العراق و عش الدبابير 6
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك
6/7
الإنتخابات القادمة و احتمالات انسحاب القوات الأمريكية
1- الإنتخابات التشريعية القادمة
بعد التصويت على مسودة الدستور الجديد، ستدخل البلاد في حملة انتخابية جديدة للإنتخابات المقرر عقدها في 15 كانون أول / ديسمبر القادم، وهذه الإنتخابات ستشهد تغيرا على الخارطة السياسية الداخلية في العراق. إذ وكما نذكر في الإنتخابات السابقة تم اعتبار العراق كاملاُ كدائرة انتخابية واحدة يتم الترشيح و التصويت فيه حسب القوائم الحزبية على مستوى الوطن، وهذا ما ساعد بعض التحالفات في اكتساح الأغلبية على هذا الشكل، فبرز على الساحة السياسية زعماء و قادة لم يعرفهم الشعب العراقي، إذ أن هؤلاء كانوا في المنفى و عاشوا على الأقل عقداً أو اثنين من الزمن خارج الوطن، وهم ليسوا على علم و حس بهموم و آلام المواطن البسيط.
بالنسبة للشعب العراقي، هؤلاء المسؤولون الذين برزوا فجأة ليحكموه سقطوا عليه بالمظلات، ليس هناك برنامج انتخابي ولا اهتمام بمطالب ورغبات الشعب، إنما أناس يراهم الشعب فقط على شاشات التلفزة و في مواكب السيارات المحاطة بالحراسات المشددة، بينما مجرد محاولة الحصول على وظيفة أو أي معاملة في دوائر الدولة يسير بالرشاوى و الواسطة. بكل بساطة، الوضع أسوأ و أشد سوءاً مما كان عليه قبل سقوط نظام صدام حسين.
هذه العملية الإنتخابية الديمقراطية، وكما نعلم أفرزت أغلبية في البرلمان العراقي الجديد (الجمعية الوطنية) وبعد مخاض دام أسابيع تم تشكيل الحكومة العراقية الحالية.
كما ذكرنا سابقاً، فقد برزت الحاجة إلى تقليص دور الميليشيات المرتبطة هنا وهناك و فرض سلطة القانون، وكانت أفضل طريقة لذلك ضم هذه الميليشيات إلى قوات الجيش و الحرس الوطني. أقوى هذه التشكيلات المسلحة كانت قوات بدر و البش مركَة، وهذا ما تم، لكنه فرض أغلبية على تشكيلة هذه القوات التي من المفروض أن يكون انتماؤها وطنياً و ليس طائفياً، فكان من الأفضل أن تتوزع هذه القوات على الأقاليم بحسب انتماءاتها، إلى حين تشكيل جيش قوي يبتعد عن الطائفية أو الحزبية أو العرقية.
وسيترتب على الحكومة الحالية التحضير للإنتخابات التشريعية الجديدة، إذ عندها سيكون للعراق حكومة دائمة و برلماناً دائماً عليهم إدارة شؤون البلاد لفترة تدوم لأربع سنوات قادمة، هذه الفترة التي يجب أن تتصف بالإعمار و بناء العراق الجديد و تشكيل بنيته القوية التي نريد ويريدها كافة العراقيون، بعيداً عن أي تحيز طائفي كان، و هذا للأسف ما زال يحصل الآن حتى في أبسط الأمور الحياتية للمؤسسات الحكومية.
و الجيد في القانون الإنتخابي الجديد أنه تم تقسيم العراق إلى ثماني عشرة دائرة انتخابية (على عدد المحافظات) وسيتم الترشيح و التصويت على المستوى المحلي، مما يعطي الناخب فرصة لمعرفة مرشحه بشكل مباشر و يبعد المرشحين غير المعروفين للشعب أو ما يسمى بالمرشح (المظلي)، فالمفروض ألا يبقى هناك مسؤولين يهبطون من فوق، بل أنهم سيخرجون من القاعدة ليرتفعوا إلى القمة.
هنا ستختلف التحالفات وتتغير الخارطة السياسية داخل العراق، وهذه فرصة لإعادة تشكيل هذه التحالفات وفرصة لخلق توازن بين الشيعة و الأكراد و السنة. فالشيعة العرب مثلاً ليسوا جميعهم من أصحاب و مناصري المتشددين دينياً، بل هناك الكثيرين من المعتدلين و الليبراليين و العلمانيين و الشيوعيين حتى.
نعرف مثلاً أن الزعيم مقتدى الصدر قد غير تحالفاته وعكس توجهه، فخرج عن تحالفه مع أية الله علي السيستاني وقد يتحالف مع السنة أو غيرهم إذ أن ثقله الشعبي يتمركز في بغداد (مدينة الصدر) أكثر من أي منطقة أخرى، كما يتوهم البعض. وكذلك الأمر مع التحالف الذي يقوده د. إياد علاوي وغيره من الزعماء الذين برزوا و أثبتوا وجودهم على الساحة السياسية الوطنية.
هذه الفرصة الأخيرة (في الوقت الحاضر)، إذا لم يغتنمها العرب السنة و أثبتوا وجودهم وحيدين أو مع تحالفات تخدم الوطن أولاً، فقد يفقدوا ما تبقى لهم من حقوق سياسية في البلاد، وحينها ستقول الديمقراطية كلمتها ولن يستمع لهم أي طرف، فقد حاول الجميع إقناعهم بالمشاركة في العملية السياسية، بدأ من العراقيين و الأمريكان و انتهاءً بالدول العربية و الجامعة العربية.
2- سيناريو انسحاب القوات الأمريكية:
بعد الإنتخابات التشريعية القادمة، قد يطرح مجدداًُ موضوع انسحاب القوات الأمريكية من العراق، وهذا ما نعرف أنه غير وارد في أجنده الإدارة الأمريكية الحالية، على الأقل لثلاث سنوات قادمة. فهذه الإدارة لم يعد يهمها الرأي العام في الولايات المتحدة ولا حتى اعتراضات الآخرين هنا وهناك.
أهم محطة في حياة هذه الإدارة كانت الإنتخابات الرئاسية، وقد انتهت هذه الإنتخابات بفوزها و ما يهم هذه الإدارة الآن هو إكمال وتنفيذ مصالحها في ما تبقى لها من وقت على رأس السلطة.
لكن ما قد يهم الإدارة الأمريكية حالياً هي انتخابات الكونجرس القادمة خلال أسابيع قليلة إذ عندها ستختلف الموازين و يحتاج كل من الحزبين (الديمقراطي و الجمهوري) إلى إعادة فرض سيطرته على المجلس و على سياسة البيت الأبيض.
لكن لو افترضنا إحتمالية المناورة في هذا الموضوع، فإن القوات الأمريكية قد تنسحب من المدن و تسلم قيادتها للقوات العراقية من جيش و حرس وطني و شرطة، وتنسحب هي خارج هذه المدن لتتمركز في الصحراء، وهنا ستكون هي الرابح الأكبر من هذه العملية التي سيخسر فيها العراقيون. إذ أنهم سيخرجون من المدن و الإحتكاك بالشعب ليبتعدون بعيداُ عن الهجمات أولاً، و من ثم سيخرجون إلى الصحراء ليتمركزوا في مواقع سيطرة على منابع النفط و خطوط الأنابيب و التصدير، وهكذا تكون الولايات المتحدة قد حققت أعظم هدف لها وهو السيطرة المباشرة على النفط، وسلمت السلطة للعراقيين و أبعدت قواتها عن موقع الخطر.
يبقى خلفها في المدن القوات العراقية بتشكيلتها التي ذكرناها سابقاً وهي التي سيكون عليها واجب الحماية وتأمين الأمن للمدن و المواطن و حدود البلاد و مواجهة الإرهاب بكافة أشكاله. فهل ستكون قادرة على ذلك؟ وإذا ما نجحت في مهمتها، فكيف سيكون تعاملها على أرض الواقع و مع التطورات التي لا أحد يعلم كيف ستكون. ثم كيف سيكون تعامل المتطرفين الطائفيين في هذه القوات أو خارجها معهم و مع الشعب و السكان في كل منطقة، و إلى ماذا قد يقود هذا؟
ثم تشكيلة الحكومة الجديدة هل ستكون قوية بحيث تستطيع مواجهة هذه الظروف و المستجدات أم ستكون ضعيفة كسابقتها التي لم تعرف التعامل مع أي من القضايا الوطنية وهموم الشعب و مشاكله، بل أنها دخلت هي نفسها في انقسامات و خلافات على السلطة وتقاسمها بدل الشراكة فيها، وهذا ما ظهر مؤخراً في سيل الإتهامات التي انطلقت بين رئيس الجمهورية و حلفائه إلى رئيس الحكومة و أتباعه.
كل هذه يقودنا للتساؤل: إلى أين يتجه العراق إذا بقي الجميع و على كافة المستويات، من أبسط مواطن و حتى أعلى هرم المسؤولية في البلاد، يتعامل مع الشأن الوطني من خلال منظار طائفي ضيق؟
نهاية الجزء السادس و في الحلقة القادمة و الأخيرة " خطر واحتمالات التقسيم أو الإنفصال"
أكثم التل
كاتب و صحفي أردني مستقل
Akthameltall@yahoo.com