حاوره احمد عبد الكريم
&
&
يعتبر الدكتور نور الدين فارس من الرواد الذي ساهموا في إرساء قواعد المسرح العراقي الحديث بعد ان كانت بداية المسرح بمعناه الفني في العقود الاولى للقرن العشرين تنويريا وتقدميا، وبعد تأسيس قسم المسرح في معهد الفنون الجميلة بريادة ابي المسرح العراقي الفنان حقي الشلبي اواسط الاربعينات ومع عودة الدارسين في اوروبا واميركا فن المسرح، فقد اكتسب خبرات تقنية درامية عالية ستميزه عربيا لاحقا خاصة في
الفترة ما بين الاربعينات والسبعينات من القرن الماضي قبل ان ينقض عليه مسرحيو السلطة ليشوهوه بما سمّوه المسرح التجاري، ليجد المسرح الجاد نفسه في منفى داخل الوطن مستذكرا بحرقة بهجته في مسرحيات آنفة مثل "اللون القاتل" لنزار سليم و "اديب من بغداد" لادمون صبري و"الاسوار" لخالد الشواف و"النخلة والجيران" التي اعدها قاسممحمد عن رواية غائب طعمة فرمان بالاسم نفسه ومسرحية "الخرابة" ليوسف العاني و"جدار الغضب" و"اشجار الطاعون"& و"الغريب " لنور الدين فارس الذي اسس صحبة اساتذة آخرين فرقة مسرح اليوم العراقية. واسس قسم المسرح في جامعة وهران في الجزائر عام 1984، اذ تتلمذ على يديه اساتذة وفنانون جزائريون وعراقيون في مادة الدراما ونظرية الادب. هنا الحلقة الثالثة والأخيرة من لقائنا معه:
&
* ثمة تفاوت بين المسارح العربية لجهة السعي لترسيخ مسرح يحمل صفات التميز عن سواه. كيف ترى للمسرح العربي وهل هناك قطر عربي يمكن الاشارة اليه كرائد في هذا المجال؟
-&سبق ان ذكرت ومن خلال الدراسات الموضوعية والحقائق الموثقة ان المسرح العربي، بمعناه الفني الابداعي، بدأ مع محاولات التاجر اللبناني المنبهر بالمسرح الاوربي الذي شاهد احدى مسرحيات فرقة ايطالية في مدينة الاسكندرية ؛ فترك التجارة ووجه كل مساعيه وجهوده الى اكتساب الخبرة والمران من اجل كتابة المسرحية العربية بنفس اسلوب المسرحية الاوربية ولتمكنه من اللغة الفرنسية صب معظم جهوده على مسرحيات مولير وبدأ باقتباس واعداد مسرحية البخيلز فحذف واضاف ليجعلها قريبة ومفهومة من قبل المشاهد العربي. هذا المنوال كتب ومثل مسرحيات عديدة.
وبنفس الاتجاه سار ابو خليل القباني في الشام.. واتخذ التقنية الاوربية الجديدة منهجا ووسيلة في بناء وتركيب المسرحية المطلوبة. وحين تعرض مسرحه في الشام للحرق من قبل غوغاء الجاهلية والظلام فر الى مصر وراح يواصل النهج الذي بدأ به متأثرا بمارون النقاش واسلوبه الجديد.. وكون فرقة مسرحية وراح يقدم مسرحياته المنسوجة وفق التقنيات الاوربية الحديثة انذاك في المسرح مع تطعيمها بالاغاني والرقص احيانا.
&
* هذا في بلاد الشام وماذا في مصر؟
-&بنفس الاتجاه سار رائد المسرح المصري الاول يعقوب صنوع الذي اكتسب مرانه المسرحي من خلال اشتراكه بالتمثيل في فرقتين اوربيتين (ايطالية وفرنسية) زارتا مصر عام 1870. وهذا مهد له ان ينشيء مسرحا عربيا في مصر يقوم على التقنيات الاوربية المسرحية السائدة في تلك الفترة؛ فأهتم بأعمال جولدوني ومولير وشريدان. وراح يضع المسرحيات ويقوم باخراجها وادارتها.. وتوفرت مسرحياته على التأثير الاوربي والـاثير الشعبي المصري ضمن القالب الغربي في بناء المسرحية المصرية.
وفي ميدان التاليف المسرحي ظهرت اول مسرحية عام 1894 من نوع الميلودراما الاجتماعية (صدق الاخاء) من تأليف اسماعيل عاصم تنتقد ترف الاغنياء وتبديدهم للثروات وتؤكد على اهمية الحرية والديموقراطية والتعليم.
وفي عام 1913 ظهرت مسرحية (مصر الجديدة.. مصر القديمة) لانطون فرح.. كما كتب ابراهيم رمزي العديد من المسرحيات. ثم محمد تيمور وتوفيق الحكيم الذي اخرجت اولى مسرحياته (الضيف الثقيل) عام 1919. وكانت مساهمة الشيخ سلامة حجازي تأثير كبير على تطوير هذا المسرح وتقدمه في مصر. وبعد وفاته سطع نجم الفنان سيد درويش في سماء المسرح الغنائي المصري.
والى جانب المؤلف والمخرج المصري ظهر الممثل الدارس والمدرس وفق الاسلوب العلمي والابداعي وهو جورج ابيض الذي عاد من بعثة في دراسة المسرح في فرنسا عام 1910 ليصبح اول ممثل وطني اصلي في مصر فألف العديد من الفرق المسرحية وقدم اروع الاعمال المسرحية الاوربية المترجمة مثل (اوديب) و(طرطوق) وبعض مسرحيات شكسبير.
كما ظهر عزيز عيد كمخرج مبدع في الساحة المصرية اوائل القرن العشرين.
ثم ظهرت اسماء مهمة مثل يوسف وهبي وحسين رياض وزكي رستم وممثلات قديرات مثل فاطمة رشدي وزينب صدقي وروز اليوسف.
وعليه فمصر من اهم البلدان العربية التي كان لها سعي جاد لتطوير المسرح ومتابعة الجديد فيه.
اما دول المغرب العربي فقد درّست فيها اكثر من عشرين عاما خاصة في الجزائر والحديث عن مسرحها يطول ويتشعب ولدي دراسة عنه قيد الانجاز.
&
صراخ قومي
* أمام سطوة الفضائيات العربية وتواجدها في معظم البيوت العربية، الا تشكل خطرا على المسرح ، وبالتالي لن يجد المسرحي العربي احدا يشاهده ؟
-&لااظن ذلك، فلن يستطيع التلفزيون الغربي مثلا سحب المشاهد المسرحي له بل بقت المسارح تعيد عرض المسرحية الواحدة عشرات السنوات دون ان يتناقص عدد المشاهدين. وذلك متأت من الحرية السياسية وحرية التعبير عن الرأي والابتعاد عن تسييس المسرح كما في العالم العربي حيث الخطاب القومي السياسي مازال حاضرا في معظم المسرحيات، الامر الذي جعل المشاهد يهرب منها باتجاه التلفزيون لعله يحظى بمشاهدة فيلم اجنبي او مادة ترفيهية غير بعيدة عن الصراخ القومي الذي يملأ المسارح العربية في التحريض على كره الاخر والتحريض على القتل او البكاء على الاطلال.
&
المسرح العراقي القادم
* اخيرا ماهي تصوراتك وآمالك تجاه المسرح العراقي؟
-& سبق وان ذكرت ان الدرما عالم من الجدل الحر المتكامل والمتجدد في كل لحظة. وانطلاقا من هذه الرؤية ينبغي فهم معظم ملامحها الاساسية التي تقوم وتتأسس مبدئيا على الموقف الدرامي- أصل المسرح.
وجوهر الموقف الدرامي يستند على الكشف عن صراع ما؛ وهذا الصراع هو قانون أساسي من قوانين الكون. المجتمع والحياة الانسانية فضلا عن كونه مبدأ التطور وعلته والحركة هي الصورة الخارجية له.. وهكذا الحال بالنسبة للمسرح.
فليس ثمة مسرح دون جدل مستمر ومتجدد من خلال التغيير؛ أي لابد من آراء متعددة ومتضادة ومتصارعة ومتلازمة باتجاه تغيير الوضعيات القائمة نحو وضعييات جديد.
لهذا ازدهر المسرح عند الاغريق في مرحلة شيوع الديمقراطية وتعدد الاراء التي اقترنت بأكتشاف اولويات الجدل من الفيلسوف هرقليدس بقرون عديدة قبل الميلاد. وعندما وهنت الديمقراطية زمن الرومان العسكر ارتبك المسرح ولم يواصل الطريق الذي بدأه المسرح الاغريقي. بل انعكس المسرح عند الرومان بعد قبولهم المسيحية ففرضت الكنيسة شروطا قاسية على المسرحيين. فتوقفت اعمالهم تماما. ولم تظهر الاعمال المسرحية غير الدينية الا بعد ظهور نقابات العمل التي وظفت المسرح للمطالبة بحقوقها الاجتماعية والمعاشية.
أما وجهة نظري بالنسبة للمسرح العراقي فهي ترتكز على مايلي:
المسرح وفق اصول ابداعه وتشييده لايقوم دون مناخ اجتماعي وثقافي وسياسي يؤمن ويحترم التعددية. المسرح حوار دائم وعملية جدلية مستمرة ومتجددة. وهو بطبيعته يناهض التنميط والقولبة وحذف الاخر او النقيض. ويحيا على المعارض- التناقض والتعددية.
والخطاب الدرامي هو قدرة على خلق عوالم غير حقيقية يجري الرجوع اليها اثناء الحوار. وهي تعبر عن مجموع الرغبات والتمنيات والافتراضات والمعتقدات والتخيلات المحتملة والمزعومة.
المسرح يتنافر بل ولا يستطيع الحركة والحياة في ظروف الاستبداد والرعب والاضطهاد. حيث هبط المسرح الروماني في مراحل الاستبداد وتسلط الكنيسة.
كذلك في فترة محاكم التفتيش في اوربا.
نهض المسرح وتقدم مع بدايات عصر النهضة وشيوع لديموقراطية وحرية الرأي والفكر في اوربا. وراح يتقدم ويتطور مع نمو وازدهار الديموقراطية.
وعليه من يتابع تاريخ الثقافة في العراق ومنها المسرح سوف يلمس وبشكل مباشر بلا عناء (بالرغم من ان المسرح العراقي بمعناه الفني لم يظهر العراق الا مع بداية القرن العشرين).
ان الفترات التي تنسم فيها العراق رياح الديموقراطية وفرت تطورات مهمة في بناء المسرحية وتقدمها، حتى في بعض سنوات الحكم الملكي خاصة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية اواخر الاربعينيات وبداية الخمسيسنيات. وعلى العكس كانت الفترات التي تنحسر فيها الديوقراطية خاصة فترة ردة 8 شباط الاسود 1963 حيث الغيت الفرق المسرحية وتم سجن وتعذيب رواد المسرح وعطّل المسرح تماما.
وتكررت ردة شباط عندما تسلطت الفاشية العنصرية على زمام العراق كليا منذ السبعينات لغاية اندحارها وهزيمتها في التاسع من نيسان 2003. حيث حولت المسرح الى سيرك يعيث فيه المنافقون والمشعوذون من الجهلة والمرتزقة.
فالمسرح في فترة الاستبداد والتسلط كان مسرح تهريج واكاذيب يفتقر الى الحياء والحشمة والصدق.
لاشك ان التغيرات الاخيرة في العراق سوف توفر الديموقراطية لكافة الاطياف العراقية وعنها سينهض المسرح العراق نهوض طائر الفينيق من رماده ليملأ القلوب والعيون بافكر الحر النير والفرح الذي لاينطفيء العراق. وستظهر الفرق المسرحية الحقيقية خاصة تلك التي استفادت من اغترابها ابان فترة الاضطهاد البعثي لتقدم للمشاهد رؤى مسرحية جديدة غير مسبوقة على الصعيد العربي الحافل بالصراخ.
&