ثقافات

حالات من الكثافة والسرد الجمالي في "شامة بيضاء" لإيمان زياد

-
قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
تحتضنُ القصيدة فضاءاتها عبر جملة من الأشكال الشعرية المتكثرة، وإذا كانت النصوص القصيرة المكثفة تمثل طريقة للأداء الشعري، كشكل له تركيباته الخاصة التي تركز ، فيما تركز، على الجمل القصيرة ، وعلى ما نسميه نقديا ببنية الحذف لا بنية الكتابة، وعلى إشاعة قدر من التجريد، والإيجاز المركز للبنى السياقية بالنصوص، أفقيا ورأسيا، فإن هذه الطريقة كما عهدنا في التراث الشعري المعاصر، تفعيليا أو نثريا، تهب الشاعر/ الشاعرة قدرا من الوعي الذهني المركز أيضا، الذي يجعلهما بمنأى عن استجلاب الأجواء الشعرية المنبسطة المطنبة المسترسلة، لتصبح النصوص مشطوفة، مسنونة، حادة حتى وإن كان الخفوت الدلالي مهيمنا على بعض مشاهدها.& في ديوانها:" شامة بيضاء" ( دار دجلة، عمان 2015) &تقدم الشاعرة إيمان زياد هذا الوعي المركز في جملة من النصوص القصيرة المكثفة تبلغ (129) نصا، تكتب الشاعرة فيها ذاتها، وتضيء مكنون هويتها الدلالية عبر كلمات منتقاة بدقة.& الشاعرة تبدأ بالعنونة باصطفاء الصغير جدا الذي يطوي تحته أو فوقه لفتات متتابعة. فالشامة كدالة هي تعبير عن نقطة صغيرة، تلوح غالبا في الوجه أو في زاوية جسدية ما، ربما تكون ملفتة أو غير ملفتة لكنها تبقى على الأرجح أداة تمييز، وحين تكون بيضاء فإنها تعكس حالة / نقيض، لكنها بالنهاية هي حالة فرح، أو حالة انصراف عن المألوف إلى مشهد آخر، مكثف ومترع بالبياض.& في النص الأول رقم (1) تعرف الشاعرة هذه الشامة وتدل عليها بالكلمات:شامة مشاغبة&تراقص أضلعيتجذرت فيهحتى خجِلَ الليلُ من سمرتهاشامتي العذبة، نهاري اللؤلؤيوبها أبدأمطلعي . / ص 9&هي شامة تحف بالبياض، لتكن رمزا لوجه، لتكن رمزا لنهار لؤلؤي يسطع عما قريب، لتكن خلاصة لذكرى ما، أو لمناسبة وجدانية، ولتكن في التحليل الدالة الجمالية الأولى التي تنبهنا إليها اشلاعرة بدءا من العنوان، وليس انتهاء بتكرارها في أكثر من نص ، حيث تظهر الشامة البيضاء تاليا في النص رقم (58) :في سكون الليل يحتلنيوجهكَ&أقفز إليهشامة بيضاء&يراودها أمل باللجوء / ص 46&&كما تتجلى في نص ثالث هو النص (88):سألتك مرةعن شامة تنز قهوة&تزأر إذا ما ثنت وجهك غمزةٌثم قفزت من صفحتكإلى خاصرتي&&مما يؤكد &- يقينا &- أن ثمة رمزية ما تريد أن تهبنا الشاعرة إياها كمعطى دلالي أو جمالي، ترتقب فيه حالة وجدانية، أو حالة وطنية، أو حالة رؤيوية حالمة. وهذه الرمزيات يمكن أن تفكك شطرا من البنى النصية التي تقدمها لنا الشاعرة في تعبيرات شعرية رهيفة .& وجدان الذات والآخر:& تنبثق الذات في مختلف التجليات النصية بالديوان، عبر هذه النصوص جميعا تعبر الشاعرة عن أناها بشكل متكثر، هذه الأنا التي تطل حينا من وصفية مشهدية، أو من سرد جمالي عن الأنا وأشواقها وتطلعاتها، وهي أنا " وجدانية" مرتبطة بالآخر، في النصوص الثلاثين الأولى تقريبا ثمة مراوحة بين نص ونص، الأول يعبر عن الأنا الشاعرة، فيما يعبر الثاني عن الآخر، وهذه التعبيرات تتلاقى في التحليل الأخير لتصف حالة وجدانية سنتيمنتالية ، وهو ما يسم معظم تجليات التجربة النصية لدى الشاعرة التي تشكل من دلالات محددة روزنامة سياقية وتعبيرية ملحوظة، تقتطف فيها من دلالات: الغيم،في أكثر من نص، ومعه دلالات الريح، المطر، الهواء، الأرض، العصفور، الدوري،الغراب، الصقر، & الكناري، & الفراشة، اللوز، الليل، الطيون،الريحان، &الجوري، الصنوبر،التين، &السرو، الزيتون، الأقحوان، الفستق، التفاح، العنب، الحنطة، صانعة أجواءها الشعرية الشامية الخاصة. هذه الدلالات تنتشر بمعانيها الأولى مشكلة جملا شعرية أولية ربما لا تنهمك فيها الشاعرة في تعميق لحظة لقاء الدلالات ببعضها البعض، وربما تنأى عن المعاني الجوانية البعيدة التي تتطلب جهدا قرائيا ما في تأويلها، أو الإصغاء إلى مكامنها. إيمان زياد تتحرك في بقعة التواصل اليسير مع القارئ، وفي بؤرة المعاني الأولى على الأغلب على الرغم من وجود بعض النصوص التي تنهمك في الاستقصاء الدلالي الرأسي، بعمق، ومحاولات نفاذ إلى المكنون، لنأخذ بعض المشاهد التي تعبر عن الأنا والآخر في نسق وجداني بيّن:&ضمة القرنفل التي تعبتْوهي تقرع جرس البابحقيبتكَ التائهة في محطة القطاروراحة كف تسرقُ قبلات طارئةفوق شقةعالقة داخل ريق المحاولةأسند إليها روحيريثماتدركنا السكينة / ص 16&&- إذا ما تأملتُ وجهكَورحتُ أنظمُ انحناء الليل عند طرف السريرأفرغتُ غزل البنات فوق الشفاه / ص 17&- يجيء الحب سريعافتخطفنا المعجزاتوحين يسيل الملحالمبلل بالندىنرى عورة الخطيئةونوغل في الغياب / ص 26&كما نرى ، هي صور وجدانية: ضمة القرنفل التي تقرع جرس الباب، والكف التي تسرق القبلات، وانحناء الليل عند طرف السرير، والملح المبلل بالندى، ووالحب الذي يجيء فتتجلى المعجزات، هي صور تتنبه للعاطفي أكثر، ولا تسعى لاستقصاء ما ورائه من مكابدات أو مفارقات، أو عذابات إنسانية. هذا هدوء شعري لكنه هدوء متأمل وليس عاصفا، لسببين:- الأول :غياب بنية التساؤلات عن فضاءات النصوص.- والثاني : اليقنية الدائمة التي تكتب بها الجمل الشعرية.&وفي هذه الحالة النصية سوف يغيب الاستقصاء، ويغيب البحث عن الجوهر، وعن صياغات أكثر عمقا وتنقيبا عن المكنون، وهو ما يمكن أن يسم التجربة الشعرية الراهنة الحافلة بالتوتر، والمترعة بدرامية ما مسنونة وحادة ومفارقة. وهو ما جعل الشاعرة تضمن ديوانها بعض النصوص البسيطة مثل النصوص: 63/72/73 مثلا، التي تقرر فيها جملا، وتقدم أحيانا شعرية بسيطة لم تعد معهودة في اللحظة الشعرية اليوم.& بالتأكيد ليست التساؤلات أو اليقينية تشكلان قانونا شعريا ما، لإبداع القصيدة، بيد أنهما تنيران دروبا دلالية أخرى داخل النسق الشعري، وتعطي القارئ مساحة من التخييل أو التوهم، ومساحات من التأويل هو في حاجة لها لإدراك ما ورائيات الأشياء أو على الأقل للتفكير فيها وفيما تستصرخه الأشياء من رؤى تتجاوز العابر والمعهود.&&جواهر الوطن:&& لا تنأى الرؤية الوطنية عن نصوص الشاعرة إيمان زياد، فهي كامنة في أداء بعض الجمل الشعرية التي تتسلل في المشاهد الوجدانية، ولكن ثمة نصوص أخرى تتجه لهذه الرؤية مباشرة، مثل النصوص (37/ 40/ 45/ 48/ 51/ 54/ 56/ 57/ 62/ 82/ 84/ / 113/ 95/ 119 ) وهي نصوص تبني دلالاتها عبر رؤيتين: إما أن تكون مباشرة بالتعبير عن حدث وطني، أو واقعة مقاومة، ضد الاحتلال الصهيوني لأرض فلسطين، أو ضد حروبه البربرية، أو في مشاهد تعبر عن المكان الفلسطيني، والرؤية الأخرى تأتي بشكل رمزي تتموج فيه الدلالات ما بين الإشارة أو التضمين، وتستوعب شعرية اللقطة هذه النصوص الشعرية، متشحة بأبعاد مفارقة، مكثفة.&&في النص (37) تقول الشاعرة:&من نهد الأرضنُرضعُ أطفالنانقيم ولائم الحريةفي عروق الزعتر والميرميةوالبندقية الغافيةفي رحم اللوز .. ظلتْتناجي يدا غائبةكي تغفر صدأ الزناد / ص 32&ومن النصوص التي تستدعي فضاءات الرؤية الوطنية كذلك التي يتم التعبير بها بشكل غير مباشر ، ربما تعبر عن الشهداء النص (61) :&&&أغرسُ الشمس في حنك الحكاية&أمحو الليل من سكرة الموجسيعبرون ضفة المنتهىوالذباب يسرق ثيابهم المبعثرة . / ص 49&معظم نصوص الديوان قصيرة، تسعى لملامسة كثافة ما، وتترى بين التعبير المباشر حينا، أو التعبيرات التي تشكل لها نوعا من التظليل الدلالي ، وهذا التظليل تتطلبه القصيدة الراهنة، وتتطلبه عملية الإبداع الشعري بوجه عام، لأن الشعر يقلنا بحسب سياقاته إلى سحابات ما وراء الكلمات، بحسب تعبير وليم راي في كتابه &- معنى المعنى - ، وأقصر نص بالديوان هو النص رقم (63) مكون من ثلاثة أسطر :&لعينيك شفاهترسم بالياسمينصوت الآه / ص 50& وبغض الطرف عن يقينية الأسطر وبساطتها هنا، لكن الشاعرة تسعى إلى تنوع ما سينعكس على رؤيتها المقبلة بالتأكيد من جهة استشراف بنى أكثر استقصاء، وأكثر معايشىة للتجارب الشعرية التي تحدث قدرا من التحولات الجمالية والدلالية معا. ولعل في " شامة بيضاء" ما يعزز رؤيتها ويحفزها إلى نطاقات شعرية ثرية متكثرة .&&

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
تحيّة
شوقي مسلماني -

جميل الصديق عبد الله \ وتحيّة للشاعرة