إيلاف من لندن: بينما تحزم النخب الاقتصادية حقائبها استعداداً لقمة "دافوس" الأسبوع المقبل، ترسم مجلة "إيكونوميست" البريطانية صورة قاتمة لمستقبل الاقتصاد العالمي في ظل ولاية الرئيس الأميركي دونالد ترامب. التحذير هذه المرة لا يتعلق بالرسوم الجمركية التقليدية، بل بتحول بنيوي أعمق أطلقت عليه المجلة وصف "رأسمالية السفن الحربية" (Gunboat Capitalism)، حيث لم تعد الشركات متعددة الجنسيات كيانات تبحث عن الربح، بل تحولت إلى أذرع صريحة لتعزيز سلطة الدولة.
عسكرة الشركات: النموذج الفنزويلي
لم يعد الفصل بين "البيزنس" والسياسة خياراً متاحاً في واشنطن. وفقاً للتقرير، ينظر ترامب إلى الشركات الأميركية كأدوات نفوذ جيوسياسية يجب أن تخدم الأمن القومي مباشرة. ولعل المثال الأبرز الذي تسوقه المجلة هو فنزويلا؛ إذ تشير إلى أن "إغراء" الثروات التجارية كان دافعاً رئيسياً لسياسات ترامب تجاه كاراكاس، حيث وجه أوامر مباشرة لرؤساء شركات النفط الأميركية بالعودة إلى العمل هناك تحت طائلة "العواقب الوخيمة"، متجاهلاً تحذيرات الرئيس التنفيذي لشركة "إكسون" الذي وصف فنزويلا بأنها "غير قابلة للاستثمار".
هذا التدخل لم يقف عند النفط، بل امتد ليشمل قطاع التكنولوجيا والدفاع، حيث طالبت الإدارة الأميركية شركات الرقائق بتقاسم أرباح مبيعاتها للصين مع الحكومة، وضغطت على الشركات العسكرية لوقف إعادة شراء الأسهم، في توجيه قسري لرأس المال نحو الأولويات الحكومية بدلاً من كفاءة السوق.
انكفاء العولمة: لغة الأرقام
يستشهد التقرير بتحول جذري في حركة رؤوس الأموال الأميركية كدليل على موت العولمة بصيغتها القديمة. ففي عام 2016، كانت الشركات الأميركية تضخ 44 بالمئة فقط من استثماراتها الرأسمالية داخل الولايات المتحدة. اليوم، قفزت هذه النسبة إلى 69 بالمئة، مع انخفاض ملموس في المبيعات الخارجية وارتفاع التركيز على السوق المحلي.
وينقل التقرير عن جيمسون غرير، الممثل التجاري لترامب، نعياً صريحاً للنظام القديم بقوله: "ذروة العولمة لن تعود". هذا الواقع الجديد يعيد رسم الخرائط التجارية بناءً على "المسموح والممنوع" سياسياً، وليس بناءً على الفرص الاستثمارية، مما دفع رؤوس الأموال للهروب من الصين وروسيا نحو الأسواق الحليفة أو المحلية.
الوهم المزدوج: الفقر وانعدام الأمن
تفكك "إيكونوميست" المنطق الكامن خلف "رأسمالية السفن الحربية"، محذرة من أنها ستقود إلى عالم "أكثر تكلفة وأقل كفاءة". وتكمن الخطورة في أن الشركات العملاقة اليوم تشكل عصب الاقتصاد الأميركي، حيث تستحوذ على خُمس وظائف القطاع الخاص، وخُمسَي الاستثمار المادي، وثلاثة أرباع الأرباح.
وعليه، فإن إجبار هذه الكيانات على تخصيص مواردها وفقاً لأجندات جيوسياسية بدلاً من الجدوى الاقتصادية سيضرب الإنتاجية في مقتل، ما يعني تراجعاً في الرخاء العالمي.
فخ "الموارد الصلبة"
في نقدها للنهج الترامبي، ترى المجلة أن الإدارة الأميركية تركز على "المصادر الخاطئة للقوة"، مثل السيطرة المادية على النفط والموارد الطبيعية، بينما تشن حرباً غير معلنة على مصادر القوة الحقيقية في القرن الحادي والعشرين: الابتكار، العلم، والهجرة.
وتخلص المجلة إلى أن جاذبية عسكرة الاقتصاد تكمن في وعودها البراقة بتوفير الأمن والرخاء معاً، لكن الحقيقة المرة هي أن هذا النهج "لن يحقق أياً منهما"، بل سيترك الغرب أفقر في مواجهة أنظمة استبدادية تزداد عدوانية.
* أعدت "إيلاف" هذا التقرير عن "The Economist": (المصدر)
















التعليقات