&
أكتب بنفس تلقائية الاستجابة لنداء الكتابة
&&&&&&&&&&&&&&&&&&&
&حاوره : حسن الوزاني
&
محمد بنيس، استاذ جامعي، ناشر، رئيس بيت الشعر في المغرب، وهو قبل كل ذلك، شاعر ومنظر للشعر.&وهذا الحوار الهام والطويل،&سفر في عالم واحد من أهم الاسماء الشعرية العربية اليوم. هنا القسم الاول من الحوار.
أصدرتَ مجموعتك الأولى "ما قبل الكلام" في نهاية الستينات (1969)، وانتميتَ لجيل السبعينيات، ونسجتَ حضورك بشكل مستمر وأعمق خلال اللحظات اللاحقة. ما الذي منحك إياه هذا السفر ؟
أُحس أحيانا أن هذا السفر كانت مدته ليلة واحدة. وأحيانا أُحسه وكأنه تطلب أعمارا وأنا أنظر إليه الآن. أي بعد اكثر من ثلاثين سنة على اللحظة الأولى ، التي وشمتَها أنت بصدور ديوان "ما قبل الكلام". سؤالُك يطرح علي الزمن في معنيين : الزمن الأفقي الذي عشتُه وخطوتُ فيه منذ نهاية الستينيات حتى الآن، بما يعنيه من تقاطعات مع الحقل الثقافي المغربي والقصيدة المغربية، أو عربيا أو إنسانيا. وهذا ما أسميه بالزمن الخطي؛ ثم هناك زمن آخر& لا نراه، وهو الزمن العمودي الذي عشتُه داخل القصيدة ومع القصيدة، أقصد الأفعال الشعرية المتعددة التي كنتُ من خلالها، كل مرة، أحاول البدء& من جديد في البحث عن القصيدة.
هذان الزمنان معا لا ينفصل أولهما عن الثاني. ولكن، أعتقد أيضا أن زمن القصيدة وما عشتُه في القصيدة يكاد يكون& مستقلا بذاته، ويكاد يكون سريا ومكتوما لا نعثر عليه إلا في آثار هذا الزمن على القصيدة ذاتها. بمعنى كيف انتقلت القصيدة من حال إلى حال، وكيف كانت في البداية تنظر إلى اللغة وإلى الصورة، وإلى ما هو خارج القصيدة، وإلى الزمن، وإلى العالم وإلى الإنسان بطبيعة الحال. ثم كيف كانت كل مرة تصطدم بما يجعلها تعيد النظر في هذه الطريقة التي كانت لها مع ذاتها أو مع خارجها،& من أجل أن تغامر من جديد في أفق كان دائما بالنسبة لي مجهولاً.
إذا قلتُ شيئا بخصوص هذا السفر، فربما سيكون هو أنه لا يمكن أن نقيس السفر، عمرَ الشعر والإبداع، أو عمرَ شاعر بالزمن الخطي. بل فقط بهذا الزمن،& الزمن العمودي، أي هذا البعد العميق لما يجعل من القصيدة قصيدةً أو من العمل الأدبي عملا أدبيا. وأحس أن هذا الزمن العمودي كان زمن اختبارات، كانت فيها القصيدة دائما تتحدى نفسها، باحثةً عن كيف يمكنها أن تنتقل إلى خبرة شعرية وكيانية في الآن ذاته. بمعنى، أنني ربما أكون في هذه المرحلة عشتُ مع هذه القصيدة أسئلةَ الشعر المغربي. وفي نفس الوقت، حاولتُ أن أجعلَ من& أسئلتي جزءا من هذه الأسئلة المطروحة على الشعر عربيا وإنسانيا.
لم أتعلم من سفر هذه المرحلة دائما الطريقَ الواضحَ في كتابة القصيدة ولا أن أتفادى نتائجَ المغامرة التي هي دائما اندماج في المجهول واعتباره الطريق الوحيد الممكن لكتابة قصيدة تبحث عن ذاتها بما هي متفردة به. ولا أعتقد بعد هذا أن هذه الحياة كانت حياةَ من يملك أسرارَ القصيدة. بل بالأحرى، هي حياة من يكتشف كل لحظة أسرارَ هذه القصيدة، وأيضا عذابات هذه الأسرار، وما يمكن أن يصطدم به في القصيدة وخارجها. أي في تصوره للقصيدة الحديثة وفي القيم الاجتماعية التي تحيط بالقصيدة. هذا كله يجعلني باستمرار أنظر بريبة لما وصلت إليه القصيدة، ولما أنا دائما منخرطٌ فيه، في حياة، أجدُها دائما& تبتعد أحيانا ثم تقترب، ولكنني أدفعها وأُلح في مواصلة السفر فيها ومن أجلها.
لنبق، إذن، في مجموعتك& "ما قبل الكلام". إلى أي حد استطاعت هذه المجموعة& أن تخترقَ بنية "السقوط والانتظار" التي حكمت المتن الشعري لجيل الستينيات بالمغرب، حسب ما أثبتتَه في بحثك "ظاهرة الشعر المعاصر بالمغرب". وأطرح هذا السؤال بمنطق التساؤل عن حدود إمكانية اختراق تجربة شعرية ما للمتن الشعري العام المساوق لها.
"ما قبل الكلام" هو ديواني الأول، قصائد أولى كتبتُها بين 1966 و 1969،& كاستجابة لتورطي في حب الشعر وجمالية القصيدة. لكنني في هذه المرحلة، لم أكن على وعي بكثير من القضايا التي تعيشُها القصيدةُ،& سواء المغربية أو العربية. فضلا عن ذلك، يبدو لي أن القصيدةَ المغربيةَ المعاصرة بدأت، تقريبا، في هذه المرحلة. نلاحظ ذلك مع& شعراء الستينيات الأساسيين، وهم أحمد المجاطي،& ومحمد الخمار الكنوني، ومحمد السرغيني، وعبد الكريم الطبال، ومحمد الميموني، بالإضافة إلى أحمد صبري ، وأحمد الجوماري. |
وكان أغلب هؤلاء الشعراء يكتبون قصائد تحترم نمط البيت القديم إلى حدود أواسط الستينيات. كما كانوا ينشرون هذه القصائد في مجلات مغربية مثل مجلة "دعوة الحق"، ابتداء من مرحلة الاستقلال، كما نشر بعضُهم، مثل عبد الكريم الطبال ومحمد السرغيني (الذي كان ينشر باسم محمد نسيم، الشاعر المصري)،& قصائد ذات طابع رومانسي في مرحلة ما قبل الاستقلال. ولم يبدأ هؤلاء الشعراء بكتابة قصيدة معاصرة والاهتمام بها إلا في أواسط الستينيات. إذن، لم يكن مفهوم بنية السقوط والانتظار واضحا في هذه المرحلة، حتى في هذه القصيدة المعاصرة. ولذلك، فقد كنتُ اشتغلتُ في رسالتي عن الشعر المغربي المعاصر من أواسط الستينيات إلى سنة 1975. وفي هذه المرحلة، تحددت البنيةُ التي اعتبرتها بنية السقوط والانتظار. بمعنى، أنني عندما كنت أكتب قصيدتي لم تكن القصيدة المغربية المعاصرة حاضرةً، سواء في الساحة الثقافية أو في الذخيرة الشعرية التي كان من الممكن أن اعتمدها في كتابتي. أنا بالعكس، كنت موزعا بين مجموعة من الشعراء. و من أهم الشعراء العرب الذين واكبتهم بدر شاكر السياب، وخليل حاوي، الذي كنتُ أنظر إليه نظرة تقدير خاصة، أو صلاح عبد الصبور الذي كنتُ أحيانا أحس أنه يمكن أن يبحثَ عن قصيدته هو، أو أدونيس الذي كان آخر من تعرفت عليهم من هذه الفئة. ولكن بالتزامن مع ذلك، كنت منفتحا على الشعر الأوربي والأمريكي. وبالتالي كانت انشغالاتي على مستوى الكتابة الشعرية خارجَ الاهتمام ببنية السقوط والانتظار وخارج مواجهتها. وأظن أن هذه المرحلة كانت بالنسبة لي مرحلة قصائد. وربما كان أهمها قصيدة "آخر مذكرات المعتمد بن عباد" التي أَعتبرها قصيدة تطلبت مني مجهودا شعريا ومجهودا ثقافيا. وهي لا تدخل في هذا السياق العام. لأن هذه المرحلة الأولى بالنسبة لي هي مرحلة الرومانسية الحالمة التي يمكن أن تفضي لنوع من الصوفية الأولى.
&
شبَّه الشاعر المغربي عبد الله زريقة الوضعَ الشعري بالمغرب خلال السبعينيات، بغرفة مغلقة يملؤها الصراخ. في مجموعاتك "شيءٌ عن الاضطهاد والفرح" (1972)، و"وجهٌ متوهج عبر امتداد الزمن" (1974)، و"في اتجاه صوتك العمودي" (1980)، يحضر شيء من الصراخ ذاته، بشكل مختلف، وباشتغال جمالي أكبر بالطبع. ولكن، ألم يكن واردا أن تكتب "مواسم الشرق"، أو "ورقة البهاء"، أو "هبة الفراغ" خلال السبعينيات نفسها ؟
أظن أن الدواوين الثلاث (شيء عن الاضطهاد والفرح، وجه متوهج عبر امتداد الزمن، في اتجاه صوتك العمودي) يمكن أن تكون شبه ديوان واحد. مع حدود من الاختلاف بينها. فيما يخص ديوان "شيء عن الاضطهاد والفرح"،& كان تجربةَ انتقال نفسي وشعري أيضا. كنت أخذتُ أحس به منذ نهاية "ما قبل الكلام". أي كيف يمكن أن أرى المجتمعَ والتاريخَ والمصيرَ الجماعي كجزء من مشروع القصيدة. كان هذا شيئًا بديهيا بحكم واقع الشعر العربي آنذاك، في مرحلة تزامنت مع قيام حركة يسارية عربية في السياسة وفي المجتمع وفي الأدب، وفي مقدمته الشعر بطبيعة الحال، ترُدُّ على واقع الهزيمة التي عاشها العرب في 1967. وكان الجواب على سؤال "كيف يمكن أن تكون القصيدة ؟" متعددًا. كنت آنذاك طالبا في الجامعة وقريبا جدا من اليسار ، وكنتُ أيضا متعاطفا مع الحركة الماركسية العالمية ومع مجموعة من الشعراء في مقدمتهم، مثلا، بابلو نيرودا . وجعلني هذا الشرط الثقافي والاجتماعي والتاريخي العام أُومن بأن أكتب " قصيدة مضادة" كما هو الأمر بالنسبة ل"وجه متوهج عبر امتداد الزمن". أي أنني كنت واعيا بأنني أكتب شيئًا مضادا للشعر، دون أن أعرفَ بالضبط ماذا أكتب، ولكنني كنت اعرفُ انه سلب لما هو معيار شعري.
إن ما تمت تسميته بالصراخ، أسميه أنا بالنشيد. لقد كان نشيدا بصوت جماعي، أو بالأحرى، نشيدا للصوت الجماعي. وقد لاحظتُ في بداية السبعينيات، أن هذه القصيدة التي أكتبها في مأزق، لأنها لا تستجيب لبحث جمالي استثنائي، يفتح لي أفقا لم أكن أعرفُه. وفي الوقت ذاته، كنتُ أحس أن وجود خطاب شعري نقدي وثوري أيضا، يجب أن يسلك مسارا آخر. وكنت في هذا النقد لهذه القصيدة متابِعا لفكر نقدي وجمالي، فرنسي بالخصوص، مرتبطٍ بالحركة البنيوية وبتيارات المرحلة التي تبلورتْ أفكارُها في فرنسا على الخصوص، والتي تجعل من اللغة حقلا لكل ممارسة كتابية نقدية ومضادة. وبالتالي، فإنني اعتبرتُ الكتابةَ فعلا ثوريا ضمن الفعل الاجتماعي الواسع، عندما تتحول إلى فعل مغير داخل ذاتها أولا، لكي تكون مغيرة في الأنساق الأخرى. ومن ثم، فقد كانت قصائد "مواسم الشرق"، التي اختلفت بشكل نهائي عن هذه المرحلة الثانية، التي كانت فيها رغبة النشيد الجماعي مكان الشعري.
لقد بدأتُ آنذاك أتأمل وأقوم بنقد هذه التجربة بعنف ضد نفسي في اتجاهين. من جهة أولى، كنتُ مقتنعا تمام الاقتناع بأن هذه التجربة كان لا بد أن أقوم بها، إذ لم يكن لدي خيار الانتقال إلى وعي شعري مختلف دون أن أمرَّ من هذه التجربة، سواء في العلاقة مع اللغة، أو مع الصورة، أو مع المرجعية، أو مع الدلالة. ومن جهة ثانية،& كان لابد أن انتقل منها إلى شئ أخر أجهله، لا أعرفُه. وهذا ما يجعلني أعود إلى ما ذكرتهُ في البداية حول المجهول. إذ أنني لم أكن& أعرف القصيدةَ، ولكنني كنت دائما مستعدا لأغامر في اتجاهها دون أن يكون لدي شرط مسبق بأن تكون ناجحة أو غير ناجحة، رغم أنني أعتبر& هذه القصيدة، التي غنت باسم الجماعي وردةً. وردة لهذا الزمن. أُعطِيت لي لكي أقول بصيغة أخرى هذه ال"لا" الضرورية لميلاد بحث شعري أو ميلاد قصيدة.
&لا أعتقد، إذن، أن هذه المرحلة كانت غرفةً مغلقة. لقد كانت رحيلا في الأدغال والكهوف على السواء للدخول في اتجاهات متعددة وفي تجارب مفاجئة، وفي حركيةٍ مدهشةٍ مع الشعر، ومع المعرفة الشعرية، ومع الثقافةِ، ومع الإبداع والفنون. وهذا ما يجعلني أنظرُ دائما إلى هذه المرحلة كمرحلة مختَبر إيجابية جدًا على مستوى العمل من أجل القصيدة، ولكن ليس على مستوى القصيدة بحد ذاتها. وأنا دائما أعود للتأمل و للتساؤل. وكل مرة، أجد نفسي غيرَ نادم على ما كتبت. بل ما يهمني هو أن أستمر في ما أكتب بنفس تلقائية الاستجابة لنداء الكتابة. وهذا بالنسبة لي هو، ربما، ما حررني من مجموعة من التقاليد الشعرية، وما قيدني، أيضا، في مغامراتٍ شعريةٍ، تبدو الآن بعد ثلاثين سنة، وكأنها تبحث دائما حيث لا تعرف أن هناك أهوالا ستنتظرها بمجرد الانعطافة الأولى. ومع كل ذلك، فأنا أنظر إلى السبعينيات في المغرب كمرحلة& إبداعيةٍ خلاقة، كانت لها القدرة الكبرى للدفع بالوعي الشعري نحو مواقع الصدمة.& لو أن& الحركة الشعرية المغربية لزمت مكانها وظلت تشتغل بنفس المفهوم الذي كان يؤسسها آنذاك، لبقيت تخشى المغامرة والمفاجأة. ولكن هذه المرحلة أعطت لكل الشعراء تقريبا فرصةَ الخروجِ إلى قصيدة أخرى. من هنا، كانت إيجابياتها. وربما هي التي، تدل، برأيي، على أن جيلَ السبعينيات كان قابلا للمخاطرة حتى لو كان يكتب قصيدة مضادة للشعر، بعكس شعراء الستينيات الذين كانوا يرفضون المخاطرة، ولا يكتبون إلا ما كانوا يعتبرونه ضمانةً لنوع من الشعرية.
هل يمكن الحديث، إذن، عن تداخل الزمنيين الخطي والعمودي اللذين أثرتَهما، خلال مرحلة السبعينات ؟
بالتأكيد. إن هذه المرحلة هي مرحلةُ تعلم كبرى، ومرحلةُ أسفار كبرى من أجل القصيدة، ومن أجل حرية الشاعر الذي يكتب بدون شروط المؤسسة الأدبية، أوفي حمايتها. لقد كان الشعراءُ السابقون يعانون من هذه الحياة القاسية ولكنهم لم يكونوا يجرؤون على& الكلام. ونلاحظ الآن،& أن هناك خطابا أخر، في التسعينيات مثلا، لم نقم بعد بتأمله. وربما يكون السبب هو أننا، في المغرب، نقطع مراحل كبيرة دون أن نعي دلالتها، وكأن الزمن لم يكن، وكأن ما كُتِب لم يكن. وبالتالي، هو ما يجعلنا لا نناقش أو لا نتأمل ما كان موجودا.
إن الزمن العمودي، الذي أتحدثُ عنه بالنسبة لهذه المرحلة، كان هو معرفتي الأوسع بالشعر العربي وبالشعر الأوربي، وعلاقتي المباشرة بمجموعة من الشعراء العرب الأساسيين. ويمكن أن أقول أن هذه المرحلة هي المرحلة العربية لعملي الشعري. فهي التي نشرتُ خلالها بشكل مكثف في مجلة "مواقف"، وشاركتُ خلالها في مجموعة من اللقاءات العربية، وهي المرحلة التي امتزجتْ خلالها كتابتي الشعرية بالاشتغال على مجلة "الثقافة الجديدة"، أو على أطروحتي عن الشعر المغربي المعاصر. ومن هنا يكون الزمن العمودي حاضرا. لكن هذه المرحلة هي أيضا مرحلة كتابة قصائد، كنت أنظر إليها بنوع من الشك، و بعدم التنازل عنها. حيث إن& قصائد "مواسم الشرق"، كُتبت ما بين 1975 و 1982، تاريخ كتابة "مسكن لدكنة الصباح" التي يمكن أن تشكل ديوانًا مستقلاً فيما هي وداع لقصيدة سابقة. غير أنني لم أكن أنشر هذه القصائد ولا ما قبلها لانشغالي& بأشياء كثيرة، حيث كنت أعمل، مثلا، على نشر دواوين أصدقائي، كما كانت مجلة "الثقافة الجديدة" تفترس وقتي، وهو الأمر ذاته سواء بالنسبة لاشتغالي كمسؤول في الكتب المركزي لاتحاد كتاب المغرب، أو في& أطروحتي الجامعية الأولى. لهذا وقع التباسٌ ما، حيث إن قصائدي، التي كتبتها سنة 1973 لم تُنشر إلا في سنة 1980، ضمن ديوان "في اتجاه صوتك العمودي". وكان ضروريا أن تنشر، لأن في مجموعة منها بحثا سيظهر بصيغة أخرى في "مواسم الشرق" المكتوبة بدورها في السبعينيات كما أسلفت.
لهذا أنظر إلى هذا الزمن العمودي في السبعينيات كبعد أساسي لكتابة القصيدة، قصيدتي، ولتعلم متعدد الأبعاد والمعارف، ولتمازج وتداخل الزمنيين الخطي والعمودي. في كل ذلك كانت الحياة الاجتماعية و الثقافية والسياسية حاضرةً، باستثناء أن تكون حاضرةً كانعكاس، كان من قبل& يختزل من قبل القصيدة والكتابة. لقد كان الزمن العمودي، إذن، يحفر مجراه شيئا فشيئا، في الطبقات السفلية، رائيا ومواجها. كنت أحس آنذاك أن القصيدةَ تنقلني إلى عالم آخر مجهولا تماما. هي التي علمتني أسرار المجاهدة، وهي التي منحتني أيضا معارفَ تزودت بها في السفر مع القصيدة إلى القصيدة.
شكلت، إذن، مجموعاتُك الصادرة ابتداء من سنة 1986 (مواسم الشرق، ورقة البهاء، هبة الفراغ، كتاب الحب،& المكان الوثني،ثم أخيرا& نهر بين جنازتين..) اختراقا لتجربتك الشخصية. هل يقوم هذا الاختراق على سعي كتابتك إلى محو ذاتها ؟
-& مفهوم "المحو"، الذي توصلتُ إلى صياغته مع ديوان "ورقة البهاء"، لم أعثر عليه في كتاب نظري أو في دراسة، بل عثرتُ عليه في القصيدة، وفي الطريقة التي اشتغلتُ عليها. من هنا أريد أن أقول شيئا مهما جدا، وهذه مناسبة لأعبر عنه. كثيرا ما أقرأ أن الثقافةَ النظريةَ للشاعر هي التي تملي عليه كتابةَ قصيدته. ويمكن أن أقول، بدون أي التباس، بأن قصيدتي هي التي كانت تُملي علي التأملات النظرية. بمعنى أن انتباهي للقصيدة في بعض الحالات، أو بعض الأسئلة التي تُطرَح علي بعد كتابة القصيدة، أو ما يمكن أن يواجهني به قارئٌ لقصيدتي أو أن ينبهني إلى ما لم أنتبه إليه وأنا أكتب القصيدة، هو عادة ما كان يدفعني، ويدفعني باستمرار، إلى تجديد معرفتي بالقصيدة. وهذا أمر مناقضٌ تماما لما أسمعه وأقرأه. ثمة ما يبرر هذا الموقف. أولا، هناك من يعتقد أن الفكرَ النظري معارضٌ لكتابة القصيدة. وأنا لا أعتبر هذا الأمر حقيقيا على الإطلاق. بالعكس، كل الشعراء الأساسيين في العالم، تقريبا، كانوا يشتغلون على قضايا نظرية، وهي موجِّهة لقراءتنا، أو على الأقل لمعرفة كيف كان يفكر شاعر في قضايا شعرية. ثانيا، إن القصيدة ليست ممارسة نظرية بالسلب، بل هي معرفة. وهذا هو الجميل والمدهش، وهو ما يجعلني الآن أتشبثُ بخلاصات كنت بدأتُ في القبض عليها منذ المراحل الأولى، ثم لازمتني أو أصبحت واضحةً، مثل مفهوم "كتابة المحو". و لا أجد، وأنا الآن مشرف على المرحلة الأخيرة من إنجاز أعمالي الشعرية في ديوان، صياغة لعلاقتي بالكتابة أدقَّ من هذه الصيغة.كلما تأملتُ، وجدت أن حياتي كانت هي هذه الممارسة، ممارسة المحو، وكأنها كتابة محو لما هو ذاتي، ومحو لما هو لغيري.& كتابة المحو فعل للكتابة، وله علاقة بمفهوم ماديةِ الكتابة، وبالممارسة التي تتم داخل القصيدة وداخل اللغة. هذا كله يجعلني أنصت أكثر فاكثر القصيدة، ولمغامرة القصيدة.
تُقيم مجموعة "نهر بين جنازتين" عند الحدود العميقة للعالم وللحياة وللأشياء. تفعل ذلك بكثافة لغوية أقل وبكثير من البياض. ما الذي يستطيع أن يمنحه البياضُ للنص؟
البياضُ كتابةٌ ثانية، وهي كتابةٌ محجوبة. وما قمتُ به في "نهر بين جنازتين" هو نفسه ما قمت به منذ فترة طويلة، ومنذ الدواوين الأولى، و هو غيرُه في& نفس الوقت. لقد جعلتني هذه المراحل الأولى& أقترب من مفهوم الكتابة. مفهومُ الكتابة يختلف نهائيا عن مفهوم النظم، أو عن مفهوم الارتجال. إذ أن الكتابةَ لا تتم إلا بيد وقلم وحبر على ورقة بيضاء. فالاشتغال على الورقة هو الذي جعلني أشتغل على البياض. لكن، هناك عنصر آخر يبدو لي مفيدًا جدًا. ويرجع من جهة، إلى اهتمامي الكبير بالفنون التشكيلية وبالفضاء داخل اللوحة، ومن جهة أخرى، إلى اهتمامي بالتجربة الأندلسية في الكتابة التشجيرية الشعرية، التي هي تجربة مدهشة. وقد وجدتُ تعبيرا عنها بشكل عميق لدى ملارميه، الذي كان أكبر ما استفدتُه منه هو كتابته لقصيدة "هيرودياد" التي تظل قصيدةً مدهشة، أو القصيدة الهوائية كما يسميها البعض.
منذ قصائدي الأولى ، كنت لا أكتب السوادَ فقط، ولكن كنت أكتب البياضَ أيضًا. وأنا أجد صعوبةً كبرى في نشر قصائدي في المجلات وفي الصحف، لأنه عادة ما لا يتم الانتباه عربيا إلى هذا العنصر. وبالنسبة لي، إذا لم يتم احترامُ طريقة تركيب الفضاء، أو البياض، في القصيدة التي أكتبُها، فإن القصيدةَ تموت. ثمة العديد من الأفعال الشعرية التي لا تُرى في المرة الأولى،& لأننا عربيا، ما زلنا ناسين تاريخا للقصيدة وللعين في الآن ذاته نفضل ما هو سماعي على ما هو بصري، دون أن نربط بينهما. وبالطبع، هذا مشكلٌ كبير، وهو قائمٌ حتى في الثقافة الغربية. ما أود الإشارةَ إليه، هو أن البياضَ الذي أحفره على الصفحة لا يوجد، كما هو الأمر بالضبط بالنسبة للأسْود إلا أثناء الكتابة، لا يوجد قبلها ولا بعدها. ولذلك، فأوراق القصائد لا تتشابه، ولا يمكن أن تتشابه، بين ديوان وديوان، بين قصيدة وقصيدة، وبين صفحة وصفحة. أكاد أقول إن هذا الجانب يستحوذ علي لدرجة أنني دائما أحلمُ بتوفري على إمكانيات أقوى من أجل أن أُجسِّد بعض القصائد كما أريد لها أن تكون في فضاء الصفحة.&
كانت هذه التجربة، تجربة البياض، حفر البياض، من بين ما اكتشفتُه وأنا أبحث عن القصيدة ، ربما خارج المتعارف عليه.& لقد كنتُ دائما أعتبر نفسي أبحث في مكان آخر، في شيء شخصي أُحس به.
&
القسم الثاني من مقابلة الشاعر المغربي محمد بنيس:
لا أجدُ أي تعارض بين ما هو مغربي وما هو كوني فيما أكتب
لا أجدُ أي تعارض بين ما هو مغربي وما هو كوني فيما أكتب
&
&
&








التعليقات