ثقافات

مؤيد الشيباني: عراقيٌّ يركضُ في قبره

-
قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك


&

تحت كل نجمةٍ
ثمة عراقيٌّ يركضُ في قبرِهِ
حاملاً جحيمَه الأبدي ، وعلى كتفهِ عباءةُ التعب
مثلَ درويشٍ هائمٍ في نقطةٍ ضالة
مثل نبيٍّ يئنّ في فضاء العزلة

***

ثمة عراقيٌ أضعفُ من أنين
يرتّب على طاولةِ الفقدِ أغانيهِ ويبكي
ويعضّ على يده حدَّ أنْ ندمَه&
ماذا يفعل باللغة؟
ماذا يفعل بالتاريخ؟
ماذا يفعل بدوران الشمس والقمر؟
ماذا يفعل باحتياطي النفط في "جزر مجنون"؟
إنه جائعٌ يمضغُ فراغ فمِه على رائحة شواءِ الحضارات
ويركضُ في صحراء روحهِ بلا نهاية

***

تحت كل نجمةٍ ثمةَ عراقيٌّ يتذكر من قبرهِ :
حشود "الغبران" أمامَ مكاتب التجنيد
الخرقَ السوداءَ على جدران هزيلة
وجوهَ ذوي الأحزمةِ البيضاءِ الصارمة
طينَ الأحياءِ في الأزقةِ المنسيةِ بعد المطر
المرورَ المروّعَ للسياراتِ الخاصة
عيونَ الامهات التائهة في الأسواق الصدئة
صوتَ المذيعِ يعيدُ البيانَ الأول للمرةِ الألف
نبرة قارئي الأدعيةِ حول القبور&
مقاهي الصامتين في المجهول
الجنود المُهرَبين على الحمير بهيئةِ أكراد

***

ثمة عراقيّ يسأل زوجته : هل لدينا مُتسعٌ للحب؟
فترد عليه : ربما غدا عندما تخرجُ من السجن!
وتسددُ آخر قسطٍ من قرضِ "البدل النقدي"
وحين ترفعنا الكويت من "البند السابع"
وعندما تحلق رأسك المتسخ بقملِ الأحزان
عندئذٍ ـ تقول له زوجتهُ ـ نهرب خفافا بلا ياء للنسب&

***

ثمة عراقيٌّ يخبّيء في معطفه حمولة شائكة
من "سنحاريب" إلى "القائد الضرورة"
من "القادسية" إلى "حسين كامل"
من "هارون الرشيد" إلى "ساطع الحصري"
من "سرداب الغيبة" إلى برنامج النفط مقابل الغذاء
من "أم المعارك" إلى "أم الربيعين"&
من "عبد الزهرة الكعبي" إلى "بريمر"
من "جلجامش" إلى "الشمر بن ذي الجوشن"

***

تحت كل نجمةٍ ثمة عراقيٌ يتمنى :
لو هذه النجمة تهبطُ إلى الأرض
لو هذه الأرضُ تصعدُ إلى النجمة
لو هناك بيتٌ بلا أبوابٍ .. معلقٌ في طرفِ النجمة
لو بيتٌ صغيرٌ في النسيان ، بلا كلامٍ ولا صورٍ ولا أسماء
لو وقتٌ فارغٌ من الأيام ، يمر كأنه شرود
لو أي شيءٍ بلا معنى ، نرتب طفولته ونلقنه ما نريد
بلا غايةٍ .. نخرج منه ونعود إليه
لا يرانا ولا نراه

***

عراقيٌ يطفيء الذاكرة بحجارة الضجر
يبحث عن رماده في قاع رئتيه
ويعيد السؤال نفسه :
متى توافق إيران على وقف الحرب؟
متى توافق السويد على طلب اللجوء؟
متى تتوقف السيارات المفخخة؟
متى يظهر "صاحب الزمان"؟
ويسأل ربه : إلهي هل تكرهني؟
وهل كان آباؤنا سيئين إلى هذه الدرجة؟
أنت تعرف يا إلهي لم نكن نحن
لقد عبروا الصحارى ليتقاسموا الغنائم
وبقينا مثل الحمير ندور بآذاننا الطوال !!
هل هذا جيدٌ يا إلهي؟
لقد نفدت منّا الـ "متى" كلها
والـ "لماذا" تكسرت أجنحتها في قفص أبدي
مثل صمتٍ غائرٍ في الرقبة
مثل أنين ناحلٍ من بعيد ..&

***

عراقي يصرخ :
جبلٌ شاهقٌ يفصلني عنّي
أصرخُ ولا أسمعني
أقفزُ عاليا ولا أراني
أنتظرُ عند سفح الرجاء ولا ألتقيني
لم يعد بإمكاني لقائي
كم عليّ َ أن أبددَ ظلمتي لأرى يدي بكامل هيئتها
وأرى قدمي بكامل ثقتها
وأراني من جديد؟
كم عليّ َ أن أركضَ لأرى بريقَ روحي
كم عليّ أن أموتَ لأطمئنّ َ الى أنني حيّ ٌ
ألمسُ حضوري ، وأغرفُ منه ما أريد ، وأخبّيء منه لغد ٍ
وأركل منه ما ليس يعجبني
كلما فتحت نافذتي لم أجدْني ..
أين ذهبتُ؟

***

ثمة عراقي يصرخ :
أيها الكلاب .. أيها الكلاب
أما تشبعون من دمنا ؟
مرة ترموننا على إيران مثل خرافٍ معصوبةٍ بخِرِق العَلم الملفّق&
وتجبرون أهلنا على الغناء والرقص من خلفنا ..
ومرة ترموننا على الكويت لكي نجلبَ لكم الغلّة
ونهيءَ أنفسَنا وأهلنا لفقر الدم
ومرة ترموننا على سفوح الجبال
ليلتقطنا "آل بارزاني" وأعوانهم ، بمصائدهم واحدا واحدا
حتى لا مفر أمامنا من قطع السيقان والتدحرج مثل خرقٍ بالية&&
ومرة تبعثرون أجسادنا طعما لسمك "الأهوار"
ثم تجبروننا على تجفيفها بحثا عن بقايا عظامنا الخائنة&
ومرة تزرعوننا في عيون "المارينز"
وعلى طرقات اليورانيوم المنضب لنحصد السرطان
تبا لكم .. أتحسبون أننا لا نفهم نواياكم؟
أيها المتمرسون بالقتل تحت راية سوداء مرقطة& ..
سوف نكتسب خبرتنا بعد ألف سنة
وعندئذٍ ننهال عليكم بطلب الصلح
أيها الكلاب

***

ثمة عراقي كأنه خارجٌ للتو من مناجم الظلام
من سوادِ الكلام والمرارات الصامتة
من انشغالاتٍ لا معنى لها
من ندمٍ يتجدّدَ مثل أفعى
من أسئلةٍ قاتلةٍ
حين يخرجُ خمسَ دقائقَ يستريحُ في حديقة روحه
يصرخ يا إلهي :
ليس ثمة أريكة في الحديقة
ليس ثمة ماء
ليس ثمة عصافير
ليس ثمة حديقة !
ماذا فعلتُ بنفسي ؟
***

ثمة عراقي بلغ السبعين ولم يزل بلا بيت&&
يقف على ضفاف الرحيل ويصرخ:
أنا مثلك أيها الغجري
طوت الريحُ بيوتي كلها ولم تُبقِ لي سوى الوهم
غنيت كثيرا على إيقاع ألمي
حدّ أني كسرت غيتاري
لكأن شلالا يرتطم هديره بالفراغ الموحش
مثل صوت ارتطام الأملِ بلا شيء ..&
&
***

ثمة عراقيّ وحدهُ لفرط وحده
لا يقوى على إزاحة جدران الصمت
كتفاه ناحلتان
وصبره بلا وعدٍ ولا جنة&
يجلس فوق دكّة الانتظار ويضحك
يعدّ خطوات الموت متجها إليه .. ويضحك
دعْهُ& أيها الإنتحاري ..
دعهُ يضحك "يا وحشي"
فإن كبده لم تعد تحتمل كل هذا المضغ الحاقد

***

مثل كومة قططٍ ميتة
مثل أعمى وحيدٍ سقط في حفرة
مثل شبحٍ لم يبدُ منه سوى خيط دخان
ذلك كلّ ما يتذكره العراقي على دكة الموت&
ربما لاحت في ذاكرته أيضا نافذةٌ واحدةٌ ضيقة
تطل على جارةٍ وحيدة
صباحا تغلق النافذة وتذهبُ إلى السوق
مساءً تفتح النافذة وتمشط شعرَها حتى تنطفيء الشمعة
أيتها المجنونة
ألم تريْ مجنونا يذهبُ في الصباح إلى السوق
وفي المساء يمشط وحدته ؟&
لا أحدٌ يوقد شمعة
لا نافذة
ولا رصيف
فقط الرياح تدور مثل موت يوزع وحشته على القبور
في صالة الانتظار
حين سألتُه عن الساعة الآن
لم يجب أنها الواحدة
ولم يضفْ أنها الثانية أو الثالثة في مكانٍ آخر
لم يقل إن الطقسَ غائمٌ ، وربما سيكون ممطرا بعد قليل
ولم يدرْ رأسه يمينا أو يسارا
ولم يقل ما الذي على الشخص أن يفعله حين لا وصول
ولا رحيل
ولا شيءَ لأي شيء ...

***

ثمة عراقيٌّ تخطيءُ المذيعةُ باسمه دائما
فيجدَ نفسه عاملَ مطعمٍ على حدودِ هنغاريا
أو نادلا في بارٍ ألماني
يقدم البيرة للجنودِ القادمين من ثلوجِ النسيا
فلا هم يشبعون ولا هو يستطيع العودة إلى الكوفة
لاهم يتذكرون خبز أمهِ في تنورِ الخرابةِ
ولا هو يعرف اللغة الهنغارية !!&&

***

ثمة عراقيٌّ ليس اسمه "الجواهري" في مقابر دمشق&&&&
ولا "بلند الحيدري" في مقابر لندن
ولا "شمران الياسري" في مقابر يوغسلافيا
لم يبق منه سوى خرقٍ بالية في حفرةٍ مجهولة
اكتشفها عابرٌ بين أضلاع الوطن
وصاح يا حاملات الصور ، هلمنَ إلى اللطم في البريّة&&&
لكن أحدهم خرج من بقايا جمجمته وصرخ بأمه :
أخفضي صورتي لكي لا يتهموننا بخيانة الموت!!

***

ثمة عراقيٌّ يركض بين الأهوار والأنفال
حاملا قربة جلجامش
ليوزعَ شربةَ ماءٍ على نسوةٍ في الظهيرةِ
يبحثن عن جثثٍ مجهولة
في كل يومٍ يملؤها ببقايا فرات&&
ويثقبها "حرملة بن كاهل" أفضل رامي سهامٍ عند العرب!

***

ثمة عراقي أعمى :
قليلٌ من النظرة ِ أيتها العتمة
قليلٌ من إلى أين أيتها الطرقات
وقليلٌ من القليل ِ أيها المتبقي
فقد تعبتُ من هذا الذي ليس لي
هذا الذي يمرّ أمامي ولا أراه
يأخذني الى النهايات ويعود بي مبتدئا كأنني ابن الوهم
قليلٌ من الضوء ِ أيها الإنطفاء
لكي أشمّ رائحة القهوة في الصباح دون تردد
لكي لا أضرب كفا بكف ...
لو لم أكن عراقيا لكنت الآن وصلت إلى البيت
أفتحُ الباب
وافتحُ حديثا&
وافتحُ عينا
كأنني لم أكنْ متعبا ووحيدا
لو لم أكن عراقيا
لكنت الآن مثل قمر ٍ يشعّ فوق عرش المساء
لايخاف ولا يتوقف عن النظر إلى المدينة
ولايأبه بطبقات الغيوم التي تحجبه
لو لم أكن عراقيا
لغنيتُ بأعلى صوتي حتى ساعة متأخرة
فأنا في تلك اللحظة أريد أن أغني بمعزل ٍ عن جواز سفري ...&
قليلٌ من الأصدقاءِ أيتها الوحدة
أولئك العالقينَ برواتبِهم الضئيلة
والذين اسْودتْ عيونُهم في ثلوج ماوراء البلطيق&
والذين تأتي أصواتُهم من بعيد
مثلَ موتى يخرجونَ من قبورِهم لخمس ِ دقائق
قليلٌ من الصبرِ أيّها الانتحار
&قليلٌ من العراقِ يا إلهي
لكي أعرفَ قبلتَكَ دون سؤال ....

***

ثمة عراقيٌّ
للآن يبحث عن غده في نشرات الأخبار

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
نص جميل جداً
كامل -

هذا نص جميل جداً. حقاً هذا هو كل ما عليه العراقي.