إيلاف من لندن: في 1 آب (أغسطس) 1990، أقلعت من مطار هيثرو بلندن طائرة الرحلة رقم BA149 التابعة للخطوط الجوية البريطانية، متجهة إلى كوالالمبور مرورًا بالكويت. لم يكن الركاب على علم بأنهم سيتحولون إلى رهائن في قلب غزو صدام حسين للكويت، ولا بأن قرارًا من رئيسة الوزراء البريطانية مارغريت تاتشر سمح للطائرة بالإقلاع رغم معلومات استخباراتية مسبقة تؤكد أن الاجتياح العسكري بات وشيكًا.
وفقًا لتحقيق مفصل نشرته مجلة ذي إيكونوميست (The Economist)، فإن قرار السماح بإقلاع الرحلة جاء بتنسيق بين مكتب "داونينغ ستريت" ووزارة الدفاع البريطانية، ويُعتقد أنه ارتبط بنقل عناصر من القوات الخاصة البريطانية إلى الكويت عبر الطائرة المدنية، في خطوة وُصفت لاحقًا بأنها "لعبة قذرة" تم فيها التضحية بـ367 راكبًا مدنيًا لصالح هدف استخباراتي فاشل.
دخول غير اعتيادي على الرحلة
عشية الإقلاع، شهدت الطائرة تأخيرًا "تقنيًا" غامضًا في مطار هيثرو. وفي اللحظات الأخيرة، صعد مجموعة من الرجال مفتولي العضلات، جلسوا في مؤخرة الطائرة، وتصرّفوا بطريقة عسكرية بارزة. الراكب باري مانرز وصفهم بأنهم كانوا يرتدون "ملابس رياضية رخيصة"، بدت وكأنهم أُرسلوا بمهمة تنكرية، لا كمسافرين عاديين.
كلايف إيرثي، رئيس طاقم الضيافة، لاحظ سلوكهم الغريب، وأكّدت له موظفة أرضية أنهم صعدوا في اللحظة الأخيرة ضمن "وصول متأخر". هؤلاء، وفق التحقيق، هم من يُشتبه في أنهم عناصر استخبارات أو قوات خاصة، رُكّبوا عمدًا على متن الرحلة في توقيت بالغ الخطورة.
الهبوط في قلب الاجتياح
عند وصول الرحلة إلى مطار الكويت فجراً، كانت القوات العراقية بقيادة صدام حسين قد بدأت بالفعل تنفيذ غزو شامل. لم يكن بالمطار أي طاقم أرضي، بل ساد صمت ثقيل، سرعان ما كسره دوي الدبابات والمقاتلات. أكّد إيرثي أنه عند فتح باب الطائرة، صعد ضابط بريطاني وطلب إنزال "المجموعة الغامضة" على الفور. وخرج هؤلاء أولاً، حتى قبل ركاب الدرجة الأولى.
المضيفة دينيس داير كانت تحضّر القهوة لرحلة مواصلة عندما بدأ القصف، وشاهد الطاقم الطائرات المقاتلة والدخان يرتفع من المدرج. تحوّل 367 راكباً وطاقماً إلى رهائن في مشهد كان أشبه بالفخ.
من الإفطار إلى الاعتقال
تم نقل الركاب إلى فنادق في الكويت وبغداد. أحد المضيفين، تشارلي كريستيانسن، نُقل إلى فندق "ريجنسي بالاس"، حيث عاش تجربة سريالية تناول فيها "معجنات دنماركية على الفطور تحت تهديد السلاح". لاحقًا، تم احتجازه في منشأة قذرة تغطيها الفضلات، وأُصيب بالتهاب الكبد الوبائي.
أما باري مانرز، فتم نقله إلى بغداد، حيث أُجبر على ارتداء ملابس سباحة والجلوس بجوار بركة أمام كاميرات CNN، في ما وصفه بـ"مسرحية دعائية لصدام حسين، ربما خففت الضغط عن الحكومة البريطانية".
لاحقًا، نُقل إلى "سد دوكان" المائي واحتُجز وسط هدير التوربينات، لا يميز ليله من نهاره.
مأساة أنتوني يونغ
شريك مانرز، أنتوني يونغ، كان مصابًا بالإيدز. وكانت الرحلة الأخيرة له لتوديع عائلته في ماليزيا. خلال فترة الأسر، نفد دواؤه. وبعد مفاوضات ورشوة مسؤول هندي، تمكّن من الخروج إلى الأردن، لكنه توفي في عام 1992. قال مانرز: "أردته أن يرى أهله. الحرب دمرت كل شيء".
رواية تاتشر... وتضليل البرلمان
بعد مرور خمسة أسابيع، وقفت مارغريت تاتشر أمام مجلس العموم البريطاني لتؤكد أن الرحلة BA149 هبطت قبل بدء الغزو، وأن الطاقم غادر في أمان. إلا أن وثائق أُفرج عنها عام 2021، بالإضافة إلى شهادات من مسؤولي الاستخبارات، أثبتت أن الغزو بدأ عند الثانية صباحًا بتوقيت الكويت (منتصف الليل بتوقيت لندن)، في حين هبطت الطائرة بعد ساعة من بدء الهجوم.
توني بايس، رئيس محطة الاستخبارات البريطانية في الكويت آنذاك، كان قد حذر مسبقًا مدير الخطوط الجوية البريطانية من الهبوط بعد 1 آب. كما وصف وزير الخارجية وقتها، دوغلاس هوغ، التصريحات الرسمية بأنها "مقتصدة في الحقيقة إلى حد الخداع".
أسرار محمية بالقانون
تستند سياسة التستر إلى قانون "الأسرار الرسمية" البريطاني، الذي صُمم أساسًا في القرن التاسع عشر لمنع الموظفين من بيع الوثائق. لكنه تحوّل لاحقًا إلى أداة تمنع حتى الحديث عن "مشابك الورق" الحكومية، وفق وصف أحد الشهود.
القانون شكّل مظلة قانونية وفّرت الحماية للحكومة والخطوط الجوية البريطانية من المساءلة، رغم تعرّض الركاب لانتهاكات جسيمة.
الشاهد الملك والقسيس الأميركي
اليوم، وبعد 34 عامًا، يظهر توني بايس (80 عامًا)، بقبعته البنمية وصندله الصيفي، كشاهد أساسي ضد الحكومة التي خدمها. يشير إلى أن وزارة الدفاع البريطانية ربما نفّذت العملية عبر القوات الخاصة (SAS) دون تنسيق مع جهاز الاستخبارات الخارجية (MI6)، وهو ما يفسّر التوتر التاريخي بين المؤسستين.
من جهة أخرى، قدّم لاري إدينغفيلد، القسيس الأميركي وقائد الطراد "يو إس إس أنتيتام"، شهادة تؤكد أنه أرسل مروحية لإنقاذ جنديين بريطانيين من الصحراء الكويتية بعد بداية الغزو، وكانا يعانيان من الجفاف، ما يعزز فرضية وجود عملية استخباراتية ميدانية بريطانية غير معلنة.
المعركة القضائية: مانرز وآخرون ضد الدولة
رغم القضايا المرفوعة في فرنسا والولايات المتحدة، تحصّنت الخطوط الجوية البريطانية داخل المملكة المتحدة خلف "اتفاقية وارسو"، التي تُقيّد المسؤولية القانونية بالأحداث التي تقع "على متن الطائرة". لكن القضية الجديدة – مانرز وآخرون ضد الحكومة البريطانية – تستند إلى وثائق جديدة وشهادات مباشرة، ما قد يُعيد فتح الملف من زاوية قانونية مختلفة.
توني بايس متفرغ حاليًا لأبحاثه عن تاريخ أساقفة إنجلترا. تشارلي كريستيانسن تخلّى عن جنسيته البريطانية احتجاجًا. والحكومة، رغم كل المعطيات، لا تزال تتمسّك بموقفها: "لا تأكيد، لا نفي".
* أعدّت "إيلاف" هذا التقرير عن مجلة The Economist: المصدر























التعليقات