فضاء الرأي

مفردة الذيول غير لائقة

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

كثيرة هي المصطلحات والمفردات المقزِّزة التي ظهرت بعد عام 2003 بسبب الأوضاع السياسية التي عصفت بالبلد، وأدَّت إلى توتّرات وأحقاد وكراهية بين الناس. هذه المفردات يردِّدها غالبية الناس بلا وعي وبلا معنى ولا فائدة، مثل: ذيول، أولاد الزنا، أبناء المتعة، أبناء السفارات، قطيع، زبوك، الذباب الإلكتروني، وغيرها عشرات الألفاظ التي لا تليق بالإنسان كإنسان، ناهيك عن الألفاظ التي تخصّ الطعن بالعرض والشرف، وهي الأكثر رواجًا في سوق الألفاظ البذيئة.

أعتقد أن هذه من مخلفات التراجع الأخلاقي للمجتمع، وممّا ساعد على انتشار هذه المفردات هي وسائل التواصل الاجتماعي، لكن السبب الرئيس لانتشار هذه المفردات دائمًا هو أن الجهلاء من الناس وأصحاب الثقافة المنخفضة أصبح لهم رأي ومكانة في مواقع التواصل الاجتماعي، ولهم الحرية بنشر ما يشتهون، وممكن إيصال آرائهم التافهة إلى أبعد مكان.

هذه المفردات قتلت روح النقد، وقتلت الشفافية في الطرح والحوار، وأماتت القيم الثقافية عند الناس. فبمجرّد أن يطرح أحدهم رأيًا مخالفًا لجهة سياسية، تنهال عليه هذه المفردات كالمطر، إضافة إلى التهديدات والوعيد والانتقام، حتى أصبح المثقف يحبس أنفاسه ويتجنّب طرح وجهات النظر السديدة التي تحتاجها عقول الناس.

هنا أتساءل: هل أن الصراخ والسباب في لحظات الصراع يحسم الواقعة؟ وهل أن الألفاظ غير اللائقة ممكن أن تحقق نتائج مرجوة؟ بالتأكيد لا. القوي لا يحتاج إبراز عضلاته بلسانه، فهذا ديدن الضعيف، والإنسان الواثق من نفسه لا يحتاج أن يعيب الآخرين لإظهار نزاهته.

بالرغم من ذلك، علينا أن ندرس هذه الظاهرة بتمعّن لأنها لا يمكن أن تكون ظاهرة عابرة، وقد تتطوّر إلى مستويات لا تُحمد عقباها. فهي، قبل كل شيء، مشاغلة للعقول وطمس للقيم وللآداب العامة، وهي نذير شؤم لمستقبل هذا الجيل، وهي بالتأكيد إشارة إلى الانحلال الأخلاقي نحو منزلق خطير قد يطيح بالمجتمع.

المشكلة أن هذه الظاهرة خرجت من ساحة الجهلاء والمتخلّفين لتدخل ساحة العقلاء والمثقفين، وحتى وصلت إلى ساحة القادة والسياسيين والإعلاميين. شخصيًّا، أنا حاولت أن أتحرّى عن ظاهرة الألفاظ البذيئة في النقد والسباب والشتائم التي لم تكن موجودة نهائيًّا في عصور الاضطهاد التي عاشتها الأجيال السابقة قبل عام 2003، فوجدت بأن ظهورها جاء مع ظهور التعصّب الديني والطائفي. وحاولت أن أتعرّف على متداولي هذه المفردات، فوجدتها فقط عند طبقات الشباب والجهلاء والمتعصّبين دينيًّا ومذهبيًّا وعرقيًّا، سمة الجيل الجديد.

وربما منطقتنا تتصدّر القائمة العالمية بالشتائم، لأن عندنا أنواعًا من الشتائم والألفاظ السيئة ممكن أن تُجمع فيها مؤلفات تفوق بعدد صفحاتها مؤلفات المصطلحات العلمية أو الأدبية. بعض الناس أصبحت ألسنتهم لا تقوى على لفظ المفردات المؤدّبة لأن ألسنتهم تعوّدت كل شيء سيّئ.

خوَفي أن يتم تصنيفنا كأسوأ مجتمع استخدامًا للألفاظ السيئة، ونحن ندّعي بأننا أمة الأخلاق. الغريب أن تجتمع التصنيفات السيئة كلّها في مجتمعاتنا ونحن نعتقد بأننا الأقرب إلى الله. عجيب حين تنتقد إنسانًا فعل سوءًا فيتعمد إلى فعل الأسوأ، وكأنك تطلب منه المزيد. قديمًا يُقال: الإناء ينضح بما فيه، لكن الآن نقول: الإناء ينضح أكثر ممّا فيه.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف