هنا مختار مما نشر في موقع "إيلاف" السابق، عن التجربة الشعرية / الحياتية لشاعر بلا قصيدة اسمه في سجل الذاكرة العراقية: جان دمو. مختار، لأنه، من وجهة تقنية، غير ممكن نشر كل ما نشرناه سابقا عن هذا البوهيمي الذي لو كان حيالاحتقر كل الذين يريدون الاتجار ببوهيميته. يمنع منعا باتا إعادة نشر أية مادة منشورة هنا دون استئذان، لا لأن الحقوق محفوظة فحسب بل لأن هذا المتماهي(وهنا تكمن شرارة أن تكون شاعرا؛ أنتمتحنك تجربة إنسانية مرّة؛ تجربة قد تفجر فكاهة سوداء لكن بالتأكيد ليستمضحكة كما يريد ان يتصورها البعض عند الحديث عن دمو) في الشعر كان بريئا في علاقته مع البشر؛ مؤمنا أن أخلاقا شعرية ستدافع عنه، عن تجربته التي كانت تكره الحنين المائع لسنوات أية قيمة لها في الضياع العام للعراق؛ عن حق "تراثه" في أن يكون في أيد أمينةيكون لها دور فيمستقبل يخرج من رحم الأوضاع الراهنة بموقف واضح منها،وليس من البكائيات والتأرجح وإزدواجية الكلام التي باتت علامة سيئة لكثير من العراقيين... عاش دمو رحلة العراق الدموية بطريقته الخاصة دون أن يسمح لكل ما قام به من عبثيات يومية وأشعار غير معترف بها، أن يتحول مجيئه إلى العالم مراة ليسقط على سطحها أي كان استيهاماته لماض غير موجود؟ كان جان دمو عابرأ فينا، ومن هنا ننحني له.

التواريخ المرفقة مع كل مادة هي تواريخ نشرها في موقع إيلاف القديم (ع. ج.)

إذن مات جان دمو وحيدا مثلما تموت الفيلة الصغار وحيدة
الجمعة 09 مايو 2003 13:35
عبدالقادر الجنابي


هكذا مات جان دمو وحيدا، في غرفة في استراليا بسكتة قلبية... هكذا تكون نهاية عالم حلمي متفرد. نعم الفيلة الصغار تموت لوحدها. لكنه خبر مؤلم: إذ في وقت يخرج فيه العراق الى الضوء بعد ان عاش في ظلمات حقيقية، يموت هذا الهامش الجميل الوحيد الذي يذكرنا بأن العراق كان له حلم شعري كبير، إنساني عميق، قبل ان يسطو عليه برابرة الظلام العروبي. نعم جان دمو هو عين البراءة العراقية التي تمزقت بسبب إديولوجيات الموت التي لم تسمح للعراقي بأن يعبر عن نفسه كائنا له أشعاره، أعماله الموعودة، مساهماته الثقافية... وانما أبقته مهمشا هنا وهناك وكأنه مجرد واحد بين آخرين اعتلوا كل المنصات. لكن هذا امر، له مكان آخر للخوض فيه. الآن القارئ يريد أن يعرف من هو جان دمّو الذي يصعق خبر موته كل الشعراء والأدباء العراقيين. يقال ان جان دمو المولود منتصف اربعينات القرن الماضي، في مدينة كركوك، كان تلميذا في متوسطة كركوك، ذكيا في مادة الرياضيات، لم يمر في خلده بأنه سيكت شعرا. كانت عائلته الفقيرة، كبقية عوائل شعراء جيل الستينات المنبوذين، تبني آمالا عليه ليعيلها في المستقبل. كل شيء كان يسري وفقا للعرف الاجتماعي حتى التقى بالشعر الاوروبي الذي وجده مختلفا عن جل الشعر العربي.. أخذ يقرأ ويُصعق في آن... حتى اخترقته القصيدة الى حد التلعثم؛ الشلل الذي كان يرائي به جان دمو حتى اخر لحظة من حياته: احتقاره لممتهني الشعر. فها هو عنصر هائم بين "جماعة كركوك"، يستهزئ بكل قصيدة تقرأ أمامه، واعدا الجميع بأنه سيكتب القصيدة الكبرى. شاعرية دمو حقيقية، مظهرُه، قرفه من الشعراء المُعتبَرين الذين سرعان ما تنهار ثقتهم بأشعارهم ما إن يحضر... تشردُه وقصائده الصغيرة والجد غريبة كهذه التي نشرها في منتصف الستينات في مجلة "العاملون في النفط" مقابل ثلاثة دنانير، عنوانها سطر طويل: "الجندي الذي سافر في القطار ونسي أن يقول للبروفيسور نعم"، والقصيدة مجرد رقم: "3".

أي مشهد هذا عندما يقرأ عبدالوهاب البياتي، مثلا، قصيدة (أي قصيدة) تجعل دمّو ينطرح على الأرض ضاحكا ومرددا: "بابا أنت تضحكنيّ" كل هذا التصرف البذيء المنطوي على استهتار بهيبة شعراء يسطلون رؤوسهم ليل نهار من أجل "قصيدة" تغذي عند الآخرين رجاء وهميا، كان جزء من الأوكسجين الذي تنفسته الشعرية العراقية الجديدة في فترة ليبرالية قصيرة عرفها العراق مابين 1964 و1968. ذلك أنه "لاينبغي للشاعر أن يعجز الأذهان بحقنها بثقة غير محدودة في أب أو قائد يصبح كل نقد يوجه إليه تدنيسا، بل بالعكس، عليه هو أن يتكلم الكلام المدنّس دوما والسباب المستمر"، كما وضح بعمق الشاعر السوريالي بنجاما بيريه.

كتب رياض قاسم مرة في اوائل 1993 في جريدة "الجمهورية" كلمة تحت عنوان "مساحة جان دمو" جاء فيها: "هنالك أسماء في حياتنا الثقافية موجودة تجدها في كل حلقة دراسية أو ندوة يدعوا إليها... شعراء أو قصاصون أو نقاد... ما هو مستوى ابداعهم ... أضاع تكرار أسمائهم على الكثيرين من طرح هذا السؤال فهم موجودون فما الضير في ذلك لا يضرون ولا ينفعون... ولكن حين يجيء أسم أحدهم أمام جان دمو فإنه يطلق ضحكة مدوية .. ماذا تقول... يسألنا: شاعر... هذا شاعر ويضحك ويضحك لدرجة أننا نرى أسم هذا الشخص يطير ويتلاشى ولايعود الأمر يحتاج إلى أي تساؤل حول مستواه وقدراته فلقد اطلق جان حكمه وما كان في ذهنك غير ثابت أو محسوم قد حُسم خلال هذه الدقائق وكأن بناء متهدما ينتظر من يدخله لينهار تأتي ضحكة جان لتفعل ذلك... من هنا فإن جان دمو أكثر نفعا من الذين يسهبون ويفصلون ولا يقولون شيئا... فهو لا يقول إلا القليل ولكنه يقول الكثير في هذا".

عاش جان دمو في بيروت، عندما كانت ملجأ الهاربين من النظام البعثي الى الحرية، في أوائل السبعينات وطرد منها بعد سنتين من التسكع على قارعة المجتمع، أشبه ببطل رواية كنوت هامسن "الجوع". أعطاه يوسف الخال قصائد ليترجمها لكنه فقد القصائد والدفتر الذي يمتلكه.
رواد مقهى "الأنكل سام" و"ميلك بار" الجامعة الامريكية، كذلك بعض زبائن "روز اند كراون" (الوردة والتاج) كانوا يعرفونه، كانت دورته اليومية تبدأ في "الأنكل سام" مرورا بشارعي "جان دارك و"بالاس" ثم لتعود منتهية في بيت أحد أصدقائه الكثيرين إذ لم يكن لدمو مكان يبيت فيه، (وهنا اعتمد على فاضل عباس هادي الذي كان معه في بيروت).

ذات مرة التجأ إلى النوم على سطح احدى البنايات وبالتالي كان مضطرا الى الهبوط في الفجر قبل ان يستفيق البواب. وإذا سألته الى متى؟ يجيبك بكل براءة وعفوية عديمة الاصرار: سأكتب رواية هائلة!

أما في بغداد فكانت المتاعب في شتى الأنواع، اطرفها هي ان جان دمو في اواخر الستينات كان يضطر الى التخفي في النهار، عند هذا أو ذاك هروبا من تأدية الخدمة العسكرية. على ان العسكر القوا القبض عليه في النهاية ووضعوه في السجن لبضعة أيام. فما كان منه إلا أن نادى، ذات ليلة، على الحارس وقال له "هل لنا أن نستنشق رائحة البحر، وفي الليل نسامر نجوم السماء"، رمقه الحارس بنظرة اندهاش، ثم مضى بعيدا عن الكوة الضيقة التي كان يقبع خلفها جان دمو والاحلام تسامره ضد عالم اصبحت فيه الأحلام نقيصة كبرى.
لم يكتب جان دمو قصائد كثيرة. وكل ما نشره لا يعدو عن شظايا من عمل شعري كبير لم ينجزه. من أعماله التي لم تكتب: "ثاني أوكسيد البيجاما"، "مصطلحات الماء" و"حذاء في الجبهة" وهي رواية مضادة لقوانين تجريم الأفواه الباصقة على موائد الحرب.
نشر دمو الكثير من الترجمات الشعرية والقصصية والنقدية في عدد من من المجلات والجرائد العراقية، من بينها ترجمة لقصائد تيد هيوز نشرت في أحد أعداد "الأديب المعاصر"، ودراسة طويلة في مجلة "الأقلام" كتبها صديقي الرسام السوريالي البريطاني كونروي مادوكس عن "سلفادور دالي". له أيضا أراء تختلط فيها الحكمة بالفكاهة السوداء، عن أي موضوع تسأله. وغالبا ما يأتي الجواب في لحظة انشراد شعري يذكر باجوبة السائرين في نومهم. مثلا، عندما كان يشغل منصب المسؤل عن ارشيف جريدة "الجمهورية" طلب منه مدير التحرير، في أوج الحرب العراقية – الايرانية، أن يأتيه بصور الحرب، فأجابه جان مندهشا: أي حرب!

لكن لدمو آراء تنطوي على ثقافة جدية: هاك مقطعا من رسالة بعث بها من بيروت إلي لكي أنشرها في مجلتي "الرغبة الإباحية" يقول فيها: "القصيدة هي شكل المعاناة العفوية في لحظة من لحظات الاتفاق مع الذات والكون. هي عرس العقل كما يقول فاليري، وهي عرس تهشيم العقل كما يقول بروتون. إنها العلو الساخن المبتهج كما يقول رينيه شار. وهي صرخة الكائن المهموم ضمن كون اخرس وعابث. لربما هي اتحاد المألوف مع الغامض؛ نافذة للشكل في استقصاءاتها الفريدة وفي عذاباتها المتوترة"
عندما كان دمو في بيروت، تعرف الى صديق لبناني مأخوذ بشاعريته، فكان هذا الصديق يدفع وجبة طعام مقابل عدد من القصائد. ويبدو ان الأمر دام لعدة أشهر ما استطاع الصديق اللبناني جمع الكثير من القصائد، بعث بعضها الي، فقمت بنشرها في "الرغبة الإباحية" (نيسان 1974) مع تعريفه للقصيدة المذكور أعلاه. لكن هذا الصديق اللبناني اختفى كليا واختفت معه ما أملاه دمو من قصائد شهية بالتأكيد مقابل وجبات غذاء مدفوعة كان جان في أمس الحاجة اليها. آمل أن يقرأ صديقنا اللبناني الذي لم اعد أتذكر أسمه خبر موت صديقه فينشر قصائد دمو.

يستحق جان دمو كل الثناء ذلك لأنه حتى يحافظ على نقائه في عراق الوشاة القتلة (عراق صدام) لم يكن أمامه سوى أن يتصرف بشكل شاذ ما جعل منه، حتى في نظر أصدقائه، أشبه برجل مضحك، لكن بفضل هذا التصرف ولامبالاته المطلقة الرافضة "بعين مفتوحة ما يقبله كل أولئك وعيونهم مغلقة: الانتفاع من كونهم شعراء" (على حد عبارة رينيه شار)، استطاع أن يخلّد لنا، أشبه بصورة شمسية، تلك السنوات حيث كنا متهيئين للولوج في قعر المجهول لنأت بالجديد، لكن حراس الموت البعثي كانوا بالمرصاد. أستطيع التصريح دون أي اجحاف بأن جان دمو هو في نظري أفضل من كل ما انتجه جيل الستينات من دواوين، إذ يكفي ان تستحضر في ذهنك جان دمو هذا الشاعر البلا قصيدة حتى تصدق أنها مجرد دواوين؛ تراث في مزبلة. (هذه المقدمة كتبت عام 1992 كمدخل لأشعاره في كتابيالمفقود "انفرادات الشعر العراقي الجديد".)

مختار من شعر جان دمو

17 قصيدة من الأمس ذي الصمامات المقفلة

الأربعاء 01 يناير 1800 00:00


الظل

امعن في صدودك أيها الواقع
فذاك قد يكون أولى بتمزيق النجوم
النجوم! قدم تبحث عما يماثلها، قدم تورق مع الحلم. قدم تقطع
الفأس التي صنعت لقطع الجذوع ستظل فأسا دوما.
آخر وافد الى مملكة ذراعي كان يوم الثلثاء
بين المطر والحقيقة يسقط ظل الله
ها أنذا في سبيلي إلى ممارسة إنسانيتي
الغرفة مربعة، وكذلك القلب.
مع آخر سجائري، يتخذ القلق مكانه الأشد توحشا.

السقوط

بالسر يتركز النوم،
في أشدّ المناطق نأيا، أقذف حاجة غامضة
ولكنني كنت على وفاق مع متطلبات الربيع
تعلمت أن أكون أنا.
وأن أترك للواقع أن يتكفل ما فسد.
المسافة تقصر، والحقيقة تتآكل.
الجمال غرفة يابسة،
مهجورة.
أتعجّل مقدم القجر. سقوطي يمتّع
جوهر الروح.
لم أتعلم أن أتغيّب طويلا.

كلا القصيتين نشر في "العاملون في النفط" (آب 1964)

صدى الضفادع

الضفادع تشم رائحة القصيدة
مثلها مثل الغرف والورقة
ولكن حينما تثقل القصيدة بياس فائر، يشك بنتيجتها.
لقد تعلمت أن أكتب ببساطة جندي أو ربيع عقيم.
يا للهزل! أي فوضى!
أيتها الأشياء، أأنت مصممة
ألاّ تفصحي؟
أية مفارقة.

لو فقط أستطيع أن أكون ما أنا، أو أن أموت بموت الصدى.


جيلي

نحو العبور ميتاً
أساهم في تطوير الأسبوع
أسجن نفسي في ميناء السرير
أستطرف قدوم الرمل، ونواحهُ
في جذور جبهتي

غيوم كثيرة تتعثر
في
الكلام، لن أمنعك

عشب كثير يتكلم لغة الزنجي
أقفالٌ.

(مجلة "الكلمة" 1967)


قصائد كتبت مقابل وجبات طعام شهية في بيروت تلك السنوات

1
عاش بقلب مفعم بالألغام
طوال حياته
في صيف كلّه أسرار وطلاسم
أكتشفُ
أن تحت مياه الجرح
كنارا.

لا تخبروه بأن في الصحراء سحرا
فقد عرف ذلك
بعد طفولته.

قولو له أن السراب والموت
واحدٌ وأن الحياة ليست ولن يكون لها
أكثر من وجهين: وجهين أصفرين بائسين
ولكن، قولوا له، أيضا، أن المستقبل
لا أصداء فيه إلا في الغياب
كان يحب... كان يحبُّ أن يُحبَّ.

2

أبحثُ عنكِ في رماد الذاكرة
في رماد الصواعق
في نيران الفراغ
في الحب
في العذاب
في الاستحالات
في أنين القلوب الممزقة
في القيثارالت المعطلة
في عطلات نهاية الأسبوع الجميلة
في الخرافات
في الأمس ذي الصمامات المقفلة
في الأغوار، في كل مكان
إلا في هذا العالم
أبحثُ عنك
يا حبيبتي.

3

لا وجودَ في الظل إلاّ
لعاصمة الأبدية
الغيوم حين تنعكس في بحيرة ما
تنزع قشورها وتبدأ في التكلم

هل بالرماد وحده يضاء القلب
هل الحقول أسر
ماذا يفصلني
ما الذي يمكن أن يفصلني عن المستقبل
سوى مقصلة النوم والارتخاء

في بحيرة أوسع وأكثف من الذاكرة
تبدو ظلال الفجر تتأرجح
بين الليل والليل يموت في حاضري
آه لِم القوارب هذه...

4

الساعات
تودع تنهداتها
السواحل الهادئة
العواصف تجهل هذا
الينابيع تجهل هذا
الفراشات تجهل هذا
الغابات تجهل هذا
والمطر؟ إنه تفاحة الخوف
إنه مزامير السهر
إنه العدم
إنه ينابيع مستقبلنا
لذا، فهو يعرف، لأنه
الصدى الأبدي لسواحل الساعات.

5

كنتِ دوما جميلة في وهج النهار
ولكن لم تكوني قط جميلة مثلما
كنت حين أتسعَ قلبكِ للبحر
للنهار
للبراري

كنتِ دوما فوق مستوى الصفر
وتحته
ولكن ليس أبدا في مستواه
ذلك إنك كنتِ انعكاس الشمس

كنت دوما حاضرة
عندما كان قلبي يتحول الى شظايا
وكنت، إذ تلملمين الشظايا هذه
تعطينني فرصة لأوازن
بين السقوط والحقيقة

كنت، كما لم تكوني، منظورةً وراء المرايا قاطبة
وبهذه كنت رائعة.

لم يكن بينك وبين الشمس
أي فرق.


6

فضاءٌ بلا شمس
يوقد أحزاني
المزمنة.

قيثارات زرقاء
عالقة فوق القلب.

سأمرّ بكل بحر
بكل مساء
بكل سحاب
لا زفرات فيه.

انحن للحنان
أنت
يا من كنت الأسباب
والنتائج
والأعشاب.

("الرغبة الإباحية" 1974)

براري العواصم

1

تقضم كمثرى النوم
وتستريحُ على ركام من الحيل والخاطر والاندحارات
وتستريح فوق قطار الأمس
وتظلُّ أسباحُكَ نابضةً، قوية، حيّة:
إنهم رفاقك الخالدون.
فارغة الموائد
كقلب الليل
كمعادلات آينشتاين: وها أنت
تركض باتجاه سراب اللحظات
إنك ثمل . إنك ظمآن...
ثمل وظمآن أكثر مما ينبغي: وهذه الحياة
هذه هي اللانهاية!


2

تُقفل أسوارُ البيوت دونك
تنثر ك الريح في الشوارع
تلتحم بمياه غزيرة
بمياه بحجم الفتوة والشباب
تركتَ أسراراً كثيرة في ظلال الرمل
صادقت فوهة القوة
فتحتَ أبوابَ الحظ
أرسيتَ النارَ
في قوافل الروح
انحنيت أمام الملوك
كثيرا.. طويلا.
أسرفتَ في تحبير الأوراق
وجعلتَ من السماء موقعا للانفجار
للاندثار
ولاشوك
أنت لم تكن مخلصا لذاتك
كنت غريبا عنها
ضربا من العبث
أية خسارة!
أنتَ في حاجة لمعرفة الأصول
لتحسس المنابع:
الضوء، النسائم، الحقيقة،
التناقض وبحيرات الدم، لِمَ لا؟
أنتَ تأرجحت طويلا
ولكن كانت دوما حواليك أعشاب وكؤوس
وأعراس
هذرٌ جميلٌ
هذرٌ تافه
ما من شيء يتداخل في اللا متناهي
في الهيولى
وهذه هي براري العواصم.

("السفير" اللبنانية 4/3/1979)

أسمال الملوك

سأنصت
سأنتظر
سأتصالح
لما يترشّح من نحاس النسيان.

ولكنه ليس بنسيان؛
إنه البياض الذي
يحيط باستوائيات عقولنا الجافة.

أتولُّهٌ جديدٌ بافلاطون؟
كلا اللوعة
لوعة اللاوصول
اللاوصول إلى أين؟
غريب ان توقَظَ الأحياءُ
بأسمال الرعب
أسمال الجغرافيا..
فلتكن أسمال الملوك.

شوبرت الإغريقي

أمولدٌ جديدٌ
ما يُرسّبه الأرق
من ريش وذكريات
ورصاص؟

رحيل جديد. رحيل مضاد.
لا مساواة بعد بين
ظل الثلج ورماد الظل,
أيتعين اللجوء إلى نرسيس (أو باخوس)
من أجل فك طلمسية الورد
أو الفراشات التي تنوس
في الممرات التي يفتحها نومنا
وتحجّرنا؟

كم بعيدة طرق الطفولة المعبدة
كم قريبة طرق الموت.

المنحوتات اإغريقية كفيلة
بتصفية العقول التي ملأها بالتراب
صدى الاغتراب.

شوبرت ثانية. والدموع لا تكفي.
ةيتعيّن رمي المفاتيح في يد الريّس*

*حذفت كلمة "الريس" من مجلة الأقلام.


3

يوماً
قبيل القيامة
سأتوحّد مع الضباب
وأترك كافة أبواب اللانهاية
مغلقة
في انتظار
إبليس.

أين انقرضت أرخبيلات
أحلامي

أوهامي مجرد لآلئ.

لا انتظار بعد.


4


عظيمة كل الحقائق ما بعد الصفر.
دون لماذا.
حتى لو بقي العنقاء محبوسا
في خرافات اللامحدد
ستبقى كل بوصلاتنا دونما
جدوى... الأحرى
أن يُصاؤ إلى مؤاخاة التنّين
والإبقاء على الفراغات
على ما هي عليه. أو
تقريباً.


5
أيكون الموت غيابَ الذاكرة
أم صفا من طيور البطريق
تنتظر مخلّصا ما تحت شمس
بنفسجيّة؟

لن نغامر بالجواب
لأنه لا جوابَ هناك.

(القصائد الخمس الأخيرة نشرت في "الأقلام" العراقية شباط 1993)

جان دمو، المخدّر بقيلولة أزلية بين جسامة الماضي.. ومستقبل يتأكسد
الأربعاء 01 يناير 1800 00:00
محمد العباس

لاخراجه من منطقة اللاوعي التي سكنها منذ زمن بعيد، أدخل الشاعر جان دمو المصحة، اثر نوبة اغتراب حادة اجتاحته في منفاه الأسترالي الذي انتقل اليه مطلع العام الحالي، رغم قناعته التامة بانتفاء الكينونة في المدن. هذا ما تقوله أنباء المنفى، الذي لا يأتي بما يسر، عن كائن خفيف هشمت قلبه " أسرار الأشعة، كسراب بلا ظل، ولا رنين " وأعلن رغبة جارفة للتوحد بالضباب. وكان ذلك الاشكالي قد وصف حياته عشية مغادرته عمّان الى استراليا بأنها " تماس مع العدم " في لقاء نادر مع جريدة " الزمان " بالنسبة لشاعر أشبه بشبح يتلمس أثره ولا يرى، ولا يمكن الظفر منه بموعد، حسب مقدمة الناشر لمجموعته الشعرية اليتمية " أسمال " فهو المرتاب دائما بكل ما له ملامح الرسمية، الذي يضيع " أسماء أيام الأسبوع منذ زمن بعيد لأنه غير معني بها ".

وفي ذات اللقاء ( العدد 240 الثلاثاء 2 - 2 - 99 ) يصرخ بالأسى المعهود عنه " أنا مخدر بقيلولة أزلية " كناية عن منطقة اللاوعي التي يعيشها كفعل غيبوبة استغراقية، ويبث منها نتفا وعبارات شعرية، متخففة من العناوين، وبدون استهلال أحيانا، يوحي انقطاعها برغبة حادة للكف عن الحياة، بالكاد تجمعت في كتيب شعري صغير، بعنوان " أسمال " هو كل أثره الشعري، أو سيرته الذاتية، اذ ليس للشاعر سيرة سوى شعره، فقد لملمه الأصدقاء تطوعا، بروح المريدين، وتحت اغراءات " نفسية " يعرفونها جيدا، وبتشجيع من الناشر، ليضع عليها جان دمو بصمة اسمه الملتبس، الذي صار ظاهرة شعرية أقرب الى الخرافة، متولدة عن صوت يثير غيابه جدلا فاتنا، وهو المشبع بالشعر، على حد قوله، لدرجة أنه ينزلق من بين أصابعه.

ذلك التورط، أو الزعم باستثنائية لغته وامكاناته الشعرية، يفترض أن يحيل الى مكمن شعوري لا اعتيادي، والى خبرات لا لغوية استثنائية، يعرّف دمو عبثها السيزيفي بما يشبه " بوصلات دونما جدوى " ليغدو الاسترسال في عدمية الفراغ كمرادف نفسي لمنظومة اللاوعي سرا من أسرار شعريته، حيث يبدو الصحو عدوا بالنسبة اليه، أو حالة لا شعرية بالمعنى الفني، وحيث الاصرار على توقيع قصائده من أماكن وحالات توحي بالغيبوبة والغياب، فهو يحضر كخرافة شعرية خارج نصه، أكثر مما يفعل داخل أثره الشعري، اذ لا يشبه نصوصه حد التطابق بها وحسب، بل يعيشها بما يشبه كتابة الحياة بحراك الكائن البشري، ليكون جسده مكانا للكتابة، وأداة لها في ذات الوقت، فهنالك تناغم بنيوي بين نصه وصيغة الحياة التي يعيشها، تدفع بدورها لتماثل بنياني بين لا وعي نصه ونثرية الحياة.

ويتأكد حضوره الساطي أيضا خارج نصه في الحديث الدائم عن فراداته الشعرية التي لا تنفك عن غرائبية أطواره وسجاياه، التي تنعكس في كثرة القصائد المهداة اليه من أصدقائه الشعراء، سواء في بداياته عندما أرادوه، بكل غرائبيته، عنوانا استثنائيا وتدميريا لنواياهم، لحظة التأسيس لمقترح قصيدة النثر في الستينيات مع جماعة كركوك ( سركون بولص، صلاح فائق، أنور الغساني، فاضل العزاوي، مؤيد الراوي ) أو حتى عشية مغادرته الى منفاه الأخير، فأناه منفتحة على أقصى درجات الصراحة والذاتية ازاء الحياة، بما تعنيه من صحبة يمتزج فيها الثقافي بالاجتماعي.

أما شعره فمستمد من عالم مادي محسوس يعني الآخرين، أي من مادة عبقرية الطبائع، تماهي بجدليتها فعل التلفظ الشعري عنده، وهو الأمر الذي أسس لحضوره كظاهرة شعرية هي مزيج من عناصر انسانية وفنية متضادة تراوح بين شفافية " الطفل الذي يتعقب خطانا " وبين حبيبته التي يقهقه قبالتها " فمك حمار كهربائي فهنالك خلطة سريالية فيها من الصعلكة، والمخيالية، وأناقة الصياغة، وحدة المشاعر، وان بدت غير متناسبة بحال مع أثره الشعري الضئيل.

وبالتأكيد لا تكفي ريادته الستينية مبررا لكل الضجيج الذي يثار حوله، لكن صمود شعره ضد عوامل الزمن يفتح استغلاقات نصه العصي على التأويل، الذي لا يحدث ما لم يتم التعاضد الروحي به، بدءا من نياته كشاعر بما هو المدخل الأوسع لمعنى النص، اذ من المؤكد أن وراء مفرداته وعباراته وصياغاته الارتدادية خبرات لا لغوية، فهو - أي جان دمو - أمثولة سريالية على درجة من الارباك، عندما يحس وفق جدلية الرعب " منافض السجائر متوحدة مع غبار الاشعاع الذري " ويتبصر بما هو أقرب الى التوهم التشكيلي " الغيوم التي تتشكل زبدا تحت فم الكركدن " ويرى بمساورة داخلية مفرطة أن الأحرى " أن يصار الى مؤاخاة التنين " ما دام المقامرون - برأيه - يعودون الى رؤاهم القديمة، والشعراء الى خرافاتهم الخفية.

وهو اذ يتخذ من سارتر أبا روحيا، ومن بودلير نديما وموجها فنيا، لا يصعد بهذا الاتجاه الحداثي ليغدو مجرد أثر شعري للآخر، انما ليتمثل الحداثة كجدلية، بشعرية مفرطة في الأنوية، تستأثر حد الاستحواذ على ضمائر الخطاب الشعري، وفق منهج تعبيري أقرب الى فكرة التداعي الحر الذي تتجسد فيه وبه اللغة، وقد تعكس مفردات وعبارات مثل " العماء - القوة الدافعة للوجود - ظل الثلج وظل الرماد " عمق الرؤية الفلسفية المزروعة في لا وعيه والمعبر عنها باللغة.

اذا، فذلك التفلسف اللاواعي هو عرض لحال جان دمو الشاعرة، كما تتطلبها قراءة العلاقة المنعقدة جدليا بين بناه الواعية واللاواعية. ووفق القراءة الأعراضية لخبرات الاقامة المستديمة في اللاوعي، أو القيلولة الأزلية بتعبيره، تتخذ النصوص بعدا متجددا لمفهوم اللاوعي، كنقطة انطلاق لشعرية جان دمو، فاللاوعي عنده ليس فرصة للغياب والتيه بقدر ما هو لغة، أي منظومة لسانية من وجهة النقد النفسي، اذ الشاعر يقظة كاملة برأيه، وعلى تلك الانتباهة تنسج المفردة كأصغر وحدة كلامية في " أسمال " بنظام واضح للعلاقات، شعوري ومعرفي، تتقاطع بأشكال مختلفة في " أنا " جان دمو كمكان جدلي وجمالي، وتمثلها بالضرورة، أو تعيد انتاج " الأنا " فيها، ويكون للنص في علاقته بسيرة دمو الشخصية وجود أو تاريخ مادي، يصعب ضمنه اقصاء ذاته.

وعلى ذلك الذهاب المبيت الى " اللا وعي " يمكن استشفاف جانب من الشكل الواعي لنظام العلاقات، فهنالك حالة من التمادي مثلا، حد الاستغراق في اللاوعي، كما تتبدى في السمة التكرارية للمفردة، كبنية توكيدية، أو ربما اشارة دلالية على الحالة النفسية كقوله " أهكذا تنام اللغة في اللغة " بمعنى استخدام المفردة كحفر أولي أقرب الى خدش الهواء ورسم النسق، لترسيب المعنى في مجرى النص الباطني، ثم تكرارها لتعميق أثرها الحفري، وليس مقابلتها بما ينقضها، كما يحدث دائما في نسقية الصدمة الجمالية المعتادة. وهذه الآلية الخاصة تتكرر في مفاصل كثيرة عندما يفتح " البياض على البياض " ويتأمل " القفر داخل القفر " ويتلفت " نحو الوراء الى الوراء " ويتأسف لعدم جدوى " جمع الأصفار الى الأصفار " وهكذا يحدث عندما يبحث عن الصوت بالصوت، ويراكم الظلام على الظلام، ويحدق في حاضره الذي يموت بين الليل والليل.

وبتأمل نفسي لطبيعة مفرداته الداكنة يتجلى الحاضن المادي لوجودية نصه وذاته الذي ينحت مآله الانساني بين " جسامة الماضي … ومستقبل يتأكسد " حيث الليل، والقفر، والأصفار، والظلام، والوراء، وحيث الفراغ بكل تداعياته وأطيافه، وأيضا بصراحة حضوره اللفظي، فما المفردات الا قمة جبل الجليد الذي يخفي امتدادا عميقا ويقينيا بالعدمية، فمهما أمعنت في التأمل بتصوره " فلن يواجهك سوى الفراغ " حتى لكأنه يقترح " الابقاء على الفراغات " لولا تساؤلاته الحزينة " أيمكن انتظار معجزات أخرى غير هذه الفراغات ؟" و " وماذا يمكن أن تبصر غير ميكانيزمات الفراغ ؟".

وتلك الروح التساؤلية هي التي تطيل اقامته في الغيبوبات، وارتحاله من غيبوبة لأخرى، كما تضاعف صيرورة نصه السيميائية، ووحدة التأثير فيه، فليس ثمة مكان لليقين في الزوايا الغائمة التي تحتل نواياه، بعد أن انقرضت أرخبيلات أحلامه، ولا مغامرة بالجواب برأيه " لأنه ما من جواب هناك ". ولن تبقى الا دهشة السؤال الوجودي " أمولد جديد، ما يرسبه الأرق، من ريش وذكريات، ورصاص ؟ " وحيرة أقرب الى الشك أمام نجاعة التفلسف " أتوله جديد بأفلاطون ؟" وانخذال ازاء القصور عن مطاولة مكمن الجمال " أيتعين اللجوء الى نرسيس ( أو باخوس ) من أجل فك طلسمة الورد، أو الفراشات التي تنوس ؟ ".

واذا ما حضرت القراءة البنيوية بمعناها الرابط بين مجموعة النصوص لتبيان كليانية البنية الذهنية والنفسية لجان دمو، يتبين أن كل تلك المفردات الغارقة في الدلالة باستقلاليتها ( أفلاطون، شوبرت، نرسيس، جياكوميتي، دالي، الماموث، روبسبير، شارلي شايلن " لا تطفو على سطح " أسمال " كأعباء مادية أو هوامية لا واعية، انما هي انتباهة في متاهات اللاوعي واختزاناته، فالشاعر بتعبيره " حتى وهو في غيبوبته منجم لا ينضب من اليقظة " أما تلك المفردات العائمة فليست مجرد علامات ذات شحنة دلالية مكثفة وحسب، بل هي من الوجهة الفنية سياقات جمالية، تحدث تناصها الدائم مع أنوية خطابه الشعري ليتفعل في أقصى امكاناته الدلالية، بمعنى اعادة انتاج الوعي مختزلا، ومرمزا، وبلمسة أيقونية جمالية يعرف سرها جان دمو.

[email protected]


جان دمو
تربية الصعاليك بدل تربية الشعر
الأربعاء 01 يناير 1800 00:00
علاء مهدي كاظم

إنهم رفاقك الخالدون.
فارغة الموائد
كقلب الليل
كمعادلات آينشتاين: وها أنت
تركض باتجاه سراب اللحظات
إنك ثمل. إنك ظمآن...
ثمل وظمآن أكثر مما ينبغي: وهذه الحياة
هذه هي اللانهاية

جان دمو


خلق الإنسان صعلوكا، ربما ذلك ما قاله جان دمو ذات يوم وهو يستحظر مقولة جان جاك رسو (ولد الانسان حرا)، خاصة وان هنالك ثمة تشابه بين جان الشاعر وجان الفيلسوف، فكلاهما عاشا مشردان، ناقمان، انفعاليان، وكلاهما خرج بمدرسة سيتخرج فيما بعد آخرون منها وهم يلوكون أفكار هذان المشردان ذاتها.
الصعلوك جان دمو النحيف كموسيقى، الصامت إلا من شتائمه، المخمور في الصباح والمساء، الشاعر الذي بلا قصائد ولا دفتر ولا قلم، هل كان جان دمو إفرازا حقيقيا لحقبة زمنية حيث حلقت أفكار الوجوديين الفرنسيين ممثلة بجان بول سارتر (يا لها من مصادفة انه جان أخر) كمندوب عن الفرنسية الفرنسية واليوت كمندوب عن الثقافة الإنكليزية، لتحط في ارض العراق مثلما حطت في بقية العواصم الحضارية سواء أكانت من العالم الأول او الثاني او الثالث، تلك الدول التي لديها كم من الحضارة يؤهلها لا تستقبل الأفكار وتتفاعل معها، هل ان جان دمو هو فعلا، وليد حقبة ثورة 1968 العالمية لا انقلاب البعثيين في العراق، هل كان جان دمو كل هذا العالم الذي دخله مخمورا وخرج منه واعيا بان العالم لا يستحق أكثر من بصقة بوجه شاعر على طراز حميد سعيد.
ترى لماذا نتذكر جان دمو الصعلوك بينما تعفى ذاكرتنا عن تذكر جان دمو الشاعر؟
برأي لان ما يميز جان دمو هو صعلكته وصلعته لا شعره، فما عرف عن جان انه كان له تأثير في الشعر العراقي يوم من الأيام كما كما هو مع السياب وحسب الشيخ جعفر وزاهر الجيزاني وخزعل الماجدي وجيل الثمانينات والتسعينات، وإنما كانت لصعلكته الفعل المدوي، انه من حقبة الستينات حيث كان التصعلك هو ديدن الثقافة العراقية (يجب الاعتراف بان العراق دولة ثقافة شعرية لا سردية) هكذا كان جيل الستينات، حتى المترفون منهم أولئك القادمون مما يسمى عائلات برجوازية في ذلك الحين فضل التصعلك على العيش في كنف العائلة البرجوازية، هكذا كان بلند الحيدري،بينما جاء فاضل العزاوي ومؤيد الراوي وعبد القادر الجنابي، من عائلات فقيرة، اي إنهم كانوا متصعلكين بالوراثة، جيل الستينات كان اخطر الأجيال وكان أوعاها أيضا، ففي حين كانت هناك غابة تنمو من التمرد في صحراء العراق بعد ان زرع السياب ونازك والبياتي أول أشجارها، كان هنالك أيضا ركاما من الأميين يجوب حضارة العراق، كان هذا الجيل يعي انه سيقلب تاريخ العراق الثقافي، لذلك تسلح بالوعي ليكون سيفه الذي يقاتل به الدينصورات الى جانب خرجوه الاجتماعي المسيج بالصعلكته كإحدى الخروج على نظم العائلة، القبيلة، الدولة، كان هذا الجيل يريد ان يخرج الحياة من نمطيتها لينفتح على الأخر والهم أشياء العالم كما طالبت بذلك سيمون دي بوفوار ذات يوم، كواحدة من مطالبهم الغير معلنة، كان من الصعب في ذلك الحين ان تسير بسيارة في خيام البدو، لكن هذا الجيل خرج بقصيدته ـ تصعلكه ـ سيارته، ليسير بين الخيام وبأقصى سرعة عرفتها البشرية، لكن رغم ذلك كان حذرا، كان يبحث عن الوعي فتلك هي أهم تعاليم الوجودية التي نطقوا بها ان تعي وجودك وان تكون مسئولا عنه، وعليه فانه كان يسير بخطين عموديين كان يعرف أنهما سيلتقيان ذلت يوم، كانت تهممهم تلك الصدمة التي نشروها داخل المجتمع المجتمع، ليكون بعدها خطهم الذي رسموه بتنظيراتهم المعلنة وغير المعلنة، وعليه أيضا كان نصهم هو حياتهم ومن ثمة كتابته (الإسفار ـ لفاضل العزاوي مثالا). ولكن عندما تحرك العالم وفق ذائقتهم كان لزاما عليهم ان يخففوا من الضغط على الأخر والهم، ففاق أكثرهم من خمره الأمس، فاق باتجاه المعرفة ـ الوعي، لكن جان دمو بقى هناك وحده في ترك الأرض، بقى بأسلحته التي ابتكرها مع أشباهه ليحارب هناك، لكن الحرب انتهت يا جان دمو، والأطفال عادوا الى مدارسهم الأمهات الى أطفالهن والعاملات الى عمالهن، فلماذا بقيت هنالك وحدك في ارض المعركة ياجان دمو؟
بقيت هناك بلا شعر و بصعلكتك فقط، تبحث عن أشباه من الشعراء ليكملوا حربك التي لم تقع لا حربهم، فأنتجت لنا كزار حنتوش، ونصيف الناصري وحسن النواب وحسين علي يونس.. أنتجت لنا أشباه أغرقونا بالشتائم التي ابتكرتها، وبالصراخ الذي ابتكرته أيضا، ليصرخوا في وسط حسن عجمي، أنا أفضل شاعر في العالم، شعراء بلا شعر، صعاليك بأمجاد زائفة. في حرب انتهت يا جان دمو، كدت ان تخرب الشعر الذي نحب، لولا حسب الشيخ ولولا زاهر الجيزاني ولولا كمال سبتي ولولا محمد مظلوم ولولا محمد تركي النصار، ولولا احمد عبد الحسين ولولا جمال الحلاق..(وآخرون قبل هذا الوقت) ....
هذه الكتابة ليست ذم بك يا جان فيجب على الجميع ان يعترف بأنك كنت مقاتلا نبيلا، فارسا من العصور الوسطي، أنت من ذلك الطراز الذي ما ان يدخل حربا لا يخرج منها إلا وهو جثة هامدة، هكذا كنت لكن حربك انتهت يا جان دمو، ومن يحملون الآن سيوفك ليس أكثر من دجالين، إنهم انتظروا موتك طويلا ليقولوا كنا محاربون مع جان دمو لم نتركه وحده في ارض المعركة، الجميع كان يعرف بان المعركة انتهت، لكن الكارثة إنهم لا يحملون وعيك، والادهى إنهم لا يحملون نبلك، شاهدناهم يرتزقون وشاهدناهم يبيعونك في الأزقة الخلفية، يبيعون المبادئ التي حملتها، تلك المبادئ التي جاء بها جيلك، لقد انتهى زمنك فلذا نراهم الآن بلا زمن، إنهم وحدهم من سيكونون بلا أمجاد، اما أنت فقد ذهبت بمجدك وبجسدك النحيل وفي يدك عشبة جلجامش.
أنني أريد ان اردد الآن
أغنية (غافروش) الساخرة في رواية (البؤساء) لفيكتور هيجو إنها غلطة (فولتير) إنها غلطة (روسو)..".
لأقول إنها غلطة جان دمو


جان دمو قصيدة لا تنتهي
الأربعاء 01 يناير 1800 00:00
صالح كاظم

هذا جان دمو. كما عرفته. يأتي لكي يختفي ويختفي لكي يأتي. وفي كلا الحالتين هو حاضر مثل القصيدة أو مثل ضياع الحقيقة في ظلال الواقع. لقد علمنا جان كيف يختفي الشاعر في القصيدة في رحلة لاتنتهي بحثا عن الكلمة الصافية التي لايشوبها الإلتباس. وها هوذا الآن يكمل قصيدته بالرحيل الى ذلك المكان "الذي لم يعد منه أحد". وربما سيجد هناك أخيرا شيئا من الإستقرار لإتمام الأعمال التي طالما وعد بها. من هذا المنظور تبدو رحلة جان رحلة موفقة رغم أحساسنا بالخسارة والفراغ الذي خلفه وراءه: فراغ لا يمكن أن يملأه أحد. على وجه التحديد في هذا الوقت حيث أنفتحت أمامنا فجأة سماء بغداد بعد أن تصورنا أنها أغلقت الى الأبد، فراح الواحد منا يجمع شتات ذاكرته مثل قطع الموزائيك إستعدادا لرحلة الرجوع الى الماضي، حيث بدأ كل شئ في مقهى صغيرة تحتضن آلاف الأحلام والخيبات والأحاديث التي تنتهك حرمات الحدود. وكان أكثرنا إنتهاكا لهذه الحرمات هو جان دمو.

حين ألتقيت جان للمرة الأولى في مقهى السمر ببغداد لم أكن أعرف عنه شيئا سوى كونه شاعرا يرمي دواوين شعراء أخرين من نافذة الباص حين لا يجد فيها ما يثير إهتمامه، وجنديا هاربا يسلم نفسه أحيانا بشكل طوعي – ربما هربا من المثقفين- لقوات "الإنضباط العسكري" لتعود به الى الثكنة التي هرب منها. لاحقا أكتشفت أن هذه الحالة لا تشكل سوى جانبا بسيطا من هذا ألإنسان/القصيدة.

كانت الكتب دائما برفقته أو كان هو برفقتها سواء كانت مسروقة أومستعارة من صديق. وفي الوقت الذي كان فيه سلمان مزعل يرتدي في الصيف معطفا شتويا طويلا، يخفي تحته فأسا يبحث عن رأس رابية راسكولنيكوف، راح جان يحدث الجنود عن عوالم مثيرة تقع وراء الحدود تعرف عليها من خلال جاك كيرواك نورمان مايلر هنري ملر وجون دوس باسوس إضافة الى عدد هائل من الكتاب والشعراء الذين وجدوا طريقهم الى جيب معطفه القديم.

في المقابلة التي نشرت في القدس العربي (ومعاد نشرها في إيلاف) يتحدث جان عن علاقته بالمرأة بنوع من السحر البعيد مثل فارس من القرون الوسطى يتغزل بسيدته. وهذا نوع من السحر لا يعرفه سوى الفرسان وذئاب البادية: سحر"الوردة الزرقاء".
حين يبلغ المرء حالة الزهد التي بلغها جان تصبح المرأة ثمرة لا يمكن أو لا يراد إقتطافها. مثلها مثل القصيدة المثلى. ويصبح الجنس عالما لا تخترقه الكلمات. الجنس بمواجهة الشعر: المرأة نقيضي! وما هو الشعر؟ ما هي القصيدة؟ ربما نقيض المرأة؟ هنا يكشف جان دمو كافة الأسئلة التي تتعلق بالجنس في إشارة بسيطة دون الضياع في التفاصيل. ويدخل هكذا في سجال لم ُيحل منذ ملحمة كلكامش عبورا بماركي دي ساد وليوبولد ساخر ماسوخ ولحد يومنا هذا.
أهو هذا السحر نفسه الذي دفع بجان لمغادرة العراق والدخول في غابات الصنوبر التي لم يتمكن من الإنتصار عليها؟

بعد أن تمكن جان من مغادرة العراق مجددا متوجها نحو الأردن وأستقر لبعض الوقت في عمان لم يكن هناك من يتوقع بأنه سيصل من هناك الى أستراليا: هذه القارة البعيدة المتشربة بأحزان العراقيين ودماء الأوبيريجنيز. لماذا أختار هذه القارة بالذات لتكون آخر محطة في حياته؟
مع رحيل جان فقد هذا السؤال الى جانب أسئلة أخرى مبرراته، غير إنني ما زلت آمل أن يجاب عليه بقصيدة.


شكرا على انك كنت معنا يا جان دمو!
الجمعة 27 يونيو 2003 19:16
نصرت مردان


شكرا على انك كنت معنا. شكرا لأنك رحلت كما أردت، في المكان الموعود الذي اخترته للرحيل. دون وداع، دون رفاق، دون بكاء. عشت كما أردت لا كما أراده الآخرون.
شكرا لأنك أديت امتحان الاستهانة بكل شيء في الحياة دون تحديد، بنجاح باهر. شتمت من شتمت وبصقت على من بصقت، ولم تعتذر في لحظات الصحوة لأحد قط. شكرا لأنك كنت أنت دائما، دون تزويق، دون كذب كمثلنا جميعا أمام طقوس وتقاليد المجتمع.
(عفطت) على كل ما قدسه الآخرون : الأخلاق، النظام، الشعر، السياسة، الحياة، قادسيات صدام الخائبة، استطعت أن تنفذ بجلدك وأنت في سخرية لا تنتهي من كل شيء في بلد متجهم السحنة في وطننا العراق. أنقذت نفسك من التقارير. قلت عن حبيبتك:
حبيبتي، فمك
حمار كهربائي!
فحفظ بيتك اللابيت هذا جميع الأجيال سخرية، ولم تبال قط بسخريتهم، لأنك لم تسع إلى أي مجد في حياتك، شعريا كان أو ماديا كان. كانت الكأس أصدق أنباء بالنسبة لك من الكتب. بل أنك لم تبال بالشعر، الذي يحاول البعض بعد رحيلك أن يصفها بالعبقري ويصفوك بالقديس، وهم يجهلون انك لم تكن إلا نفسك تبحث في حياتك القلقة غير السوية، وظللت دائم البحث عن شيء ظللت تجهله رغم بحثك الدؤوب عنه في بيروت وبغداد وكركوك وسدني.
كنت أكثر ذكاء من القتلة وشرطة الثقافة في العراق، فبقائك طوال حياتك مسطولا أنقذك من ظلمهم وغدرهم. فشكرا لكل الكؤوس التي سجلتك في قائمة المساطيل، وأنقذتك بذلك من غدر أصحاب التقارير السرية. وظلت جملتك الشهيرة في إحدى الجلسات وأنت تضع كفك فوق صلعة سامي مهدي قائلا أمام الجميع:
ـ لا أستطيع أن اصدق أن قصيدة جميلة يمكن أن تخرج من تحت هذه الصلعة!
دون حساب، ودون مساءلة. لقد كنت أذكى منهم، عشت كما أردت، وشتمت من شتمت في عقر داره. رأيت بأم عيني كيف كانوا يخشون لحظات صدقك عند سكرتك في تلك الأمسية للشعر التركماني في مقر اتحاد الأدباء العراقيين، فحينما طلبت منك الحضور معنا للعشاء بعد انتهاء الأمسية، سرت عاصفة من التذمر بين كبار المدعوين ومنهم موسى العبيدي، الذي استغربت منه أن يكون عصبيا، وهو المعروف عنه بسخريته اللاذعة من كل شيء. فهو رغم كونه في مركز هام في القيادة القومية، كان يسخر وينكت على كل شيء حتى على رفاقه في الحزب دون وجل، استغربت أن يكون رغم سلاطة لسانه خائفا منك. بينما كان الكثيرون من رواد نادي اتحاد الأدباء في ساحة الأندلس، يخافون منه، و يترددون من التعليق على نكاته، اعتقادا منهم بأنه لربما يفتعل السخرية لفك عقد ألسنتهم. انتحى العبيدي، جانبا عبداللطيف بندر اوغلو، مدير الثقافة التركمانية آنذاك:
ـ هل سيأتي هذا القشمر معنا أيضا؟
اقترب مني بندر اوغلو وجان يسير بيني وبين الشاعر حمزة حمامجي اوغلو:
ـ من وجه الدعوة لجان بالحضور؟
قلت له:
ـ أنا.
ـ لماذا فعلت كذلك، الجميع متذمرون منه. فهو( يخربط) كثيرا عندما يسكر.
سمعت العبيدي يقول:
ـ لن أحضر إذا حضر هذا معنا.
انتبه جان وقال:
ـ هؤلاء السفلة لا يريدون مجيء معكم، أليس كذلك؟
قلت نعم. ابتعد متبرما، وهو يسب ويشتم. وكان ذلك آخر عهدي بك.
كنت تعلم أن ثمة طرق تنتظرك، وتنتظر خطاك الضائعة في مكان ما من العالم. كنت تعلم انك لم تخطو بعد الخطوة الأخيرة. وأن كل أيامك في بغداد بين محبيك ومبغضيك، لم تكتمل بعد.
كنت معتادا أن تمتحن الحياة في الشارع، وأن تسيرا معا متشابكي الأيدي، دون أن تعلما من الذي يقود الآخر إلى حيث ما يريد.
في أحد أعياد الفطر كنا أنا وأنت وحمزة حمامجي والشاعر الأرمني خاجيك والشاعر إسماعيل إبراهيم انطلقنا بحرارة طفولية، نسخر من كل شيء وخاصة من خاجيك، الشخصية الغريبة الذي كان ينظم ما يعتبره هو شعرا بالعربية والأرمنية والتركية، وهو لا يبالي قط بسخرية الجميع من شعره، ممنيا نفسه أن ناقدا نزيها سينصفه في يوم ما، حتى لو كان ذلك بعد مائة عام. توجهنا إلى مكان العيد حيث دولايب الهواء وقطار للأطفال فركبناه إلا خاجيك الذي لم يستطع الجلوس لضخامته وبدانته، فطلب منه صاحب القطار أن لا يركب، فعلقت عليه ياجان بضحكتك المميزة:
ـ حتى المرحوم جيمس واط (مخترع القاطرة) لم يفكر لقاطرته ـ المقطورة بمؤخرة، مثل مؤخرة خاجيك!
وكان خاجيك أول من انفجر من الضحك.
شكرا على أنك جئت في زمن عصيب لحياتنا الأدبية. رأيتك كثيرا داخل معطف كبير، كنت تصر بإصرار على ارتدائه حتى في الأيام الحارة، وفهمت فيما بعد انه عدة الشغل. حيث تلقي في جيبه الواسع ما يتيسر لك من الكتب عند زيارتك لساعات طويلة لمكتبة (اروزدي باك) في كركوك. وكنت تعتبر ذلك تطبيقا للمباديء الاشتراكية التي كانوا ينادي بها، في تلك السنوات سماسرة البعث الذي قادوا وطننا المثخن بالجراح إلى الخراب.
وما أزال أتذكر في يوم ما كيف تحولت إلى ساحر، وأنت تفتح معطفك قائلا:
ـ افتح يا سمسم!
وإذا بك تخرج من داخل معطفك نسخة من رواية جورج أوريل ( 1984 ) باللغة الإنكليزية ، من غنائم مكتبة اورزدي باك.
لقد أحسنت صنعا في نسيان ما يجب نسيانه، بل نسيان حتى ما يجب تذكره. الندم لم يطرق بابك ولم يترك لك قصاصة ورق قط.
لقد كنت صديقا لأخيك جورج دمو في المدرسة الخالدية الابتدائية بكركوك، وكنتم جيراننا بمنطقة (عرفة ) في كركوك. في يوم أحضر لي أخوك جورج، دفترا من فئة المائتين ورقة وقال : انه نصف ممزق، أرادت أمي أن تحرقه في التنور، بعد أن ألقى به أخي الكبير جان جانبا، هل تريده ؟
أخذت الدفتر الذي رأيته يحتوي على قصائد مستنسخة بخطك الأنيق بقصائد لشعراء لم أسمع بهم قط في تلك الفترة المبكرة من عمري. بفضل هذا الدفتر الذي أنقذ من الاحتراق في آخر لحظة، قرأت قصائد انسي الحاج ومحمد الماغوط وأدونيس وثريا ملحس وآخرون، مما شكل لي هاجسا للتعرف فيما بعد على أعمالهم.
في جلسة في دارنا أحضرت لك ونحن نتناول كؤوس الفودكا، الدفتر الممزق الذي يحمل خطك. ألقيت نظرة سريعة عليه، وكأنك تتجنب أن تنظر إلى شيء يخص ما مضى من الزمن. سألتني سؤالا غريبا:
ـ هل عندكم تنور في البيت ؟
قلت لماذا ؟ قال : لأن مكانه الطبيعي هو التنور!
سيظل محبو جان دمو يتحدثون عنه طويلا، عن الطراز الذي اتخذه كسلوك لحياته لربما أكثر من شعره، لأنهم كانوا يتمنون أن يقولوا ما كان يقوله هو للآخرين دون مواربة.
الظلام يخيم، تنغلق العيون، وسيبقى ثمة منديل يومىء إليك بالتحية من كل الأصقاع التي يعيش فيه العراقيون. . ربما ليس تحية لشعرك فحسب، بل لأنهم جميعا تمنوا أن يكونوا مثلك صادقين في حيواتهم أثناء السكر والصحوة سواء احرقوا جثمانك في سدني مثل أي بوذي شريف، وسواء نقلوا جثمانك إلى الوطن، والأمران سيان . . أقول لك من القلب، ليباركك المسيح أيها الشاعر الذي قال ما كنا نتمنى، أن نقوله أحيانا دون أدنى اهتمام بالأعراف والتقاليد والنظم والقرارات والتقارير السرية!


الشاعر مشتتاً
صورة جانبية لجان دمو
الأربعاء 09 يونيو 2004 16:23
عبدالكريم كاظم


لا تبكوا هكذا...
تظاهروا فقط بالبكاء...
فالشعراء لا يموتون ...
أنهم يتظاهرون بالموت فقط
جان كوكتــو


في ذلك التوجس المشحون ببويهمية تمتد من مدينة كركوك الى حانات بغداد جاء جان دمــو محملاً باللامبالاة، لم أكن على معرفة واسعة به و لكن أخباره و نوادره و ما يروى عن سلوكياته و قاموس شتائمه الذي يتفرد به منحني تصوراً انطباعباً عنه قبل ان التقيه و ضمن سياقات الصدف الجميلة تسنى لي التعرف عليه عن قرب من خلال الصديق الشاعر ستار موزان. أحسست حينها بطيبته و بمدى اخلاصه للكأس و نفوره من أي شكل من اشكال