لقاء إيلاف الأسبوعي حوار مع المسرحي العراقي د. نور الدين فارس
قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
&
&
يعتبر الدكتور نور الدين فارس من الرواد الذي ساهموا في إرساء قواعد المسرح العراقي الحديث بعد ان كانت بداية المسرح بمعناه الفني في العقود الاولى للقرن العشرين تنويريا وتقدميا، وبعد تأسيس قسم المسرح في معهد الفنون الجميلة بريادة ابي المسرح العراقي الفنان حقي الشلبي اواسط الاربعينات
كانت مسرحياته تثير نقمة السلطة اثناء فترة الاستراحة الديكتاتورية في العراق عندما اعلنت ما يسمّى الجبهة بين حزب البعث وكل من الحزب الشيوعي والديموقراطي والاتحاد الكردستانيين التي لم تكن سوى لعبة من البعثيين لاختراق الاحزاب العراقية التي ستمنى لاحقا بمذابح وموجات هجرة. فقد اغلقت فرق مسرحية وطورد فنانون& واعتقل وأُعدم آخرون بينما استرخى سواهم لغواية السلطة مشوِّهين المسرح بأعمال مبتذلة ساهمت في تشويه الوعي العام للناس.
منذ اكثر من ثلاثين عاما يقيم الاستاذ فارس في المنفى ما بين اوروبا الشرقية وشمال افريقيا واوروبا الغربية حيث استقر في هولندا منذ خمسة اعوام تاركاً آثارا على بنيته النفسية والجسمية ومعوقه عن ممارسة ابداعه الكتابي والفني.& فبعدما كان يستغرق عمل مسرحي معين سنة واحدة في الوطن راح يستغرق في المنفى اكثر من ثلاث سنوات .
نظر الى واقع المسرح العراقي،أبان عهد الديكتاتورية، كأداة سلطوية تساهم في تكريس ثقافة العنف خاصة بعدما جعلت القبول في اكاديمية ومعهد الفنون الجميلة حكرا على المنتمين الى حزبها& (بالاكراه او الاختيار) لم يعد في مقدورها تقديم اي مسرحية عراقية او اجنبية فنية جادة خوفا من تأويل جدليتها ودلالاتها الفكرية لما يخالف الاحادية والعنصرية. فلجأ الطلبة والاساتذة الى المسرح الصامت (البانتوميم) للتعبير عن همومهم بالحركة فقط. ومسرحيات اخرى اكثرها شعرية تمجد الحرب او تبكي الحصار، متغاضيةً ببلاهة عن ذكر المسؤول الاول عن اسباب الحرب والحصار.
كتب الدكتور نور الدين فارس اكثر من 12 نصا مسرحيا منذ عام& 1965بالاضافة الى ترجمته كتاب "نظرية الدراما" الذي لما يزل مخطوطا وهو مجلد ضخم من تأليف سنيجينا بانوفا.
التقيته بعد انجازه مسرحية قصيرة بعنوان (الطوطم الضرورة) استمد احداثها من سقوط نظام صدام في 9 نيسان 2003 وسالته عن تأريخ المسرح باعتباره مسرحيا اكاديميا فأجاب:
- عرف الانسان المحاكاة- التمثيل منذ اطوار حياته البدائية فوظفها بمنافعه المختلفة اقصاديا واجتماعيا وروحيا- فهي مران- مدرسة للدفاع عن النفس وتعلم الصيد، والزراعة، ومشروع احتفالية للافراح والاحزان، كما انها أداة طقسية عبادية- فغي نطاق معتقدات اسطورية، سحرية وعقائدية للتعبير عن الابتهال والولاء والطاعة للالهة والتابوهات- ومن يمثلها من سحرة وكهان وملوك كقوى مطلقة.. ترزقه وترأف به وتصونه في حياته ومماته...
انتظم الانسان في المجتمع المدني المتحضر، فاضطر الى الالتزام بضروراته ومتطلباته المتجددة التي لاتصدر من قوى الوهم والمجهول، انما من جهود واعضاء ذلك المجتمع، وهو احد أعضائه.. وبعد المران والخبرة تفتح عقله، وتعمق فكره، فاسترد ذاته، واصبح ربان حياته ومصيره، ولم يعد ذلك المحاكي- الممثل- الذي يردد تراتيل الكهان ويغني اهازيج السحرة..انما بدأ يغوص في خفايا وجوده وينقب بين اسرار عالمه الغامض ليستقريء ويبتكر اسباب امنه وسعادته وتقدمه.. ومن قمم مبتكراته تلك كان المسرح بوابة النور والفرح.. لم يدخله نادبا متضرعا مذعنا ومخذولا- كسلفه المحاكي البدائي- انما دخل ليحتج، يتخطى ويرفض كل ما هو باطل وفاسد ومظلم.. وهذا بالذات ماجعله يؤسس اليات وتقنيات، تتخطى الجامد، المتداول والمتعاد وتتمحور في فضاء ماهو مفترض ومحتمل في الواقع.. وليس الواقع الملموس بذاته لتهيئة اجواء وامكانيات الجدل والاجتهاد، واكتشاف الجديد والبديل، وتحقيق تغيير المنشود، بتجاوز البالي القديم، وتهيئة الاخر الجميل والرائع..
هكذا اندفع المسرح كغيره من الابداعات الخلاقة في موكب الحضارة الانسانية المتقدمة والمتجددة دائما.
كتب الشاعر الالماني فريدريك فون شيلر اواخر القرن الثامن عشر( بأكثر من كيفية يمكن ان يكون المسرح مؤسسة اجتماعية اخرى في الدولة، المسرح هو مدرسة الحكمة التطبيقية ودليل طريق في حياة المواطنين ومفتاح امين باتجاه اندفاعات الروح البشرية. المسرح طريق عبور فيه من المفكرين القسم الافضل من الشعب. في المسرح سوف يتفجر الضوء في الحقيقة وتنتشر الومضات الفتية من هنا الى جميع انحاء الدولة، بمفهوم أصدق، بقاعدة عالية من السلوك والمشاعر النظيفة جدا. سوف تفيض من هنا الى كافة مسارات الشعب فتزيح ظلام الهمجية وتبيد القى الغامضة والمظلمة.. الليل ينهزم.. لان النهار قد انتصر...).
المسرح لايتعايش ولا يتهادن مع مؤسسات وهيئات الرأي الواحد ، الاستبداد، التعصب والاكراه... مهما كانت اشكالها ونزعاتها. لا لانه يلتزم فكريا بتعدد الاراء وحرية المعتقد فحسب، وانما لأن طبيبعة قوانين بنائه الداخلية والاساسية تقوم من حيث الجوهر على الجدل الذي لايتوفر الا من خلال التعدد.. وليس الواحد بذاته.
المسرح يرفض التخلف ويناهض الجمود ويقف على الضد من قديم وبالي دون قيد او شرط؛ لالكونه تقدمي النظرة والاتجاه فحسب انما لان قوانينه الذاتية جدلية تقوم على مبدأ وحدة الاضداد والتغيير اذا تناول ظاهرة ما مهما كان مصدرها او مكانتها. فهو لايلتزم بثباتها ولا يتمسك بوضعياتها المستقرة& كما هو مسلم به بالنسبة للايدولوجيات الاتباعية والسلفية، انما يتدارسها، يستقريء كنهها، يكسف عن مدى حيويتها بالنسبة الى الواقع الحضاري الحالي المتحرك على هدي التجريب واليقين باتجاه التطوير والتجديد، بحثا عن الافضل والاجمل.
المسرح مع الخصب والنور والفرح. أي شيء اكثر خصبا ونورا وفرحا من المرأة؟ لهذا كان المسرح مع المرأة الاخت والام والحبيبة والزوجة دائما فهو نصيرها وحاميها وراعيها ويساند حقوقها ويدافع عن كرامتها وحرياتها ويناضل من اجل مساواتها الكاملة في المعرفة والعمل والسلطة والقيادة واتخاذ القرارات المهمة وكل مايتعلق بشؤونها الشخصية؛ العائلية والوطنية. من منا نحن المثقفين والمسرحيين لم يقرأ او يشاهد او يسمع انتيكونا لجان انوي، بيت الدمية لابسن، العاصفة لاستروفسكي، بيت برناردا البا للوركا، جان دارك.. التي اعيدت كتابتها من قبل فولتير.. برناردشو وبريخت؟
&
* لكن واجه المسرح ويواجه تحديات بالرغم من هدفه السامي. هل تحدثنا عن تلك التحديات؟
- بسبب الاهداف العظيمة والسامية جابه المسرح خلال ستة وعشرين قرنا من حضوره حتى اليوم اعقد الصعوبات والعراقيل، بل القهر والاستبداد والتضييق؛ كتهديم المسارح ومطاردة العاملين فيها من ممثلين وممثلات وفنيين من اجل معاقبتهم بعد اتهامهم بالكفر والفساد والالحاد خلال القرون الاولى من سيطرة الاحادية التعصبية الاثنية والمذهبية او العنصرية في مناهضة المسرح وقمعه في العصر الحديث ايضا.
اذ دفع المسرح ثمنا باهضا في مثل هذه المجابهات وخسر العديد من النابهات والنابهين؛ مثل لوركا ومايروخولد والاف المجهولين في مختلف انحاء العالم المنكوبة بنير الظلام والاستبداد حيث يتم فيها حصار المسرح وخنقه وفق اكذوبة المسموح والممنوع التي يتحايل بها الطغاة من اجل الامعان في التضليل والتجهيل. الا ان الاهم والاعظم جدا ان المسرح مازال حيا شامخا يزداد روعة وبهاءا جيلا بعد جيل يرفد الحقيقة والجمال والحرية بكل جديد وبديع من اجل عالم افضل واجمل. بينما تداعت محاكم التفتيش القديمة وسوف تتبعها بقايا محاكم التفتيش الحديثة في مهاو ابشع واسوأ.
&
* ها قد تهاوت احدى الديكتاتوريات الحديثة في العراق حيث درست وعملت وتخرج على يديك العديد الممثلين والكتاب، بعد سنوات طويلة من القمع. هل تحدثنا عن مسيرة المسرح العراقي الذي تعتبر من المساهمين بنائه؟
-&تأريخيا هناك آراء ووجهات نظر متعددة ومتباينة بين الدارسين والباحثين بشان بدايات وتطور التمثيل- المسرح في العراق. يرى البعض ان التمثيل وبضمنه المسرح قد عرف في حضارة وادي الرافدين منذ ازمنة السومريين والبابليين؛ خاصة في احتفالات رأس السنة البابلية الجديدة كل عام حيث تقام استعراضات تمثيلية لبعض الاساطير وكان مردوخ كبير الالهة يلعب فيها الدور الرئيس. اضافة الى استعراض عزل الملك الشرعي وتنصيب احد الشقاة ملكاً للبلاد ولمدة يوم كامل ليتخذ الناس العبرة من الفرق مابين حكم القانون وحكم الاوغاد والاشرار. لقد تعززت هذه الرؤيا حين تمكنت التنقيبات الاثرية في بابل من اكتشاف اثر يشبه المسرح؛ مدرجات على شكل نصف دائرة تتوسطها ساحة- كما ورد في مجلة سومر- الجزء الاول سنة 1956. ويذهب اخرون الى ان مظاهر التمثيل عرفت وشاعت في العراق خلال العصر العباسي؛ استنادا الى كتاب قديم- الديارات- للشابشتي، ذكر فيه ان الخليفة المعتصم دعا الممثلين الذين يطلق عليهم السماجة الى قصره ليقدموا الالعاب والفعاليات المرحة بمناسبة ختان اولاده.
وهناك من يرى ان البويهيين في فترة نفوذهم الواسع على الدولة العباسية& في مراحلها المتأخرة عمدوا الى تمثيل فاجعة استشهاد الحسين بن علي في كربلاء وذلك في الساحات والشوارع العامة؛ لاثارة الناس سياسيا ودينيا، لما تنطوي عليها من بطولات وتضحيات من اجل الحق والعدل.
في فترة الحكم العثماني للعراق التي استغرقت اربعة قرون لم يعرف أي نشاط تمثيلي متميز له علاقة بالمسرح من حيث الموقف الدرامي والصورة المسرحية.
&
*&وكيف وصل المسرح ببنيته الحديثة الينا؟
- وصل هذا المسرح بمعناه الفني والادبي الى بيروت بواسطة اللبناني مارون النقاش الذي وصل الاسكندرية عبر رحلة تجارية وفي احدى السهرات الليلية انبهر بمشاهدة فرقة ايطالية تعرض عملا مسرحيا. كان ذلك عام 1854. وعندما عاد الى بيروت انكب على القراءة والترجمة عن الفرنسية وغيرها، فكتب واعد واقتبس العديد من المسرحيات الى العربية ثم حول بيته الى مسرح يستقبل الجمهور وفق برامج وفترات محددة شهريا وفصليا. وكان ابو خليل القباني من اوائل من تأثر بمارون النقاش وشيد اول مسرح في دمشق فأقبل عليه الجمهور بحماس. لكن الشيخ سعيد الغبرا ( امام أحد مساجد الاستانة) خطب بعد صلاة الجمعة، أمام السلطان العثماني، منددا بأبي الخليل القباني ومسرحه (الذي أحال دمشق الى دار فسق وفجور). فصدر في اليوم ذاته امر سلطاني يقضي بغلق المسرح فورا... وقبل وصول هذا الامر الى الوالي هبت جماعة من المشعوذين فأحرقت مسرح دمشق وفرّ أبو خليل القباني الى مصر.
يتبع
&
الحلقة الثانية
الحلقة الثالثة
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف