أحمد الخميسي
&
&
&
ما هو العراق الجديد؟
في مقاله المنشور في "إيلاف" 27 أغسطس تحت عنوان "مصر والاحتلال والمقاومة" كتب د. إحسان الطرابلسي قائلا إن "مصر الرسمية والشعبية والدينية مشغولة بالحالة العراقية.. رغم أن العراق الجديد لم يطلب من مصر أن تكون مشغولة به". وهكذا يبدأ الطرابلسي معتبرا أن مجلس الحكم المعين من قبل قوات الاحتلال الأمريكي هو "العراق الجديد" الذي يحق له أن يطلب أو لا يطلب. بينما يعتقد آخرون ومن بينهم عراقيون كثيرون أن العراق الجديد هو المقاومة العراقية التي تكافح الاحتلال الأمريكي لبلادها. وأظن أن مصر ليست وحدها في الانشغال بالموضوع العراقي، فهناك أيضا أمريكا وبريطانيا ودول الخليج وإيران وكلها مشغولة بذات الموضوع. وإذا كان الطرابلسي يتابع عدد القتلى والجرحي الأمريكيين، وصدى ذلك في صحف لندن وواشنطن فسيدرك مدى انشغال الدولتين رسميا وشعبيا ودينيا بالمسألة المطروحة.
&
الاحتلال الثوري عند الطرابلسي&
يضيف الطرابلسي أن الحملة الإعلامية المصرية الرسمية والدينية وغيرها تتركز على وجود الاحتلال الأنجلو أمريكي للعراق. ( هل هي الحملة المصرية فقط؟ ولماذا لا يقول الطرابلسي أن الحملة الإعلامية في دول الخليج وفي الخارج تتركز بوجهات نظر مختلفة على ذات الموضوع؟ بل وداخل العراق ذاته؟! ). ويقول الطرابلسي إن المصريين لا يميزون ( الطرابلسي وحده يميز أما المصريون مجتمعون فلا يميزون ! ) بين احتلال جاء لمساعدة شعب للتخلص من الطغيان، واحتلال آخر جاء لسلب خيرات الشعوب. وهنا نصل إلي جوهر فكرة الطرابلسي الرئيسية. إنه يقول إن هناك احتلالا يأتي بالخيرات والرفاهية والحرية، خلافا لكل ما يشهد به تاريخ المنطقة العربية وتاريخ العالم في قضية الاستعمار والاحتلال، وخلافا لكل ما نعرفه من أن الاحتلال ظاهرة نشأت بهدف السلب والنهب فحسب. وإذا كان الأمر كذلك فلماذا وقف العرب جميعا ضد الاحتلال العراقي للكويت؟ ولماذا لا يتفضل السادة الأمريكيون باحتلال فلسطين لتخليصها من الطاغية شارون؟، ومتى وكيف وعلى أي أساس وبأية معايير يصبح الاحتلال مرة نهبا للخيرات، ومرة أخرى تحررا وسعادة؟. ليس ثمة أي معيار لدي الطرابلسي سوى حماسه الدافق للاحتلال الأمريكي، ووصفه لعملية الغزو الأمريكي بأنها " تثوير لشعب ". نريد أن نعرف من الطرابلسي متى يصبح جنود الاستعمار غزاة ينبغي مقاومتهم، ومتى يصبحون أصدقاء ينبغي تحيتهم؟
يمضي الطرابلسي من تناقض إلي آخر في سبيل إثبات فكرته، فيضرب مثلا بالفرق بين الاحتلال الفرنسي لمصر الذي جاء يحررها من المماليك، والاحتلال الإنجليزي الذي وصل لإخماد ثورة عرابي. والاحتلال الفرنسي عنده ينتمي لنوع الاحتلال الثوري. لماذا إذن هب المصريون كلهم وقاوموا ذلك الاحتلال في كل شوارع وأزقة القاهرة وقتلوا كليبر وكبدوا الفرنسيين خسائر فادحة؟ أم أنهم لم يعرفوا حينذاك، ما عرفه الطرابلسي الآن، من أن الفرنسيين قوة تحرير؟!. الطرابلسي يضرب مثلا آخر يؤكد به أن الفرنسيين أنفسهم كانوا قوة احتلال حين استولوا على الجزائر عام30 18، على أي أساس اعتبر الفرنسيين مرة قوة تحرير؟ ومرة قوة احتلال؟. هكذا تركنا الطرابلسي في حيرة لا ندري متى يحتل الأجانب بلادنا بهدف تحريرها، ومتى يحتلونها بهدف استعبادها. ولكن الأمر المؤكد عند الطرابلسي أن الاحتلال الأمريكي للعراق خير وبركة، وأن الأمريكيين تكبدوا مشقة السفر تلك المسافة الطويلة لأجل عيون الشعب العراقي، وحريته. هل يمكن للطرابلسي أن يكلم الأمريكيين ليتقدموا قليلا لتحرير فلسطين؟ يتحدث الطرابلسي عن أن الاحتلال الأمريكي جاء من أجل : " تثوير شعب ضد حاكمه الطاغية " ! وقد سمعت وقرأت تحليلات كثيرة لأهداف الحرب الأمريكية على العراق منها حرص أمريكا على التحكم في نفط المنطقة، وحرصها على أمن إسرائيل وتوصيل مياه دجلة والفرات إليها، وحرص أمريكا على هيبتها العسكرية وغير ذلك، لكنها المرة الأولى التي أسمع فيها أن الاحتلال جاء وتكلف ما تكلفه من أرواح ومعدات " لتثوير شعب " ضد الطاغية. ولنقل مع الطرابلسي أن لأمريكيين قد حققوا " تثوير الشعب " وخلعوا صدام حسين.. فلماذا لا يتكرمون الآن بالرحيل؟
&
الطرابلسي: احتل ودع غيرك يحتل
المثل الأخير الذي يضربه الطرابلسي هو دخول القوات المصرية إلي اليمن عام 1962. ويقول إن المصريين ينكرون أشد الإنكار أن غزوهم لليمن بجيش.. كان احتلالا ". ويستطرد : " لماذا اعتبر الإعلام المصري تدخل الأمس في اليمن تدخلا مشروعا.. والتدخل الأنجلو أمريكي اليوم تدخلا غير مشروع؟ ". فهل يفهم من هذا الكلام أن المشكلة مع " الإعلام المصري " وما يعتبره، أم أن المشكلة في الاحتلال سواء أكان عربيا أو أجنبيا؟. ولنفترض أن دخول الجيش المصري لليمن كان احتلالا.. فهل ينبني على ذلك الخطأ السماح لكل المحتلين بالقيام بما يريدون؟. أم أن الطرابلسي يريد أن يقول : أنتم تحتلون.. فلماذا لا تدعون غيركم يحتل؟. أليس هذا هو منطق الطرابلسي؟. وهو بدلا من أن ينطلق من استنكار الاحتلال المصري إلي استنكار الاحتلال الأمريكي، فإنه يفتش في الماضي ليس لإدانة كل أنواع التدخل ولكن ليجد للتدخل الأمريكي الراهن تبريرا ! وما رأي الطرابلسي إن قلت له إن الكثيرين في مصر كانوا ضد التدخل المصري في اليمن، كما أنهم ضد التدخل الأمريكي في العراق الآن؟ هل يغير ذلك من موقفه؟ فيصبح ضد الاحتلال بكافة أشكاله؟ أم أنه سيظل متمسكا بفضيلة الدور الثوري للاحتلال الأمريكي وصواريخه وقنابله العنقودية ومقابره التي فتحها خلال عشرة أعوام من الحصار؟
وفي النهاية فإن النبرة التي يتناول بها الطرابلسي مصر والمصريين بهذه الخفة، وقوله إن " كله عند العرب صابون "، ثم قوله : " ولماذا هذا العهرالإعلامي وحفلات الزار التي يقيمها المصريون " كل ذلك لا ينتقص من قدر مصر ولا شعبها ولا ثقافتها شيئا، لكنه لا يضيف شيئا لقدر الكاتب الذي يتحدث عن المصريين بالجملة دون تمييز بين نظام وشعب وعهود سياسية مختلفة. وأظن أنها المرة الأولى والأخيرة التي سأسعد فيها بالتعرض لما يقوله د. الطرابلسي، أيا كان ما سيكتبه لاحقا.
كاتب مصري
&
&