أصداء

العراق و عش الدبابير2

قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك

2/7

هدأت الحرب على العراق، واندلع جحيم داخله:

رغم معارضة الكثيرين داخل و خارج الولايات المتحدة لهذه الحرب، كان هناك فئة قليلة في البنتاغون صمت آذانها ولم ترغب سماع الصرخات المنادية بعدم جدوى هذه الحرب حيث كان لدى هذه الفئة أجندتها الخاصة بها. وعرفنا فيما بعد هذه الأجندة التي تمثلت في الحصول على عقود إعادة الإعمار بمليارات الدولارات من أموال و ثروات العراق لصالح كبرى الشركات التي يمتلكها قادة البنتاغون و من حولهم و من ثم السيطرة على مصادر النفط و التحكم بأسعار النفط العالمية، ناهيك عن مصانع الأسلحة و حيتانها ومبيعاتها الهائلة، فكل الأسلحة التي دمرت العراق دفعت فاتورتها بثروة نفط العراق.

وانطلقت الحرب وكانت نجاحاً منقطع النظير للولايات المتحدة و حلفاءها حيث سقط نظام الحكم في بغداد بلمح البصر و خلال فترة أقصر مما توقع الجميع.

بعد هذا النجاح، كان يمكن الدخول في سلسلة نجاحات أخرى يجني ثمارها الشعب العراقي ليبدأ العيش في استقرار و أمان و ازدهار، لكن الإدارة الأمريكية أخذت بالسقوط في الأخطاء القاتلة الواحد تلو الآخر، ولا ندري هل هي مقصودة أم لا، لكن يمكننا من خلال قراءة الواقع أن نقول أنها أقرب إلى التخطيط المقصود منه إلى الغباء كما يعتقد البعض، بل أنه صراع داخل الإدارة الأمريكية.

فبعد تعيين حاكمة إدارية للعراق لفترة قصيرة جداً، برز صراع بين البنتاغون (وزارة الدفاع) و وزارة الخارجية في واشنطن تبعها تعيين حاكم عسكري للعراق (جاي غارنر)، حيث أخذت وزارة الخارجية برئاسة الجنرال السابق كولن باول بالضغط من أجل جني ثمار الحرب و تمكن من إٌقناع الإدارة في البيت الأبيض بضرورة تعيين حاكم مدني و ليس عسكري للعراق، من أجل تحسين صورة الإحتلال و إضفاء صورة مدنية لحكم العراق الجديد. نجح باول في اقتناص السلطة في العراق فتم تعيين السفير بول بريمر حاكماً إدارياً و رئيساً لسلطة الإئتلاف المؤقتة.

كان العراق حتى تلك الفترة يعيش في استقرار نسبي، فالشعب بدأ يتنفس الحرية بعد عقود من الحكم السلطوي الفردي الاستبدادي، وكان يمكن لعجلة الحياة أن تسير نحو الأمام و إعادة الإعمار و التقدم أن تبدأ، فالمؤشرات كانت تظهر آمالاً كبيرة بالمشاريع الكبيرة و الطموحات و تحقيق ما فات من التقدم و الإزدهار، لكن ظهرت العقبات و العوائق وأخذت بتبديد هذا الحلم، وكان هذا كله يتم تمريره على شكل قرارات من سلطة الإئتلاف المؤقتة، وخاصة من بول بريمر الذي ما انفك يقع في الأخطاء الواحد تلو الآخر حتى بدا أنه ينوي الوقوع ب "السبعة وذمتها".

بدأت أول أخطاء بريمر بترك الوضع الأمني متسيباً و السماح بأعمال النهب و السرقة لكافة مؤسسات الدولة، وهذا ما ضاعف من تدمير البنى التحتية للبلاد و القضاء على ما نجا من القصف و الضربات العسكرية، وخلق جواً من عدم الإستقرار في كافة أنحاء البلاد.

رغم كل هذا، المهم أن العراق كان يعيش وحدة واحدة، لا فرق بين سني أو شيعي أو كردي أو تركماني أو مسيحي أو مسلم أو صابئي أو أي كان. بكل بساطة، كان الجميع عراقيون.

أكمل الحاكم بول بريمر أخطاءه بطريقة تشكيل مجلس الحكم المؤقت الذي بدأ بتأسيس الطائفية في العراق حيث تم تشكيل هذا المجلس على أساس تمثيل طائفي (13 شيعة، 5 سنة، 5 أكراد، و إثنان لباقي الأقليات "مسيحيون و تركمان").

هذه التشكيلة فتحت باب التقسيم و المحاصصة، وهي نفس التقسيمة التي تم اعتمادها في تشكيلة الحكومة الأولى حيث كان لكل عضو في مجلس الحكم، ظل ممثل في الوزارة. ووضع بعدها قانون إدارة الدولة الإنتقالي الذي يعد بمثابة دستور مؤقت يحكم البلاد إلى حين تشريع دستور جديد يصوت عليه الشعب. وهذا القانون فيه من الأخطاء، و القيود أكثر من الحسنات، ولكن للأسف وقع في فخه السادة أعضاء مجلس الحكم المؤقت فقط شغفاً منهم للسلطة وهم الذين كانوا في المنفى يعيشون في المقاهي يناظرون و ينظرون في السياسة و لا يشعرون أو يدرون ما يجري بين أبناء الشعب العراقي و لا يحسون بآلامه. وافقوا على أي شيء في سبيل الحصول على و الوصول إلى السلطة و الثروة، فقد تبين فيما بعد أنهم لم يختلفوا عن أسلافهم من نظام صدام حسين أو غيره.

تشكلت الحكومة الأولى على نفس تركيبة مجلس الحكم من أشخاص عاشوا في المنفى و تم إسقاطهم بواسطة إنزال أجنبي من الخارج، باستثناء ثلاثة أو أربعة فقط، وهذا ما خلق إحباطاً جديداً لدى أفراد الشعب الذي بدأ يعرب عن امتعاضه مما يحصل، مما ساعد "المقاومة و الإرهابيين" وسهل عليهم تجنيد أشخاص أكثر من الداخل وذلك من خلال اجتذابهم إما بواسطة الإحباط أو بالمال المتوفر بكثرة لدى هذه التنظيمات على اختلاف أشكالها و انتماءاتها و تبعاتها. كل هذا خلق تربة خصبة لاندلاع المواجهات و النزاعات و الصراعات الداخلية التي لم تتوانى عن تغذية الطائفية و الفتنة في البلاد. هذا الإحباط و التسيب غذى أيضاً الجريمة و العنف و نشأت عصابات تقتل و تخطف و تنهب في كل مكان، داخل المدن وخارجها و على الطرق الخارجية أيضاً، وفتح الباب أمام تصفية الحسابات و تصفية العقول. هذه العصابات (المنظمة) و غالبيتها من بقايا النظام السابق، بدأت بإعادة تنظيم خلاياها التي أوجدتها المخابرات الصدامية البعثية و انتشرت في البلاد تهدف إلى تصفية أشخاص ممن عادوا من الخارج و من بدأ يعمل مع النظام الجديد وكذلك عقول العباقرة من علماء و أطباء و أساتذة جامعات، حتى أنهم أخذوا باستهداف المراكز الخدمية. و الضحية المحظوظ الذي لم تتم تصفيته، تم اختطافه أو اختطاف عزيز عليه لقبض فدية ثمينة منه، مما دعا هؤلاء الضحايا إلى مغادرة البلاد و هجرها من جديد. حتى أن بعض هذه العصابات كانت تبرر أعمالها باستهداف من اتفق على تسميتهم ب"الحواسم"، أي الأشخاص الذين نهبوا المؤسسات الرسمية و المصارف و غيرها أثناء الحرب، لكن هذا ليس بصحيح، فالهدف الرئيسي كان لإيجاد تمويل للعمليات الإرهابية فيما بعد، قبل تحالفهم مع المتطرفين و القادمين من خلف الحدود. و سنرى فيما بعد القرارات التالية التي صدرت عن سلطة الإئتلاف المؤقتة و التي ساهمت في هذا أيضاً.


نهاية الجزء الثاني ويتبعه في الحلقة القادمة " حل الجيش واجتثاث البعث واندلاع المواجهات الداخلية"

الجزء الاول


أكثم التل
كاتب و صحفي أردني مستقل
Akthameltall@yahoo.com

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف