ثقافات

الشاعر المغربي محمد بنيس:لا أجدُ أي تعارض بين ما هو مغربي وما هو كوني فيما أكتب

قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
أنا معتز بأن أكتب بهذه اللغة العربية الحديثة، التي كتبها وجددها شعراء وكتّاب كبارحاوره : حسن الوزاني
&
محمد بنيس، استاذ جامعي، ناشر، رئيس بيت الشعر في المغرب، وهو قبل كل ذلك، شاعر ومنظر للشعر. وهذا الحوار الهام والطويل، سفر في عالم واحد من أهم الاسماء الشعرية العربية اليوم. هنا القسم الثاني من الحوار.
&


بموازاة مع هذا& الهاجس، على مستوى الاشتغال على البياض، وعلى فضاء النص عموما، كيف يستطيع محمد بنيس أن يحفظ للنص بلاغتَه تلك عند الانتقال إلى مرحلة الإلقاء الشعري ؟


منذ زمن طويل وأنا أفكر في فكرة كنت أعتبرها مجنونةً،& ولكنها غير ذلك على الإطلاق. وهي أن القصيدةَ بالنسبة لي هي متعددةُ الأصوات، ويجب أن تُقرأ بعدة أصوات. لا يتعلق الأمر هنا بتاتا بالقصيدة المسرحية. تعددُ الأصوات& هو بمعنى& هذا الصوت الذي لا يتكرر داخل القصيدة. وأطرح السؤال مرارا على نفسي : "ما هو هذا الصوت ؟ ". أجد نفسي منقادًا إلى تعدد الصوت مع تعدد المكان، ومع تعدد الأبيض والأسود. وأظن بأنه يمكن أن نقدم تجربةً جديدة إذا توفرت الإمكانيات الضرورية. لقد سبق لي أن تحدثتُ& مع المخرج المسرحي الصديق عبد الواحد عوزري بشأن إشراك شخص آخر في& قراءة بعض المقاطع، ولكن تبين لنا أن الأمرَ يفترض أشخاصا احترافيين وتدريبا طويلا على هذه التجربة، إذ أن تعددَ الأصوات يقتضي الحرصَ ذاتَه الذي يفرضُه الاشتغالُ على البياض. ولذلك، أفضل في كثير من الأحيان قراءةَ المقاطع ذات الصوت الواحد، وأتجنب& الأخرى ذات الأصوات المتعددة. لربما، تكون هناك إمكانيات في المستقبل لاختبار هذا الصوت المتعدد. وأنا لا أعتبره مناقضًا للشعر، بل لدي انطباع بأنه يمكن أن يَفتح،على الأقل لما أكتبه أنا، أفقا لإبراز طبيعة القصيدة الغنائية المتعددة الأصوات.


حققتْ تجربتُك الشعرية انتماءها المغربي، سواء من خلال التجربة الكاليغرافية القائمة خصوصا على توظيف الخط المغربي، أومن خلال فضاءات النص، أو معجمه. وهو الأمر الذي يتم اعتباره، أحيانا، مصدرا لمستوى من& الاحتدام& بين هذا الانتماء وانتمائها للبعد الإنساني . كيف تتصور ذلك ؟
لا أجدُ أي تعارض بين ما هو مغربي وما هو كوني فيما أكتب. كما أنني لا أجد أي تعارض بين ما هو فرنسي في قصيدة معينة لبودلير وبين بعدها الإنساني. أنا لا أفهم أحيانا لماذا نقول& للشاعر المغربي "أين يكمن تميزك كشاعر مغربي ؟" . لماذا نخص الشاعرَ المغربي، أو التونسي، أوالجزائري بهذا السؤال، ولا نطرحه على الشاعر العراقي، أو السوري، أو غيره ؟. بما أنني جزء من الشعر العربي، إذن، لا يمكن أن أكون إلا كفرد، بدون أن يتمَّ النظرُ إلي& كمغربي. أما استعمالي لما هو مغربي، فذلك جزء مني. من لا يستوعب هذا العمل، كأنه يقول لي "اقطع يدك، واكتب". فبأي يد سأكتب ؟. أنا أكتب من خلال معجم، من خلال أشكال، من خلال لاوعي، ومن خلال مكبوت. وهذه كلها ما تبرر الكتابة بالنسبة لي. وإن أنا ألغيتُها، فكل الكتابة لن تعني بالنسبة لي شيئا.
لقد قرأت فعلا بعض الانتقادات من طرف بعض الشبان الذي يعتبرون، مثلا، وبغير قليل من السخرية، أن كلمة "الغنباز" هي التي يريد من خلالها بنيس أن يكتب قصيدة مغربية. أنا لا يهمني ذلك. حيث لم يكن واردا في طريقتي أن أبحث عن كلمة "الغنباز". لقد هجمت علي، كما هجمت على بدر شاكر السياب كلمة "بويب". إن ذلك أمر شخصي جدا، ولا يمكن أن أُحاكَم فقط لأنني مغربي وفق هذا المنطق. لا يوجد أي تعارض بين الانتماءين، المغربي والإنساني. ما هو إنساني كامن في ما هو مغربي كلما انتقل إلى وعي جمالي حديث.& لقد وجدتُ لدى العديد من الشعراء (من أوربا وآسيا وأمريكا وإفريقيا) الأوربيين اهتماما تأويليا لزهرة "الغنباز" في علاقتها بكتابة المحو. والحقيقية أنني أستغرب كيف أن شعراء، لا علاقة لهم بثقافتنا وبقضايانا الثقافية ولا يعرفون الفرق& بين المغرب والمشرق، ينصتون بعشق للقصيدة التي أكتبها. ولا أحد يسألني "ما هي زهرة الغنباز ؟". إنهم يعرفون أن هذه الكلمة موجودة داخل الشعر، ونظام القصيدة هو وحده مولِّد الدلالة.
&
يتعلق الأمر، إذن، بمعجم عادي جدًا. هو الذي يكلمني، وهو الذي يجعلني أندمج به فيما هو إنساني. فالكثيرَ من كلمات المعجم وافدة من لغات أخرى، ولا يُطرح علي سؤال "لماذا استعملتَ كلمة وافدة ؟". والحقيقة أن المشكل يدل على عدم معرفتنا بالكتابة بصفة عامة. لأنه إذا عدنا للثقافة العربية، من الجاهلية حتى الآن، لن نجد شيئا مفروضا على الشاعر، بما فيه عدم استعمال المعجم القريب منه. وسواء تحدثنا عن الشعر أو عن النثر، أو عن كل ما هو مكتوب، فتلك هي القاعدة. والأساسي فيها هو هل نحن أمامنا قصيدة أم أمامنا معجم لا علاقة له بالانسجام داخل القصيدة. إن ما يجب أن يُطرح إذن، هو الكتابة، والانسجام، أو الصفاء داخل الكتابة. وبالتالي يصبح السؤال هو : ، هل يمكن لهذا المعجم )&& المغربي ( أن يكون ممنوعا لمجرد أنه معجم مغربي مثلا، أم لأنه لا يحقق انسجاما وصفاءً داخل القصيدة. إن المعيار الأول والأخير إذن، هو القصيدة كعمل كتابي، له رغبة في أن يجعل من الذاتي عنصرا أساسيا في الكتابة.


ثمة أسئلة تستوقفني، وانا أعيد قراءة ما كتبته وما عشته. وأحب أن أثير بعضها. تزامنت بداياتُ مسارك الشعري باقترابك من المجانين والمجاذيب. تَمَّ ذلك بالتساوق مع عشقك للغة المجنونة، كما كتبت في "شطحات لمنتصف النهار". ماهي حدود التوافق والاحتدام بين حريةِ هذا الجنون وديمومةِ شحنته، وبين وعيك النقدي والنظري بالتجربة الشعرية نفسها وبالجنون ذاته ؟

وجدتُ نفسي منجذبا بشكل تلقائي، منذ صباي، إلى المجانين والمجاذيب، لأنهم يقدمون صورة أخرى لإنسان، ظل بالنسبة لي دائما غامضا. الغامضُ& هو ما كان يقربني من هؤلاء الناس. وأجد الأمر مدهشًا، مثلا، أن يقضي شخصٌ عمرًا كاملاً وهو يردد جملة واحدة، كلها حكمة، لست أدري من أتى بها. هل حفظها عن السابقين عليه، أم هي شطحة من شطحاته. وفي مرحلة لاحقة، وخلال المراهقة بالضبط، وجدتُ نفسي قريبا من مجموعة من المجانين، لأنهم كانوا يعطونني فسحة الثورة. الثورة على العائلة، وعلى مفهوم مدينة فاس كمدينة للأريستوقراطية، وعلى مفهوم الانضباط وقيم الطاعة والامتثال، أي قيم النموذج والنجاح.
&كنت أصاحب هؤلاء المجانين كمصاحبة لما هو هامشي، لما لا معنى له، ولحالة المفرد الذي يتم العمل على& إفراده وإلغائه. وقد تعلمتُ من هؤلاء هذه الحرية. ولكن، كنت دائما أعلم أن المجنون ليس مبدعا. إنه يعيش فقط اللحظةَ الأولى السالبة. ولا يمكن للإبداع أن يكون محصورا في فعل سلبي، إذ لا بد أن ينتقل إلى فعل بالإيجاب. بمعنى أنك تخرج عن أنساق، وعن قيم، من أجل أن تخلق نسقًا آخر وقيما أخرى. والكتابة& فعل نقدي للقيم، بما فيها القيم الحياتية والجمالية، وطريقة الرؤيا. إن طريقة الكلام مع شخص آخر، وطريقة معاشرة السماء أو البحر أو الحجر تحتاج لرؤيا أخرى. فأن تحب حجرًا هو ضرب من الجنون، ولكن عندما يتحول الحجرُ إلى عنصر داخل الكتابة، عندما تمنحه حيلة ثانية من خلال الصورة الشعرية، لا يصبح هنا، الحجرُ حجرا، بل يدخل في علاقة جديدة مع المادة، تحددها نظرتُك لها وطريقتُك في منحها الحياة داخل القصيدة. لذلك، كنتُ واعيا بهذه الحدود. ورغم أن سلوكاتي، كانت في كثير من الأحيان& سلوكات مجنون، فقد كنتُ في النهاية أقوم بالاشتغال الإيجابي على هذا الجنون. أقصد بالسلوكات، مثلا، أن أقضي أياماً في القراءة، أو في التأمل، أو في التفكير بدون أن أنتبه لأي شخص. وأعتبرُ ذلك نوعا من الرياضة الروحية أو الرياضة الشعرية بهدف تعويد جسمي على التعامل مع العالم الداخلي والخارجي، ومع الكلمات والأصوات. كان ذلك يتطلب مني ثقافةً لم أجدْ أبجديتَها إلا عند المجانين والمجاذيب. وهذه الثقافة تفاعلت مع ثقافة إنسانية شعرية هي التي علمتني أن السفر إلى القصيدة يتطلب المعرفة والصرامة من التعامل مع اللغة أو مع ما تخلقه اللغة في القصيدة.
كنتَ حريصا في طفولتك على الصلاة بالمسجد، ثم اخترتَ المواظبة على زيارته "للصمت أو للمشاهدة". هل يحكم الأمرُ ذاتُه علاقتَك الآن بسؤال الدين. أقصد الصمت والمشاهدة.
أُحب دائما أن تكون علاقتي بالمسجد علاقةَ الصمت والمشاهدة. ليس المسجد وحده، بل أماكن العبادة باختلافها، في ثقافات وأديان. ولا أستطيع أن أفسر لماذا هذا السلوك على هذا النحو. لكنني الآن، على نحو آخر، أنظر إلى الدين كدين، في العالم، في حضارات وثقافات. منه ما هو دين سماوي (دين الكتَاب)، ومنه ما هو أديان وثنية، في آسيا على الخصوص، ثم في بعض المناطق الإفريقية. ما يدفعني للتأمل أيضًا، هو النزعةُ الدينية. النزعة الإسلامية أولا، ثم النزعة اليهودية والمسيحية. حيث يصبح الدين ذا وظائف جديدة في المجتمع، كما في السياسة والاقتصاد والثقافة، ومنها الأدب والشعر. وأنا في هذا، أشتغل بطريقتي دون أن أكون متكلما دائما في هذه القضايا. إنها تحتاج إلى تأمل وإلى مناقشة في حدود ما هو ممكن.& وأظن أن ما يُسمى الآن، بالأدب الإسلامي يحتاج إلى قراءة نقدية، حمايةً للشعر، وحمايةً للشعر العربي والأدب العربي. وأنا كما تعلم، أكاد لا أنشر شيئا في المغرب، أي أن صمتي ليس محصورا فقط عند ما هو ديني، ولكن يمتد ليشمل كلَّ شيء. وسببُ ذلك، هو أنني أكاد لا أجد أين أنشر في المغرب.& والمجال الوحيد المفتوح لي للنشر هو جريدة "الحياة" اللبنانية، وأنا أكتب فيها باستمرار، مع علمي أنها بعيدة عن القارئ المغربي الذي لايستطيع أن يتابع ما يمكن أن أكتبه.

بالتحاقك بالجامعة، صار كارل ماركس صديقا لك في الأدب والحياة. هل مازال كذلك؟
كارل ماركس فيلسوف كبير. ولكنني لم أعد لقراءته منذ سنوات. وربما الأسئلة التي هي مطروحة علي اليوم ليست هي الأسئلة التي كانت مطروحة علي من قبل. لم أتعامل مع كارل ماركس في يوم من الأيام، كخطاب غير قابل لعدم الاتفاق، أو كخطاب مُغلق. بمعنى أنني، من ناحية، كنت بيني وبين نفسي أفتح بعض الحوارات مع ماركس في الحدود التي أستطيع أن فتح حوارا معه فيها، وفي الوقتِ نفسِه، كنت متحررا من الجوانب التي تقول بها الماركسية، وأنا لا ألتزم بها، ولا أقتنع بها. من ثم فإن علاقتي به كانت هي علاقة مع مفكر كبير، أعطى نسقا فكريا جديدا للثقافة الإنسانية.& طبعا، أعطى أيضا الآمال، والأوهام. وهذا كله في أحيان كثيرة، مناقض لما كنتُ احلم به على المستوى الفردي، بخصوص موقع الذات داخل المجتمع، أو داخل الإبداع، أو داخل التاريخ.
كنتُ دائما، أستغرب للطريقة التي يتعامل بها بعض المثقفين الماركسيين العرب مع ماركس. وقد كتبتُ بهذا الخصوص تأملا، نشر في مجلة "الطريق"، استجابةً لرغبة الصديق المرحوم حسين مروة، الذي كان طلب مني، شخصيا، أن أكتب عن علاقتي بالماركسية، فكتبتُ كلمة حرة.& لا أنسى تلك الحرية التي كانت لحسين مروة دائما، وذلك التقدير الذي كان يحتفظ به& في علاقتي معه، وهو يعلم أنني ماركسي ثقافيا، ولست ماركسيا سياسيا ولا حزبيا. وهذا يعني أنني لم أنْتم في حياتي لأي تنظيم سياسي. وهو أمر استغرب له عندما أنظر إلى كثير من الأعمال التي حاولتُ القيام بها ابتداء من السبعينيات. ولذلك، فعلاقتي بماركس كانت هي علاقتي بمفكر كبير، أنظر إليه كما كنت انظر لأرسطو، وكما أنظر لديكارت، أو هيغل. باختلاف، أنه في المرة الأولى كان يقدم لي إحساسا بأن العالم يمكن أن يصبح كما هو بشَّرَ به مع انجلز، فإذا بهذا العالم يختار وجهةً أخرى.& علاقتي بماركس هي علاقةُ من لا ينسى فيلسوفا كبيرا، ولكن لا يجعل منه البابَ الوحيدة التي يمكن أن تؤدي إلى المعرفة الإنسانية.

أصدرتَ سنة 1974، رفقة مثقفين آخرين، مجلة "الثقافة الجديدة". هل تشعر الآن أن مشروعها الثقافي استطاع بالفعل تجاوزَ بنية الثقافة التقليدية المساوقة لها؟ ثم هل مازال قرار منعها قائما ؟
كانت مجلة "الثقافة الجديدة" إعلانا عن خطاب أساسه السؤال. وذلك في وقت لم يكن فيه من الممكن أن تطرح السؤال. كنا نشعر، عبد الله راجع وأنا، بأننا لا يمكن أن نكتب قصيدة جديدة أو رأيا جديدا دون أن نخلق مجلة نستقل بها. كان إنشاء "الثقافة الجديدة" يصدر عن سؤال لا يتوقف وعن عدم التنازل عن السؤال. من الصعب اختزال تاريخ هذه المجلة، لكني كنت أتألم دائما للتعتيم الكبير على دورها،& وهو تعتيم يتناقض مع ما يمكن أن نلمسَه من تأثير كان لهذه المجلة في المغرب، ومع الصورة التي كانت بدأتْ تعطيها عن الثقافة المغربية خارج المغرب، سواء عربيا أو خارج العالم العربي.
في يناير 1984، بعد عشر سنوات عن الصدور واتساع التأثير، جاء أمرُ توقيف المجلة، ولم يكن هناك منع، لأن المنعَ يحتاج لمسطرة قانونية لم يستعملها وزير الداخلية آنذاك. وأنا الآن لا أهتم& بهذا الموضوع، ولا أعرف هل هي ممنوعة أم لا، فلم يصدر أي توضيح بهذا الشأن عن وزير الداخلية ولا وزير الثقافة. لن أسأل أحدا ولن أضيف احتجاجا. أنا في خضم أشياء أخرى. وفوق ذلك، أعتقد أننا عربيا، لسنا بحاجة إلى مجلة اسمها "الثقافة الجديدة"، ولسنا& بحاجة لنكرر تجربة "الثقافة الجديدة"، بل نحتاج& لمجلة تجيب على أسئلة هذا الزمن. علينا أن نترك "الثقافة الجديدة"، بهذا التوقيف الذي أعطاها دلالتَها، علامةً على مرحلة زمنية بكل ما فيها، فكرة لاختراق ما كان يستعصي اختراقه، وإقامة في المكان الذي كان مصدر اتهام بما شاء لهم آنذاك أن يتهموا. وتظل بذلك شهادة على أن ما وهبنا حياتنا من أجله كان في الطريق الصحيح إلى مفهوم جديد للثقافة في المغرب.
أعود إلى "بيان الكتابة"، حيث كنتَ طرحتَ علاقة تبعية الشعري والثقافي للسياسي. ماهي في نظرك،& حدود تغير هذه العلاقة في ضوء التحولات المفترَضة للشعري وللسياسي في المغرب الآن ؟
طرحتُ هذه الفرضية بصدد المؤتمر السابع لاتحاد كتاب المغرب، الذي أعلنتُ على إثره انسحابي من الاتحاد نهائيا. وقد عشتُ بعد الانسحاب عذابات لم أكتبها إلى الآن. ويمكن أن يأتي يوم& أكتب فيه هذه تفاصيل هذه العذابات بوثائقها، للبرهنة علنية على& ما الذي أقصد بهذه الفرضية. وقد كنتُ أثرتُها من قبل (بقليل) في "بيان الكتابة" لأطرح بها سؤال& الشعر المغربي الحديث منذ الثلاثينيات حتى وقت كتابة "بيان الكتابة" (المنشور في العدد 19 من مجلة "الثقافة الجديدة"، سنة 1981). فرضية تعني تبعية كنت أراها في اتجاهين. اتجاه أول، تصبح حقيقةُ الخطاب السياسي، في إطاره، حقيقةَ الخطاب الشعري، كأن الشعر ليس له حقيقة يبحث عنها. وهذا يُلغي الشعرَ تماما كفاعلية إبداعية استثنائية على المستوى الإنساني. وهذا الموقف، كما سميته،& موقف ديني، فقهي، حيث إن السياسي في المغرب الحديث فقيه، لم يستطع أن يطور لا فكرَه السياسي ولا ممارستَه مع المعرفة. وفي الاتجاه الثاني، تتمثل التبعية& في كون المؤسسة السياسية هي التي تُعيِّن وتُحدِّد الأوضاعَ الشعرية، كما أنها هي التي توزع الألقاب الشعرية. وقد كان كل هذا ناتجا، برأيي، عن فقر الساحة الثقافية المغربية إلى إمكانياتٍ للنشر، حيث كانت الصحافة وحدها هي الموجودة. وقد كانت هذه الصحافة بيد الأحزاب. وكان طبيعيا أن يكون مجموعة كبيرة من الأدباء والكتاب يتقربون إلى الأحزاب، أو يخضعون لها لكي ينجحوا في النشر. ولكنهم لم يكونوا يدركون أن هذا التنازل كان في الحقيقة تنازلا عن الكتابة. لهذا كان لدينا فشل كبير، لعقود. ومن هنا، كان تفكيري أن الانتقال من الجريدة إلى الكتاب سيخلق بنيةً جديدة مختلفة. وأنا أكاد أجزم بأن نشوء دور نشر بالمغرب لعب دورا كبيرا في تحرير القصيدة من هذه التبعية للسياسي. ونحن منذ فترة، أصبحنا نملك جرأةً اكبر على أن نقول " لا" للسياسي، بلغة مختلفة، رغم أننا، للأسف الشديد، ما زلنا نعيش تحت هيمنة السياسي، لأنه هو الذي يملك الصحافة المكتوبة. والصحافة المكتوبة لها تأثير كبير على القيم الثقافية، في منطقة لم تتبلور فيها تلك القيم بشكل يجعلها تحمي نفسها من كل القيم المضادة. فلهذا، يمكن الآن، كما أمكن منذ أواسط الثمانينيات، لشاعر أن يكتب ما يشاء. وفي اعتقادي، أن جيل السبعينيات قام بهذا الدور لكي يهيئَ الأرضية لجيل الثمانينيات والتسعينيات. فما عشناه من ضغط، ومن عنف رمزي للخضوع والإخضاع، لم تكن مواجهتُه ممكنةً فقط بمجرد قول "لا". فنحن كنا بحاجة إلى أفعال كثيرة.
أظن أننا الآن اجتزنا هذه المرحلة الأولى، وأصبح خطابُنا أكثرَ نقديةً مما كان عليه في أي مرحلة سابقة. لا يعني هذا الكلام أننا استطعنا القيام ببناء قيم ثقافية. هذا مشكل آخر. نحن نعيش وضعا شعرياً منفجرًا، مبدعاً. ولكننا نعيش، في الآن ذاته، مآزق كبرى لهذا الخطاب الشعري. فعدم تبعية السياسي، ليس وحده الذي تتطلبه القصيدة. بل يجب، إلى جانب ذلك، أن نقوم ببناء قيم شعرية. وبدون هذه القيم الشعرية لا نستطيع أن تكون لنا بالفعل، حماية للقصيدة، سواء من الايديولوجيا، أو من اللامعرفة، وهما معا خطيران على كل مستقبلٍ شعري.
&
لم تختر بشكل حاسم أن تكتب باللغة العربية. شاءت ظروفٌ تكوينِك الأولى ذلك. هل تشعر أن مسارك الشعري كان محاطا بإرغاميات هامش تداول اللغة ؟
لست أدري كيف كنتُ سأكون لو كتبتُ بغير اللغة العربية. أنا أعتبر أن رأيَ الشعراء الألمان، خاصة هولدرين، ثم رأي هيدغر في العلاقة بين اللغة وبين الإقامة، ثم بين اللغة والشعر والإقامة على الأرض،& منطلقَ كل تفسير حديث لمفهوم اللغة في الشعر أو مفهوم الكتابة.
نعم، للغة العربية عوائق عديدة، سواء على مستوى البناء أو التداول. وأجد هذا حافزا على القيام بعمل استثنائي للشاعر. فأن يأتي شاعرٌ عربيٌ إلى اللغة العربية ويشتغل عليها من أجل تحديثها فهذا& مدهش. عندما أسمع بعض الأوربيين يقولون بأننا نكتب بالعربية الكلاسيكية، لا أفهم هذه الجملة، حيث إن هناك عربية حديثة لا علاقة لها بالعربية القديمة. وأنا معتز بأن أكتب بهذه اللغة العربية الحديثة، التي كتبها وجددها شعراء وكتاب كبار، من جبران خليل جبران إلى طه حسين، إلى الشابي، إلى بدر شاكر السياب، إلى نجيب محفوظ، إلى أدونيس، إلى محمود درويش. وبطبيعة الحال، هذه مجرد عينة مهمة بالتأكيد لهذه الأسماء التي قامت بثورة التحديث وبكتابة عربية لم ندرس بعد خصائصها وتميزها عن العربية القديمة. فأنا سعيد أن أشتغل على لغة تحتاج إلى ثورة، وهذا من أهم ما لم يستطع أن يستوعبَه أصدقائي في اليسار المغربي، الذين لم يفهموا على الإطلاق توجهي في السبعينيات نحو الاشتغال في قضايا ثقافية، وفهم الشعر بطريقة لم يكونوا يقتنعون بها.
أما التداول، فهو مطروح علي كسؤال، وخاصة في البدء. حقيقة، نحن في المغرب نعيش مرحلةً مأساويةً كبرى، ولا افهم كيف يمكن أن يكون المستقبل. و ما يهمني هو أن أكتب بهذه اللغة، وأكونَ أكثر صرامة مما كنت في كل مراحل حياتي تجاه هذه اللغة والكتابة بها، لأنني لا أتوهم شيئا. إنني أكاد أكتب لأجل هذه اللغة وحدها. لا أكتب لأي شخص على الإطلاق، بمعنى أنني أكتب وأنا لا أتخيل شخصا ما سيقرأ ما أكتبه بالعربية. هي تجربة تعمدتُها، سواء في القصائد التي تأخذ أحيانا حيزا واسعا يصل إلى ديوان بكامله، أو في مجموعة من النصوص النثرية.
ليس لي اختيار آخر.ليست المسألة بالنسبة لي أن أتقن أو لا أتقن لغة أخرى& لأكتب بها. إذ لا يمكن أن أوجد إلا بهذه اللغة، وفي هذه اللغة، التي هي اللغة العربية. أقصد لغة عربية حديثة، يكتبها وشعراء وكتاب، ومبدعون، يعيشون زمنَهم بكل آلامه، وبكل أسراره في آن. ومن ثم، فأنا لا أعتقد أن هناك تجربة أقوى في حياتي من الكتابة باللغة العربية. بل أقول، ربما كنتُ& أُلخِّص ما& قمت به في حياتي فيما أنجزته من أجل الشعر ومن أجل العربية كلغة شعرية حديثة.

دائما في الإطار ذاته، تُرجِمت مجموعةٌ من نصوصك إلى لغات أخرى، و تُرجم ديوانك "هبة الفراغ" إلى الفرنسية، كما أن "نهر بين جنازتين" في طور الترجمة إلى الفرنسية أيضا، بعد أن فاز بجائزة الأطلس للترجمة، فهل يشكل ذلك بحثا عن حياة أخرى لتجربتك الشعرية؟
أنا لا أختار دائما ترجمةَ قصائدي أو أعمالي إلى لغات أخرى. لماذا نعتقد دائما أن الشاعر هو من يبحث عن ترجمة قصائده. هناك الآخرون الذين يستكشفون الشعر العربي ويريدون التعرف عليه، ومن بينهم من يلتقي بقصائدي وبأعمالي ويتولى ترجمتها. ولا أفهم لماذا يتم تصور أنني أسعى لتترجم أعمالي إلى لغات أخرى.

لا. لم أطرحْ السؤال بهذه الصيغة !
طبعًا. ولكن هناك من كتبوا كتابات آلمتني كثيرًا، لأنها تنظر فقط بنوع من التحقير لما يمكن أن أقوم به، كيفما كان هذا العمل، حتى لو تعلق الأمر بترجمة بعض أعمالي. ولا أريد أن أعطي معلومات أكثر مما يعرفه المتتبعون في هذا المجال. وأظن أن الزمنَ هو الذي سيكشف عن الأعمال التي تُرجمت لي، لحد الساعة، إلى عدد من اللغات، وبأشكال كانت مفاجِئة بالنسبة لي. هذا يُفضي بنا إلى المتخيل العربي، و المتخيل المغربي بتحديد أكثر. لأننا تعتقد عادة، بأن العالم يعرف الشعرَ العربي من ألِفه إلى يائه، وبأن له أحكاما نهائية عنه. وهذا كله غير صحيح على الإطلاق. هناك مناطق لم تسمع بعد بالشعر العربي بتاتًا، وإن& كان ثمة بالفعل، شعراء وكتاب يتعاملون بعقل متحرر ولا يعانون من هذه المشاكل التي نعاني نحن منها.
&
أما&الترجمة، ومنها ترجمة بعض إنتاجي، فأنا أعتبرها اكتسابا لحياة أخرى. إن الترجمة اختبار لقيمة& ما أكتب وحدود انتمائه لهذا الزمن. وهذا هو ما يهمني. ولذلك، فإن كثيرا من القضايا النظرية التي نتداولها في المغرب أو عربيا هي خارج ما يجري في العالم. إذ أن العالمَ& ينظر بصيغة أخرى للأشياء. وهذه هي الخلاصة الأولى التي تعلمتها. والخلاصة الثانية، هي أن الترجمة تجعلني في حوار أوسع مع قارئ ومع شاعر ومع مهتم بالشعر حيث لم أكن أعتقد أنني سألتقي به. وهذا ما يجعل قارئ قصيدتي دائما يفاجئني حيث لا أدري ولا أتوقع أن أجده.
أضيف أن الترجمة أفادتني في حماية ما أكتبه من الضجيج وفي حماية العربية، التي أصبحت منبوذة في بلدي وعلى يد أبناء بلدي أنفسهم.

كان هاجسُك دائما هو ممارسة كتابة تتنكر لكل سلطة، وتهدمُها. ما الذي تفعله كي تحمي نفسَك من أن تصبح نفسك سلطة شعريةً ؟
أولا، أنا لا أجعل من قصيدتي حقيقةً. هي قصيدةٌ بين القصائد، قابلةٌ للهدم. ولكنها قابلة للهدم وللنقد على أسس معرفية. هناك من يتوهم أنها قابلة للهدم بيسر. عندما ننظر إلى هذا البعد، بعد الهدم، في الثقافة العربية، نجد أن تاريخ القصيدة العربية الحديثة كان دائما يحفل بالواهمين بهدم أعمال غيرهم دون أن تتعرض أعمالُهم بدورها للهدم. هؤلاء الواهمون لا يفهمون أن العمل الشعري (والأدبي عامة) مؤسسة غير قابلة للهدم وللمساس بها إلا ضمن رؤية محددة وشرائط محددة. ولا أحس بأن كتابتي خلقَت شروطا لإلغاء سواها، أو للحديث باسم حقيقة الشعر، أو بالنظر إلى ذاتها كنهاية لما يمكن أن يُكتَب. من هنا، كنت واضحا منذ "بيان الكتابة"، عندما كتبتُ بأن البيان نفسه، لايعبر، أولا، عن جيل السبعينيات، بل عن قصيدة شخصية. وبأنه، ثانيا، لا يطرح قواعد تُفرَض على أي شخص آخر. هذا البيان خاص فقط بما رأيتُه أنا في قصيدتي، وبما يظهر لي قريبا مما أفكر فيه وأسعى إليه.
وما حصل في اللاحق كان أمرا فاجئني، ولم أقصد تحقيقَه. حيث كان لهذا البيان تأثير في مجموعة من شبان تلك الفترة، كما كان له تأثير في أكثر من مكان ثقافي عربي. وهنا أصرح، لأول مرة ربما، أن الكاتب الروائي الجزائري رشيد بوجدرة قام في الجزائر بنشر البيان نفسه باسمه، مع إدخال بعض الأسماء الجزائرية. ويشكل ذلك دليلا على أن هذا البيان لم يكن يُعبر عن ما أفكر فيه فقط، بل كان يعبر أيضا عن كتاب آخرين، بما فيهم الكاتب رشيد بوجدرة الذي هو أكبر مني سنا وأكبر مني خبرة كتابية، ولم يكن على الإطلاق في حاجة لأن ينسب إليه البيان. ولكن يبدو أن هذا البيان كانت له كل هذه القوة.
ويبدو لي أن ما كتبه ميشيل فوكو عن السلطة مقنع . فسلطة أي عمل تكمن في الأسئلة أو الجدل الذي يثيره. من ثم لا يوجد شيء اسمه& النهائي في القصيدة التي أكتبها& مادامت هذه& تقوم على المحو، أي على ما لا ينتهي في القصيدة.

يتجه العالمُ نحو الانتظام في إطار قرية كونية. ما الذي يستطيع أن يفعله الشاعرُ هناك ؟ وماذا يعني، بالنسبة لك، أن تكون شاعرا الآن ؟
الشاعر يبدأ الآن دوره، بخلاف ما نسمع ونقرأ عن الشعر والشاعر، في الكتابات الاختزالية. في هذه اللحظة يعود من جديد سؤال هلدرلين عن ما معنى الشعراء في زمن الضيق والشدة. لربما لم يظهر دورُ الشاعر منذ فترة بقوة مثلما يظهر الآن. الشاعر هو الذي عليه أن يدافع عن اللغة، إذ لا وجود للغة بدون شعر. ثم، لابد للشعر أن يدافع عن معرفة الدواخل. تعيش الإنسانيةُ الآن، تمزقات نفسية عنيفة، كما تعيش افتقادَ المعنى. وهو ما يجعل الحلكة تستولي على الإنسان في أكثر من مكانٍ في العالم.
نعم، إن العالم الآن قرية كونية، لأننا توحدنا مع العالم في المشاكل الكبرى، مع كوننا لم نستطع حل مشاكل حلَّها جزءٌ آخر من العالم قبلنا. والشاعر باللغة العربية، كما هو الشاعر في مجموعة من اللغات الثانوية في العالم، مطالبٌ بوعي أكبر بهذا الدور، ومطالبٌ بمعرفة كيف يدافع عن الشعر. وهذا هو السؤال المطروح الآن.
إن التقنيات المتطورة تقرب المسافات، وهي تقرب المعلومات وتعيد توزيعها وتبادلها عبر الأنترنيت، مثلا.لقد كانت لي وجهة نظر في استعمال الانترنيت، عبرن عنها في ندوة ، نظمتها دار الأدب ببرلين، بألمانيا ، حيث نبهتُعلى أنه علينا أن لا نخلط بين المعلومة وبين التجربة. فإذا كانت التقنيات الحديثة تعطينا المعلومة،& تقربنا منها، تجعلنا نتبادلها في اسرع وقت ممكن، فإن الشعر ليس معلومة. وكما هو معروف، فإن الدول المتخلفة تنجذب إلى التقنيات أكثر من الدول الغربية أو الدول التي نصنع التقنية، وتعتبرها امتيازا وسلطةً في آن. إنها السحر. ومالك التقنية ساحر بإمكانه بلوغ المحال. يقوم عن طريقها باكتساب ما يحقِّق التفوقَ والسيادة، ثم ما يجعله يظن&أنه يحل ما لم تستطع حلَّه منذ فترة طويلة من قضايا، سواء نظرية أو عملية.
باهتمام كبير أتابع العلاقة الجسدية للشاب بجهاز الكومبيوتر، وأتابع الخطابات التي تُكتَب من طرف الشباب عن العلاقة بالكومبيوتر، والأنترنيت، وخاصة في الحقل الأدبي والشعري، أتأمل وأتابع، أقول : نعم، نحن في قرية صغيرة، ولكن صوتَ الشاعر يظل، دائمًا، صوتًا معزولاً في جزر تتناءى وحيدة، يضاعف الصمت عزلتها، هناك، حيث تحافظ الكلمات على الدهشة، الصدمة، المعنى.
حسن الوزاني: شاعر مغربي مقيم في الرباط.
&القسم الاول من الحوار
قصيدتي هي التي كانت تُملي علي التأملات النظرية
&أعمال محمد بنيس
&


التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف