ثقافات

أنفال عبدالباسط الكندري: عندما تتغلب الأنانية على الحب

-
قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

&


أغلق كتابه ثم رتب أوراقه بعد أن تأكد بأنه أتم المادة التي كان يحضر لها , دخل الحجرة فوجدها لاتزال تفرد جسدها وتستر ألمها وخوفها بالغطاء الذي سيدخل تحته , شعر بالحرج من نفسه ومن ذلك الدور الذي لعبته بحياته , فجلس بجانب رأسها باحثاً عن عينيها ولكنها كانت تخفي ملامحها بين وسادتها التي شربت الكثير من دموعها , دمعت عيناه التي كانت تقول له بأنها خلقت لتكون مرآة تعكس وجه الفرح فقط , سقطت تلك الدمعة التي كان يخفيها بعيداً في صدره على كفها لكن نومها كان أعمق من أن تشعر الآن بحرقة تلك الدمعة الصامتة التي تمثل دور صاحبها , أخذ يتلمس المحبس الذي أسر من خلاله أحلامها وشبابها ورغباتها خلف خطواته المنفردة التي تنصب طرقها في نهر نجاحاته , تذكر كيف دخلت إلى منزله أميرة صغيرة بقلب كبير وروح تحلق في السماء , كيف كانت تعشق الزهر وتعطر كلماتها كل مكان تسكنه معه .أغمض عينيه ليرجع بضع سنوات للوراء , عندما دخل وبين يديه حلم كبير ليسألها إن كانت قادرة على حمله معه , وإن كانت قادرة على ترك كل شيء خلفها .. والديها ووطنها وبيتها الصغير .. أهلها وأحلامها لتتبعه , لتكون ظلاً يرتاح تحته , وماءاً لعطشه , تكون صدراً يضم حزنه وكف حنونه تشد من أزره , كيف كانت حجم فرحتها بثغره الباسم وهو يطلب عمرها القادم له , خرجت من وطنها دون أن تلتفت وهي ترى به سماء وأرضاُ والخط الفاصل بينهما كان في عينها هو أيضاً , كيف عاشت معه سنوات انتظار .. انتظار أن يعود من الجامعة و أن ينهي فصله الدراسي وعامه الأول الذي عانى به كثيراً بسبب ضعف اللغة , وبانتظار أن تفطر على صوت الآذان في المدينة التي ولدت فيها وأن يفاجئها بأنها سوف تستقبل العيد هذه السنة وسط أهلها وبين والديها وأخواتها &, وكم مر وقت كانت به تنتظر أن يدخر شيئاً قليلاً ليدخل عليها بشيء صغير يخصها به , يعبر من خلاله عن امتنانه لوجودها فقد فقدت في زحمة الكتب طعم الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة التي تعنيها .فتح عينيه ليبكي على يديها وهو يتذكر كيف بكت في احضانه وهي تطلب منه أن تسافر لتودع والدتها للمرة الأخيرة , بكى لأنه مسح دموعها لكنه لم يضمها لأنه لم يشعر بحرارتها ولأن تلك النار التي أشعلها الخوف من فقدان وطنها وأمها ودنياها لم تحرك شيئاً داخله , بل أكتفى بالتأجيل إلى حين أن يفرغ من تقديم اختباراته وخرج يركض نحو مستقبله , لم يقلقه بعد ذلك صمتها ولم يشغله حزنها , فقد كان كل شيء في جدول مواعيده ثابتاً وحاجاته جاهزة لازالت ترتبها بيديها , كان كل شيء حاضراً إلا هي تظل شاردة الذهن طوال الوقت بجانب النافذة , حتى جاء خبر وفاة والدتها ذلك الخبر الذي جعلها تنهار بين يديه ليفقدها بعدها , فبعد بكاءها خلدت للنوم .. وأصبح النوم حياتها .. و الوسادة صدر والدتها التي لم تتمكن من تقبيلها للمرة الأخيرة .مضت الأيام &وأنها فصله الدراسي الأخير , ولكن فصل الحزن في قلبها لم ينتهي , لازالت تنظر إليه كل صباح بصمت وتجلس بجانبه بعد أن تعلق قلبها بعيداً عن يديه , عاد إليها ذات نهار ليخبرها أنه قطع تذاكر العودة لوطنهم , لكنه وجدها دون أمل وذاكرتها لم تعد تحمل أي صورة لملامح وطنها بعد أن غربت شمسه خلف قبر والدتها الذي جف ترابه دون أن تلامسه , تيقن حينها أنه أبقى على جسدها فقط بجانبه أما روحها فقد فقدها بأنانيته .

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف