن هذه الهيمنة بدأت تضعف بسبب الأخطاء الكبيرة التي اقترفتها الدول الغربية، وبالذات الولايات المتحدة الأمريكية في التعامل مع الأزمات الدولية بمرض نرجسية التفوق، وعنجهية المحارب المنتصر، وبعقلية الأمس الاستعماري.
لقد تبدلت الدنيا والأحوال، صرنا نتحدث عن دول ناشئة وصاعدة، مثل الهند والصين وروسيا والبرازيل استلمت قاطرة الاقتصاد العالمي، لتشكل هذه الدول الأربعة 15% من اقتصادات الدول الست الكبار. نتحدث عن روسيا جديدة تتطلع إلى عودة الروح للاتحاد السوفيتي السابق. نتحدث عن قوة الاقتصاد لتقوية الدولة، وليس عن قوة السلاح التدميري الذي يفني الجميع من على الكرة الأرضية.
نعم، أخطأ قادة أمريكا في السنوات الأخيرة في التعامل مع الأزمات الدولية بروح المغرور المريض المتكبر الذي لا يرى إلا نفسه، ولا يقبل النقاش ولا الراي، والنظر للدول من برج عال؛ ترامب وجنون داء العظمة، كلنتون وحقده على الصين، بوش وحروبه المريضة بالأحقاد، خاصة حرب العراق، أزمة أوباما المالية العالمية وسياسة التسيير الكمي، وسياسة بايدن في تأزيم الأزمات مع روسيا والصين. بالمختصر أنتهى الإلهام السياسي في عقل القادة الأمريكان!
بالمقابل، يستمر قادة الدول الصاعدة بابتكار أنماط جديدة للقيادة، ورؤية سياسية جديدة للعالم، وخيال خصب في تحقيق التنمية، وفلسفة فاعلة لإدارة السياسة والحياة. وبخط متوازي، يَنشط إدراكهم بأهمية ترسيخ "الثقافة الوطنية" لتقوية الولاء الوطني، ومحو “الثقافة الغربية" التي غرستها الهيمنة الغربية في الماضي.
انتشلت الصين 700 مليون شخص من براثن الفقر، بينما غرقت شعوب الدول الغربية بأزمات اقتصادية واجتماعية، حيث يعمل اقتصاد السوق على زيادة عدم المساواة في الدخل بمعدل غير مسبوق، وتضعف الطبقة الوسطى اقتصادياً وسياسيا، ويقل دورها في الحياة. هناك شعور ثابت لهذه الشعوب بأن مصيرها لم يعد بأيديها؛ قلق يتصاعد من المستقبل، وأمل يضعف من النظام السياسي.
لذلك ثار البريطاني على نظامه بدعوته للخروج من الاتحاد الأوربي من أجل إعادة حياته من جديد، بعد أن جعل الاتحاد حياتهم أسوأ بنمطيته وتبعيته وتقاليده القديمة. وتمرد الأمريكي على نظامه بفوضى الشارع والانقسامات السياسية الحادة. وعاش الألماني قلقاً من نقص الغاز، وكابوس التضخم، ودوامة الأسعار، وتباطء التعافي في سوق العمل. فالكل "يركب قطار يسير بسرعة جونية من دون سائق" حسب تعبير الروائي الفرنسي إميل زولا.
عاد العالم يسأل مرة أخرى بعد صدمة الحرب الروسية الأوكرانية، والتبعية الأوربية للولايات المتحدة: وماذا بعد؟
هناك فجوة واضحة بين الحضارة الأمريكية والحضارة الأوروبية. على الرغم من أن الولايات المتحدة وأوروبا متحالفتان بشدة، إلا أن خلافاتهم كانت موجودة دائمًا. ولكن مشكلة أوربا الجوهرية؛ هو وجود الناتو، وعدم وجود جيش أوربي مستقل. مما يجعلها منقوصة الاستقلال، وتحت سيطرة الأوامر السياسية للولايات المتحدة. وقد قالها الرئيس الفرنسي ماكرون بالفم المليان: الولايات المتحدة حليف، وحليف طويل الأمد لنا، لكنه في نفس الوقت حليف يقوم باختطافنا لفترة طويلة.
وبالحسابات السياسية البسيطة، فأن الولايات المتحدة بحاجة إلى مواجهة مع روسيا وأوربا، ولكن ليس من مصلحة أوربا حرب روسيا، وإخراجها من اوربا لأنه سيكون خطأ استراتيجيا كبيرا بعيد المدى، مثلما هو خطأ قاتل في الجيوسياسية. ومثل هذا السلوك من شانه خلق أزمات اقتصادية قاتلة لأوربا، وتثوير لأزماتها ومشكلاتها، وتفتيت لقوتها الداخلية والخارجية.
أوربا تحتاج إلى شجاعة سياسية، وخيال سياسي جديد، وسيادة في الدفاع والاقتصاد والتكنولوجيا والحدود والمال والعملة من اجل تحديث نظامها السياسي المشلول بالتبعية العمياء.
من الآخر، وبمنطق الهيمنة؛ العالم كله يحتاج إلى "توان القوى" و"الأمن الجماعي"، لأن تاريخ الزمان يعلمنا درساً بليغاً، وهو انه لا توجد إمبراطورية يمكنها أن تحكم العالم إلى الأبد. ولا قوة عظمى تدوم للأبد. كل الإمبراطوريات تسقط في النهاية. والتاريخ معلم كبير.
yaaas@hotmail.com
التعليقات
مقال مخيب للأمال
فول على طول -مقال الدكتور يشبه تماما مقالات الحنجوريين وملئ بالعبارات الا معنى لها مثل : نرجسية الأمم ..الغطرسه الأمريكيه ...الهيمنه الغربيه ..القطب الواحد .توازن القوى ..حقد كلينتون على الصين ..حقد بوش على العراق الخ الخ .. وكلها كلمات خاليه من أى مضمون . سيدنا الدكتور : سقوط الغرب وأمريكا تحديدا هى أمنيه كل كسول وخاصة من أتباع الدين الأعلى ..الغرب بفعل اجتهاده وعمله وتفكير علمائه وجد نفسه فى المقدمه اقتصاديا وثقافيا وعلميا ..ولم يفرض نفسه على أحد بالكذب ..لم يعتمد على الفتاوى أو التداوى بالبول ولذلك تقدم صحيا ..ولم يقول ان ربكم يرزق من يشاء بل اجتهد وعمل وذلك تقدم اقتصاديا ..واشتغل على المعامل وعلى التفكير ولم يركن الى الكتاب الذى لم يحرف والذى يؤكد على أن النجوم رجوم للشياطين ولذلك تقدم علميا
تابع ما قبله - مقال مخيب للأمال
فول على طول -وانهارت النازيه لأنها نظام عنصرى ولكن بقيت المانيا قويه اقتصاديا وعلميا وثقافيا ..الذين أمنوا يرضعون عنصريه مقدسه حتى تاريخه ولا يدرون ...وانهيار الاتحاد السوفيتى لأنه اتحاد بالاكراه وقبضه حديديه فى زمن الحريات ولكن بقيت روسيا قويه ..والصين وروسيا والهند والبرازيل تقدموا ونهضوا لأن العرب هو الذى ساعدهم على ذلك وليس العكس .
تابع ما قبله - مقال مخيب للأمال
فول على طول -وكلينتون هو الذى أدخل الصين للسوق المشتركه ان كنت لا تدرى ..ولا أعرف كيف يحقد بوش على العراق ؟ يعنى ما الذى يمثله العراق عالميا مثلا أو ما وزن العراق حتى تجعل الأخرين يحقدون عليها ؟ ربما يبدو ترمب متغطرس ولكن ما الذى يضيرك فى ذلك ؟ هكذا شخصيته ..ما الذى يزعجك ؟ وكل التحيه والتقدير للناتو ولأمريكا الذين وقفوا فى وجه الدب الروسي المتهور والغبى والذى أثبت أنه أغبى زعيم حاليا .
تابع ما قبله - مقال مخيب للأمال
فول على طول -والويل كل الويل للعالم لو تولت الصين قيادة العالم ..الصين التى لا تعرف قيمة الفرد وتدهس مواطنيها ومثال صارخ للديكتاتوريه ..وها هو رئيسها المجنون رسخ حكمه طوال حياته واعتقل كل معارضيه واتهمهم بالفساد مثل أى ديكتاتور فى العالم ..حتى رئيس الصين السابق أخرجوه من القاعه بصوره مهينه أمام العالم كله ..ربما الدكتور لا يعرف ذلك وهذا مصيببه أما المصيبه الأكبر لو كان يعرف ويكتب هذا الكلام البائس .
تابع ما قبله - مقال مخيب للأمال
فول على طول -خرجت بريطانيا من الاتحاد بسبب سياسة الهجره التى أغرقت اوربا بالارهابيين والحفاه والمتسكعين وهذا للعلم وهذا حقهم وكل التحيه لهم . امريكا غير منقسمه ولا تعرف نتائج ال 99 بالمائه فى الانتخابات بل دائما نتائج متقاربه وهذا ما لا تعرفه فى بلادكم وتعتبره انقسام . والتضخم حاليا يسود العالم كله وخاصة بعد كورونا والغزو الروسي لأومرانيا وكلها عوامل مؤقته وسوف تزول . واذا كانت اوربا تابعه لامريكا فهذا ليس عيب بل المفروض أن يكون هناك كبير وقائد لأى تحالف مع العلم أن قرارات الناتو يجب أن تكون بالاجماع
تابع ما قبله - مقال مخيب للأمال
فول على طول -ويقول الدكتور : وبالحسابات السياسية البسيطة، فأن الولايات المتحدة بحاجة إلى مواجهة مع روسيا وأوربا،.انتهى الاقتباس . وهذا أغرب ما جاء بامقال ..كفى تخاريف سيدى الدكتور . وختاما سوف أطمئنك أن الهيمنه الغربيه باقيه على الأقل حتى خمسين سنه قادمه وساعتها لن تكون أنت - ولا أنا - موجودين . اطمئن سيدى الدكتور وأرجوك أن لا تنقل كلاما من عامة الناس وتلقيه علينا هنا فى ايلاف .