مصر والاحتلال والمقاومة:اليمن والعراق نموذجاً
قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
&
&
&
الحالة العراقية الآن هي أكثر ما يُشغل بال الإعلام المصري ومصر الرسمية والشعبية والدينية أيضاً. ولعل مصر بمجملها مشغولة بالحال العراقية أكثر من أي بلد عربي آخر، رغم أن العراقيين والعراق الجديد لم يطلب من مصر أن تكون مشغولة به إلى هذا الحد، وأن تتركه في حاله، وتلتفت إلى مشاكل مصر الداخلية التي أعيت من يداويها!
ولكن كيف تترك مصر العراق لحاله وقد اندحر النظام الذي كان بمثابة "جرّة السمن والعسل" للإعلام المصري وللإعلام الناصري على وجه الخصوص. لقد كتب عيد الستار الجميلي أحد أقطاب التيار القومي العربي الناصري في العراق في مقاله (رؤية ناصرية للقضية العراقية) يقول: " إن النظام الدكتاتوري الصدامي قد شهد - خصوصا في السنوات الأخيرة-& زيارات متكررة لقيادات وأدباء وفنانين ناصريين من مصر،& كان من بينها زيارات متكررة لخالد جمال عبد الناصر، الذي ارتبط اسمه برمز قومي وتاريخي. وهي زيارات أثارت جدلاً وردود فعل سلبية حتى على مستوى المواطن العادي في الشارع العراقي. كما شهدت الفضائيات العربية دفاعاً عن النظام الدكتاتوري من قبل قيادات قومية ناصرية. والتي أثارت مع الأسف الشديد حزناً عميقاً لحجم الخديعة التي مارسها ويمارسها النظام الديكتاتوري، إلى حد أن قيادات ومثقفين قوميين ناصريين، يُفترض أن يكونوا على قدر كبير من الوعي والمسؤولية القومية، قد انطلت عليهم اللعبة، وصدقوا الادعاءات القومية، لنظام وُجد أصلاً لقتل الفكرة القومية العربية، وبالتالي راحوا يشاركون- بالوعي وباللاوعي-& في تعميم الخديعة وزيف الفكرة على الشعب العربي كله.
*
تتركز الحملة الإعلامية المصرية والحملة الرسمية المصرية وكذلك الحملة الدينية المصرية على وجود الاحتلال الأنجلو امريكي للعراق. والإعلام المصري والرسمية المصرية والشعبية لا تُفرّق بين احتلال جاء لمساعدة شعب على التخلص من قوات الظلام والطغيان، بحيث لا قدرة لهذا الشعب على الثورة بنفسه لأن النظام وأجهزته الأمنية كان أقوى من الشعب، واحتلال جاء من أجل اخماد ثورة شعبية وسلب خيرات الشعوب.& فكله عند المصريين احتلال كما أنه "كله عند العرب صابون".
*
فالمصريون لا يفرقون من خلال حملتهم الإعلامية على العراق الجديد بين الاحتلال الفرنسي في 1798 الذي جاء لتخليصهم من شرور المماليك وادخال مصر في عصر التنوير الأوروبي، وبين الاحتلال البريطاني في 1882 الذي جاء لاخضاع ثورة عرابي المجيدة ضد الخديوي.
والمصريون لا يفرقون بين احتلال فرنسا للجزائر في 1830 لسلب خيراتها وضمها إلى الوطن الأم فرنسا، وبين احتلال حلف الناتو وعلى رأسه امريكا لتخليص المسلمين في البوسنة والهرسك من طغيان وجبروت الصرب.
&
فكله عند المصريين احتلال
ومن هنا اعتبر المصريون أن "حملة الربيع" على العراق كانت احتلالاً. نعم، لقد كانت احتلالاً، وقال مجلس الأمن انها احتلال. ولكنه احتلال لم يأتِ لاخماد ثورة شعبية ضد حاكم طاغٍ وظالم ،ولكنه احتلال جاء لتثوير شعب ضد حاكمه الطاغية ولحماية مكتسبات الشعب العراقي واقامة العراق الجديد. ولكن المصريين في الوقت ذاته ينكرون أشد الانكار أن غزوهم لليمن بجيش قوامة ثمانين ألف جندي في 1962 لمؤازرة ثورة سبتمبر 1962 المجيدة كان احتلالاً ، رغم أن مصطلح "الاحتلال" تم تكراره في ذلك الوقت في الأدبيات السياسية العربية والإعلام العربي وخاصة في السعودية والأردن اللتين كانتا مناصرتين لأمريكا في معارضتهما للاحتلال المصري لليمن. بل لقد وُصف تدخل مصر في السودان على أنه "استعمار"، كما تقول بعض أدبيات الأحزاب السياسية السودانية. و "الاستعمار المصري" كان لسوريا كذلك كما تقول أدبيات بعض الأحزاب السورية بعد انفصال الوحدة. وقد رحّب خالد بكداش زعيم الحزب الشيوعي السوري في 1961 بخلاص سورية من "الاستعمار المصري" بعد الانفصال! ورافق انفصال سوريا طرح مفهوم قديم ـ جديد هو& "الاستعمار المصري" من قبل قوى اجتماعية وسياسية متعددة الأطياف. وقد سبق ورُفع هذا الشعار للمرة الأولى من قبل قوى اجتماعية في لبنان عام 1840 طالبة من السلطان العثماني طرد "الاستعمار المصري"، من بلاد الشام، أيام محمد علي باشا.
فلماذا هذا الانكار والاستنكار الآن للوضع في العراق؟
فالجيش المصري عندما ذهب إلى اليمن بثمانين ألف جندي لمساعدة الشعب اليمني على الخلاص من الظلم والظلام الإمامي الملكي الكهنوتي لم يعتبر الإعلام المصري أن هذا الجيش هو "جيش احتلال" وانما اعتبره "جيش تحرير" في الوقت الذي حمل فيه الإعلام المصري حملات شعواء على الدول العربية التي اعتبرت تدخل الجيش المصري في اليمن احتلالاً وعلى رأسها السعودية والأردن، واللتين كانتا على خلاف كبير مع عبد الناصر بسبب احتلال مصر لليمن فيما أطلق الإعلام السعودي على "الاحتلال المصري" لليمن نعت "الاستعمار المصري" لليمن الذي جاء لنهب ثروات اليمن، كما هو الحال مع الاحتلال الأنجلو - امريكي الذي يُتهم بالمجيء إلى العراق لاستغلال ثرواته، ولا يُعتبر في عُرف الإعلام العربي والمصري خصوصاً "جيش تحرير".
*
وسبق للإعلام المصري بقيادة أحمد سعيد ومحمد حسنين هيكل أن أطلق على المقاومة اليمنية للاحتلال المصري التي كانت مدعومة من امريكا السعودية والأردن ومن دول أخرى ومن كثير من القبائل اليمنية بفلول "المرتزقة الملكية"، ونالت هذه المقاومة من الإعلام المصري كل تحقير وتسفيه، ورُميت بالعمالة للملكية المنهارة وللعهد السعودي، وأن هدفها كان اعادة الإمامية الكهنوتية إلى اليمن. وكانت السعودية وامريكا في ذلك الوقت تمد المقاومة اليمينية ضد الاحتلال المصري بالمال والسلاح وتعتبرها "قوات تحرير" اليمن من "الاحتلال المصري".
فكيف أصبحت فلول صدام حسين ومماليك حزب البعث والجماعات الأصولية المسلحة التي تتدفق على العراق من سوريا وايران واليمن عبر السعودية هي المقاومة العراقية الشريفة في عُرف ومفهوم الإعلام المصري والفكر السياسي المصري، بينما كانت المقاومة اليمنية للاحتلال المصري لليمن هي فلول النظام الإمامي المخلوع، وهي حفنات من العملاء للسعودية وأمريكا ومجموعات من المرتزقة الأوروبية كما كان يصفها هيكل في "الأهرام" في ذلك الوقت؟
*
لقد تدخل الجيش المصري في اليمن إلى جانب الشعب اليمني وضد قوى الظلام والطغيان والرجعية الإمامية في العام 1962. ووقع الغزو المصري لليمن تحت سمع وبصر ومباركة الجامعة العربية التي تسيطر عليها مصر منذ نصف قرن، والتي لم تحرك ساكناً، ولم يكلف مجلس الجامعة نفسه الاجتماع وبحث العدوان. بل باركه على أساس أنه خطوة على تحقيق "التقدم الثوري". وتدخلت القوات الأنجلو امريكية في العراق إلى جانب الشعب العراقي وضد قوى البغي والظلم الصدامي، فلماذا اعتبر الإعلام المصري تدخل الأمس في اليمن تدخلاً مشروعاً ومقاومته عملاً من أعمال الخونة والعملاء والمرتزقة من البلجيكيين، والفرنسيين، والبريطانيين في ذلك الوقت، والتدخل الأنجلو الأمريكي اليوم في العراق تدخلاً غير مشروع وأن مقاومته مشروعة علماً بأن الجيش المصري غزا اليمن لحماية الثورة والقضاء على فلول الإمامية الكهنوتية، وأن الجيش الأنجلو الأمريكي غزا العراق لحماية الثورة المدفونة في صدور العراقيين، والقضاء على فلول النظام المدحور والمقبور؟
*
لقد ساعد الشعب اليمني في الانتصار على عهد الإمامية دول غربية كان على رأسها الاتحاد السوفياتي والصين وكل الدول الاشتراكية في ذلك الوقت اضافة إلى الدول العربية الاشتراكية، دون استنكار لتدخل القوى الأجنبية في شؤون اليمن، وكان ذلك وسط تبجيل ومديح الإعلام المصري والإعلام العربي الاشتراكي، فلماذا يقيم الإعلام المصري والعربي القومجي الآن الدنيا ولا يقعدها على مساعدة أمريكا وبريطانيا ودول عربية أخرى إن وُجدت - الشعب العراقي على التخلص من حكم الطاغية المدحور الذي كان أشد فتكاً بالشعب العراقي من فتك حكم الإمامية في اليمن؟
وكما أن المعارضة اليمنية للعهد الإمامي تم دعمها من قبل المعسكر الشيوعي والقوى الاشتراكية في العالم العربي، فقد تم دعم المعارضة العراقية لصدام من قبل القوى الغربية والقوى الليبرالية في العالم العربي. فأين الخطأ؟
&ولماذا هذا العهر الإعلامي وحفلات الزار السياسية والإعلامية التي يقيمها المصريون احتجاجاً على ما يجري في العراق؟
*
وكما أن اليمن كانت ساحة صراع بين أمريكا والمعسكر الغربي وحلفائه من العرب وبين الاتحاد السوفياتي والمعسكر الاشتراكي وحلفائه من العرب فقد أصبحت الساحة العراقية ساحة صراع بين القوى الغربية والقوى الأصولية الدينية والقومية بزوال المعسكر الاشتراكي.
& وكما أن ملف الارهاب في اليمن كان شائكاً خاصة في بلد تتحكم فيه القبيلة، ومعظم حروبه كانت صراعات قبلية مدعومة من لاعبين خارجيين، فقد أصبح العراق ملفاً آخر للارهاب تتحكم فيه القبلية أيضاً. كما أصبحت معظم العمليات الارهابية مدعومة من قبل لاعبين خارجيين على رأسهم سوريا وايران.
*
وكما كانت ثورة اليمن في سبتمبر 1962 وغزو اليمن بالنسبة لعبد الناصر هي البلسم لجرح الانفصال المصري - السوري في سبتمبر 1961 ، فقد كانت "حملة الربيع" العراقية وغزو العراق هي البلسم لجرح 11 سبتمبر 2001 الأمريكي. والدليل على ذلك أن النظام المصري (الجمهورية العربية المتحدة) كان متصالحاً مع النظام الكهنوتي الإمامي، ولم يُضمر له أية عداوة، بل هو أكثر من ذلك، أقام معه وحدة فيدرالية (ميثاق الدول العربية المتحدة) في العام 1958 بناء على برقية من الإمام أحمد حميد الدين المشعوذ لعبد الناصر قال فيها:
"لقد استخرتُ النجوم، وبعد الحساب الطويل، تبين لنا أن نجمكم يكسف نجم الآخرين ، ولهذا نريد أن ننضم اليكم"!ّ
&وفي ديسمبر عام 1961 ألغت مصر اتحادها الفيدرالي مع اليمن بعد الانفصال الذي حصل بين مصر وسوريا في& سبتمبر& 1961، وبعد القصيدة التي هجا فيها الإمام حميد الدين عبد اشتراكية عبد الناصر في 1961. ولم يقل الإعلام المصري وقتها أن غزو اليمن كان لتضميد جراح الوحدة المصرية السورية المنهارة، كما قالوا الآن إن الغزو الأمريكي للعراق كان تضميداً لجراح كارثة 11 سبتمبر 2001!
*
لقد كان للغزو المصري لليمن سلبيات وايجابيات كما قال محمد سالم باسنودة أحد الزعماء اليمنيين (جريدة البيان 24/7/2002) وأنه ما من عمل في التاريخ إلا وله ايجابيات وسلبيات، لكن ايجابيات الدور المصري في اليمن كانت كبيرة، تتضاءل أمامها كل السلبيات، وهل هناك أعظم من أن يجود الانسان بنفسه؟ لقد جاء الأخوة من مصر وقدموا ارواحهم دفاعاً عن الثورة . ويجب ان نحترم تضحيات شهداء مصر، وجراح جنودها في أرض اليمن، أما السلبيات فهي من صنع أفراد دفعتهم مصالح أو تصورات خاطئة. فلماذا لا يقول الإعلام المصري نفس هذا الكلام& لنفس تضحيات جنود الحلفاء، ولنفس هذا الدور الذي تقوم الآن به انجلترا وأمريكا في العراق؟
*
لقد وُصف الغزو المصري لليمن من قبل الإعلام العربي، بأنه الفخ الذي نُصب لعبد الناصر وسبب هزيمة 1967. فعندما جاءت القوات المصرية الى اليمن وجد الاستعمار والقوى المعادية لثورة يوليو فرصة مواتية لتوريط مصر في اليمن، وسعوا لتحويلها إلى "مستنقع" للقوات المصرية (نظرية المؤامرة المستحكِمة في العقل السياسي العربي). كما أن دور ثورة يوليو لم يُرق لأعداء حركة التحرر، ولهذا عملوا على استنزاف القوات المصرية المرابطة باليمن. وقد استنكر الإعلام المصري والإعلام العربي القومجي هذا كله، في حين أن الإعلام المصري والإعلام القومجي والديني الآن يكرر ما قيل في 1962 بالضبط، ومن أن العراق هو "مستنقع" تغرق فيه امريكا. بل ويطالب بعض المثقفين العراقيين من الذين فقدوا البصر والبصيرة كعبد الرحمن مجيد الربيعي بأن يكف العرب عن مساعدة العراق حتى يدع الأمريكيين يغرقون في مستنقعه، كما قال في مقاله: (دعوا امريكا تغرق في المستنقع العراقي، ولا تمدوا لها يد العون) (القدس العربي، 19/8/2003) .
&
*
لم يكن غزو المصريين لليمن من أجل مساندة ثورة 1962 فقط، ولكن كان أيضاً من أجل السيطرة على مقدرات اليمن ومستقبله أيضاً، ومحاولة السيطرة على بترول الخليج انطلاقاُ من اليمن. وكانت السعودية وأمريكا في ذلك الوقت قد اعتبرت وجود الجيش المصري في اليمن مهدداً لأمن مناطق البترول في الخليج كما قال رئيس الوزراء المصري الأسبق مصطفى خليل (جريدة البيان 8/1/1999). وكما قال هيكل في كتابه (سنوات الغليان، الجزء الأول، ص 648 ) من أن مصر "كانت تعيش وقائع ثورة اليمن ووجود القوات المسلحة المصرية في قلب الجزيرة العربية بما يعنيه ذلك من توتر دولي حاد جداً عبّرت عنه حركة الرسائل المتبادلة بين جون كنيدي وجمال عبد الناصر".
&فتدخلت الإدارة المصرية في اليمن في كل صغيرة وكبيرة، واعتُبر المشير عبد الحكيم عامر (كما هو الآن بريمر باشا في العراق) الحاكم العسكري لليمن. ويقول لنا الكاتب اليمني عبد الصمد القليسي في صحيفـة ( 26 سبتمبر& اليمنيـة ، 7/8/2003): "إن الوثائق تحكي-& لمن يريد الحقيقة - أن زعامات يمنية طلبت مراراً إلى القيادات العسكرية والسياسية المصرية وضع خطة لنقل مسئوليات الدفاع عن النظام الجمهوري تدريجياً إلى الجيش اليمني؛ لكن المصريين أبوا ذلك،& بحجة عدم قدرة الجيش اليمني& منفرداً على الدفاع عن الجمهورية.& وهي الحجة التي سقطت بعودة القوات المصـرية إلى بلادها، حيث دحر الجيش اليمني منفـرداً بعد ذلك أقوى هجمة ملكية. والسبب أن أنور السادات الذي كان مسئولا عن الملف اليمني لم يُرد أن تكون لتلك الحرب نهاية". وهو نفس ما يقال الآن عن بوش من أنه لا يريد أنهاء الحرب في العراق. ولم ينبس الإعلام العربي يومها بكلمة واحدة، في حين أن الإعلام العربي وعلى رأسه الإعلام المصري يقيم اليوم (سرادقات) اللطم والبكاء والعويل في الصحافة وحفلات "الزار" الإعلامية& في الفضائيات على وجود الجيش الأنجلو امريكي في العراق، ويستعجله الرحيل بحجة تهديده لمصالح المنطقة، في حين احتل الجيش المصري اليمن لمدة خمس سنوات (1962-1967) ولولا هزيمة حرب 1967 لما رحل عن اليمن إلا بعد وقت طويل، وكان مهدداً لمنطقة الخليج وثرواتها، كما قرأنا قبل قليل على لسان مسؤولين مصريين.
*
قلنا أن الاحتلال العسكري المصري لليمن لم يقتصر على مساندة الثورة اليمنية، بل تعداه إلى التدخل في كل كبيرة وصغيرة في شؤون اليمن: في الإدارة، والتعليم، والجيش، والصحة، والإعمار، والأمن، والسياسة الداخلية والخارجية. فالتدخل المصري من خلال احتلال اليمن كما يقول لنا أحد رجالات اليمن علي محسن حميد، وصل إلى درجة تعيين مستشارين مصريين في الوزارات اليمنية. وكان المستشار المصري موجوداً في غرفة الوزير اليمني نفسه! والمستشار المصري عملياً كان هو الوزير الحقيقي، وصاحب القرار الحقيقي والفعلي. وأنه عندما قامت الثورة اليمينية كان هناك اعتراض مصري قوي وشرس على بعض الشخصيات اليمنية القيادية. وهددت مصر بمحاربة الحكومة اليمنية، وليس فقط بعدم التعاون معها، ما لم يخرج منها الوزراء البعثيون أو من يُظن أنهم بعثيون في الحكومة الثورية الجديدة. وفضلاً عن ذلك اعتقلت مصر المجموعة القيادية اليمنية الثورية المعروفة. ويقول الشاعر اليمني محمد الشرفي أن عبد الناصر سجن مجموعة من ضباط الثورة اليمنية الذين خالفوه الرأي، كما سجن زعماء سياسيين ومن بينهم القاضي عبد الرحمن الارياني وأحمد نعمان وغيرهما نظراً لمعارضتهم للتوجه المصري لإدارة دفة الحكم في اليمن.& وعندما زار عبد الناصر اليمن بعد الثورة، احضر تحت إبطه دستوراً يمنياً مكتوباً من قبل مستشارين مصريين، دون أن يشارك يمني واحد في كتابة هذا الدستور. ويروي لنا القاضي والمجاهد اليمني محمود الزبيري أن عبد الناصر عندما زار اليمن بعد قيام الثورة، جاء ومعه دستور جاهز ودائم للجمهورية العربية اليمنية ومطبوخ في مصر، التي كان دستورها نفسه نسخة من الدساتير الغربية ومنها الدستور البلجيكي بشكل خاص. وأن الدستور اليمني الذي طبخته مصر كان دستوراً تنقصه مادة أن مصادر التشريع اليمني هي الشريعة الإسلامية. وأن مشائخ اليمن احتجوا على هذا الدستور المطبوخ سلفاً، وقرروا مقاطعته.& وهذا يدل دلالة واضحة على أن الوجود المصري في اليمن تجاوز مظهر والمساعدة والواجب القومي المعلن إلى حد فرض دستور مطبوخ. وهذا كله ما لا تفعله قوات الاحتلال الأنجلو أمريكي في العراق الآن، ولن تفعله. وأن القيادة اليمنية طالبت في ذلك الوقت أن يكون الدور المصري في اليمن في حجم يتيح لصانع القرار اليمني ولليمنيين أن يمارسوا شؤونهم الداخلية بأنفسهم، أو على الأقل في ظل أقل قدر من التدخل المصري، أو الاستشارة المصرية. ولكن للأسف الشديد يقول حميد فإن المصريين لم يكونوا يعوا هذا الأمر، وأن الثورة قامت من أجل تحقيق أهداف الشعب اليمني، وأن أهداف الشعب اليمني لن تتحقق إلا بإرادة يمنية وبقرار يمني، فقد تغلب العامل العسكري المصري على الرؤية السياسية المصرية.
*
في كتاب هيكل (سنوات الغليان، الجزء الأول، ص 663 )، كتب هيكل موضحاً خطورة "جيش المرتزقة" في حرب اليمن قائلاً: "على ساحة الحرب في اليمن ظهر عنصر جديد، تحول الى أمر واقع شديد الخطورة وباهظ التكاليف. كان هذا العنصر هو جيش المرتزقة الاجانب الذين يقاتلون ضد القوات المصرية في اليمن".& فكما أن المصريين كانوا يحتجون على المرتزقة والقبائل اليمنية التي كانت تحارب إلى جانبهم ضد القوات المصرية الغازية، فإن قوات الحلفاء الآن في العراق تحتج أيضاً على المرتزقة من فلول النظام المدحور المقبور ومن الأصوليين الدينيين والقوميين الذي وفدوا إلى الساحة العراقية من سوريا وايران والسعودية للدفاع عن النظام المنهار ومحاولة اعادته. فلماذا يقيم الإعلام العربي والمصري على وجه الخصوص حلقات التمجيد والاشادة بهؤلاء المرتزقة ويطلق عليهم "المقاومة"، بينما كان بالأمس يُطلق على القبائل اليمنية والقوى المقاومة للاحتلال المصري في اليمن صفة "المرتزقة"؟
*
وأخيراُ، وبعد خمس سنوات من الاحتلال المصري لليمن، قررت مصر ترك اليمن لمصيره المظلم. فقد تورط عبد الناصر في حرب 1967، وقرر سحب كافة القوات المصرية من اليمن في خريف عام 1967 نتيجة هزيمة مصر في حرب 1967، مما أدى إلى مضاعفة خطورة الوضع في اليمن، حيث واجه عبد الله السلال أزمة حكم& كبيرة بسبب ضآلة الجيش النظامي الذي لم تلتفت إلى بنائه مصر، وتردي تسليحه وتدني تدريبه، وزيادة الخلافات في صفوف الحكم الجمهوري. وهكذا أساء الاحتلال المصري لليمن أكثر مما أفاده. وترك المصريون اليمن قاعاً صفصفاً، غارقاً في الفقر والجوع والفوضى والحرب الأهلية والدولة المنهارة. كما كانت "المغامرة اليمنية" أيضاً خسارة كبيرة لمصر واقتصادها، وكانت أيضاً أحد الأسباب التي أدت إلى هزيمة 1967. وفي ظني أن أمريكا وبريطانيا اللتين تدخلتا في العراق تحت مظلة "البعد الأممي" و "البعد العولمي" لن تتركا العراق على الحال الذي ترك فيه المصريون اليمن، والذين تدخلوا فيه تحت مظلة "البعد القومي".
&وذلك هو الفرق الكبير بين الاحتلال المصري لليمن، والاحتلال الأنجلو امريكي للعراق.
ولكن يبقى "كله عند العرب صابون" و "كله عند المصريين احتلال"!
&
Ihstrabulsi@yahoo.com
&
أحمد الخميسي
نظرية الاحتلال الثوري
ابتكار الدكتور طرابلسي
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف