غياب الجودة في ثرثرة سلمان العودة (2/2)
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
تمتد المتابعة والتعرف على العودة منذ أكثر من عشرين عاماً، وبالتحديد في حوالي عام 1405هـ عندما ألّف كتيبا صغيراً أسماه: "المسلمون بين التشدد والتيسير"، وهو إصدار ليس في قراءته إلا وجع العين وإضاعة الوقت!
لم أكن أعرف الكتاب لولا أن شيخنا الزاهد عبد الكريم الحميد أعطاني قصيدة في هجاء العودة وكتابه، أعطاني إياها قبل أن يبدي تذمّره من مجيئي وطلب العلم على يديه، لأنه حذّرني في ذلك الوقت، وخيّرني بين تحقيق طلباته أو ترك الدرس والحضور الذي كان يخصني به أنا وأحد الأصدقاء، ولازلت أتذكر بكثير من المتعة تلك الأيام التي كنا فيها نستمع إليه بعد صلاة الفجر حتى صلاة الظهر، إذ كان الشيخ لا يستسيغ الكهرباء ولا السيارة، رافضاً كل الوسائل الحديثة، ظناً منه أن للشيطان دخل فيها!
أما الشرطان اللذان طلبهما من صاحب السطور، فكان أولهما ترك الدراسة في الجامعة الإسلامية في المدينة المنيرة –على ساكن ثراها الصلاة والسلام-، وثاني الشرطين هو عدم إيذاء اللحية، بل إكرامها وإعفاءها من مقص التهذيب والتشذيب!
آه، إنها أيام مضت لازال في الأذن بعض موسيقاها التي كانت تتوالى من فم الشيخ عبد الكريم، وكم كنا –بل ولازلنا- ننظر إليه بعين الإعجاب والإكبار لشدة تحمله وصبره على الحرّ والقرّ، وزهده في العمل والوظائف، وتتفهه للمال، وهجره للعملة بكل أشكالها وصورها!
إنها أيام من عمر الزمان شهدها المكان، وتفرّق الطرفان ولم يبق منها إلا الذكرى والسلوى، وشيء من الاحترام والإجلال لرجل جاء وسيرحل غريباً وحيداً.. إنه الشيخ عبد الكريم –حفظه الله وقمّصه لباس العافية- الذي علّمنا الصبر والقوة والمباهلة والاحتساب، واليوم أصبحنا معه على طرفي نقيض، نختلف معه فكراً وسلوكاً، بقدر إعجابنا به شخصاً وطريقة ومثابرة وزهداً، إنه مثال للرجل القوي الثابت على مبدئه، الحرّ لأنه لا يستعبده أتباع ولا أطماع ولا "متاع"!
هذه مقدمة لابد منها، لأن الشيخ عبد الكريم ردّ على الدكتور سلمان العودة، فعلّمنا منذ تلك الأيام أن لا كبير إلا الجمل، ولا قوي إلا الدليل، ولا صحيح إلا الحق، ردّ عليه لأنه فهم أن العودة يقصده في كتيّبه الذي أورد فيه أفكاراً وفتاوى لأناس يُحرّمون الكهرباء والسيارة والوسائل الحديثة، فهِم الشيخ عبد الكريم –وفقه الله- ذلك، رغم أن رُسُل إصلاح بيّنوا للشيخ عبد الكريم أن المراد والمقصود هم أُناس آخرون، ولكن الشيخ لم يقتنع، وأظنه كان محقاً في ذلك، إذ أن نصّ الكتيب لن ينصرف لأحد غير شيخنا الحميد!
هذه فاتحة اللقاء المعرفي بين العودة وبين فتى مازال يتخبّط في مدارج الوعي، غلام للتو ناهز الحلم، قذفته الأيام ليعيش الشتاء في المدينة المنيرة، والصيف في بريدة الغريبة، وبين رحلة الشتاء والصيف بدأت الحياة تكشف عن ملامحها الملوّنة، ما بين قمر بازغ وشمس طالعة، ليعود الاثنان في آخر سعيهما ما بين قرص أحمر كالفانوس العظيم، وآخر يتناقص حتى يبدو كالعرجون القديم مائلاً للأفول، ومن ذا الذي يحب الآفلين؟!
وقبل الدخول في ثرثرة العودة المنتشرة في الجهات الأربع، يجدر بالحبر أن يشير إلى أن المراد بالثرثرة هي ما يصدر عن الشيخ من أشرطة ومحاضرات تتعلق بالشأن العام، وغيرها من قضايا السياسة والاقتصاد والاجتماع!
أما سلسلة الدروس العلمية التي يدرّسها الشيخ، فيها "علم" خالص، وتخضع لموازين العلم ومقاييسه وأدواته، بل إنها مهنة الشيخ سلمان قبل أن يتحوّل إلى "سوبر ستار قضايا عامة"، ورجل يحمل جمجمة تدّعي معرفة "كل شيء"!
من هنا تبدو أحاديث العودة وتدخّلاته السياسية والاجتماعية، وإبداء رأيه في ما هبّ ودبّ من شؤون الحياة، تبدو شأناً مباحاً ومستباحاً، ومن جلس في الطرقات يجب عليه أن يصبر على أذى المارّة، ومن المستحيل أن يدخل العودة في كل الشؤون العامة بوصفه شيخاً "مسموم اللحم"، إذ الشأن العام "اسم على مسمّى"، يتناوله العامة قبل الخاصة، وأرجو أن يفهم العودة هذا الملمح، لأنه ملمح يصعب على أمثاله –أو لنقل على حواريه- فهمه، فهم يريدون شيخهم أن يدخل في كل شاردة وواردة، في ذات الوقت يريدونه أن يبقى فوق الشبهات ومحل الطّهر، وبعيداً عن متناولات النقد والتجريح، وإن كان صديقنا الشجاع د. غازي القصيبي قال قبل سنوات قاصداً فئة العودة: "إننا نرجو بركتهم ولا نريد شهادتهم"، فهو قد بالغ وجامل لأن البركة مفهوم زئبقي عنيد، لا يُطلب من أحد، بل لنقل من كل أحد، لأنه مثل بركة الطعام لا تُدرى أين هي، أو في أي لقمة، لذا يجب على الآكل قول "بسم الله أوله وآخره"، لغياب زمان ومكان ولحظة البركة!
وغني عن القول أن الثرثرة هي فهم العودة للنصوص، أما النصوص بحد ذاتها فهي مقدسة، ولا يأتيها الباطل من يمين ولا من شمال!
وأول ثرثرات العودة انه اقتنع بعقله ووجدانه وتفكيره، وختم كل ذلك بختم فهمه للنصوص الدينية، وأخذ ببثها بوصفه مُبشِّراً ونذيراً، قد لا يُدرك هو ذلك أو بالأحرى قد ينكره، ولكن واقع الحال يفضحه، إذ كيف يتصدّر للمحاضرات والفتاوى وتوجيه الشباب، إن لم يكن مقتنعاً بنفسه، واثقاً منها بأنه الأفضل والأجدر، مُلوحاً بقوله: "خذوا عني مناسككم"!
وحتى يُقطع الخط على المرجفين في المدينة، وغيرها من المدن و"القرى"، قد يرد هنا ردّ يقول بأن شيخنا العودة يتّبع من معه "الدليل"، وهذه حجة أكثر ضبابية من غيرها، إذ كل عالم يقول مقولة الإمام الشافعي: "إِذَا صَحَّ الدَّلِيلُ فَهُوَ مَذْهَبِي"، الأمر الذي يُدخلنا في إشكالات الدليل، وطُرق فهمه، وتوجيهه وعلاقاته الزمانية والمكانية. إذاً هذه ليست حجة، ولا مناص من الاعتراف بأن العودة -وفق ممارساته الحالية- ليس أكثر من ظاهرة تطالبنا بالاستقالة من التفكير الحرّ والنقدي، لأن مهمته الأولى هي الإقناع برؤيته، ووجوب المحافظة عليها، والتقيّد بها والسعي الحثيث -بل والمستحيل- للتماهي معها، وذلك من خلال استبعاد كل ما تولّده التجارب الحية، والتنوّع والثراء، أو ما تكشف عنه الجِدّة والأصالة والحداثة في ذات اللحظة.
والعودة في دفاعه المستميت خائف من ضياع فكره وفساد بضاعته، بعد أن أظهر عصر المعلومات هشاشة الطرح "الصحوي"، وفضَح ضعفه، وكشَف عورته وإفلاسه، والعودة وغيره لا يُلامون في هذه الاستماتة، فهم في النهاية بشر لهم أهداف وغايات، ومن السذاجة وصف الغايات أو إلقاء التهم أو رمي الكلام على حجارته، لكن الأكيد أن لكل فرد غاية وصيد، وقد قال شاعرهم النجفي:
كُلُّ مَنْ فِي الوُجُودِ يَطْلُبُ صَيْداً غَيْرَ أَنَّ الشِّبَاكَ مُخْتَلِفَاتُ!
فابحث -بارك الله فيك- عن "شبكة" هؤلاء وأولئك، وستجدها متى ما استقامت محركات البحث عندك! وثاني ثرثرات العودة بأنه توهّم ذات ليلة بأنه يعرف كل شيء، فأقام محاضرات للإصلاح الشامل، وأصدر أشرطة عديدة منها: "نصيحة لرجل الأمن"، و"رسالة للمعلم"، و"أسباب سقوط الدول"، وعشرات الأشرطة بل مئاتها، ومن يستمع إلى هذه الأشرطة –الآن- سيستهلك الضحك وقته، وستقطع القهقهات صمته، لأن مضمونها –خاصة في جانبه "الاستشراقي"- ليس أكثر من أضغاث أحلام عبرت في عقلية فلاح بسيط!
إن توجيه الرسائل وبثّ المحاضرات ومحاولة القفز على الحواجز، وتخطّي مراكز الدراسات، ومجامع البحث، هي مهمة "العابثين بالعلم"، والنتيجة بعد كل هذه الأشرطة، اكتشفناها بجلاء، إذ أن ما أسموه الصحويون "صحوة" أسماه المراقبون "انتكاسة"، وبعضهم أسماه "فتنة"!
وثالث الثرثرات، أنه ومجموعة من طائفته المنصورة قفزوا فوق برمجتهم الفكرية ونظرتهم التعليمية، وأبدوا استعدادهم للحوار مع الغرب، وقد قوبلت هذه الدعوة في الداخل بتعليقات ساخرة، واستهجان واسع، أما عقلاء أمريكا الذين رغب العودة وجماعته محاورتهم، فقد كانوا أكثر عقلاً وذكاءاً، واعتبروا هذه الدعوة "قفزة في الظلام"، لذا لم يردّوا عليها إطلاقاً، استناداً لقول إمامنا الجليل وشاعرنا الرقيق الشافعي:
إِذَا نَطَقَ..... فَلاَ تُجِبْهُ فَخَيْرٌ مِنْ إِجَابَتِهِ السُّكُوتُ!
ورابع الثرثرات وليس خامسها أن العودة –أصلحه الله- يحاول أن يظهر بمظهر العالِم بكل شيء، ومن يستمع لأشرطته الغفيرة يجد ذلك بإلحاح أصفر وحضور أحمر، وأتذكر أنني -أيام الركض وراء السراب- زرت والدتي –قمّصها الله لباس العافية- في بريدة، فألحّ عليّ الصديق والكاتب بجريدة الرياض يوسف أبا الخيل، لحضور محاضرة للدكتور سلمان العودة فذهبنا، وأخذ الشيخ –كما يسمّيه مريدوه- يشرّق ويغرّب ويتخبّط، معتمداً على قصاصات صحفية جُمعت له، حتى وصل إلى الاقتصاد، فذكر مصطلحاً يعرفه كل طالب درس نصف عام في الاقتصاد والإدارة، هذا المصطلح اسمه "المنفعة المتناقصة"، ويعني باختصار أن لذّة الكأس الأول ألذ من الثاني، والثاني بدوره ألذ من الثالث، ولعل شاعرنا العظيم امرئ القيس عبّر عن هذه النظرية عندما قال في حبيبته:
فَقَبَّلْتُهَا تِسْعاً وَتِسْعِينَ قُبْلَةً وَوَاحِدَةً أُخْرَى وَكُنْتُ عَلَى عَجَلْ!
إن الأخيرة كانت على عجل بفعل تناقص المنفعة المتناقصة وهكذا، لكن شيخهم الفاضل قال: "المنفعة المتناقضة"، فما كان من الصديق يوسف إلا أن غضب "غضبة يوسفية"، حين انتهك "حرمة الاقتصاد"، فأراد أخذ الثأر وهو الذي يحمل الماجستير في الاقتصاد والإدارة، فكتب ملاحظة صغيرة وأرسلها للعودة، ولكن الشيخ –طبعاً- أكبر من أن يُستدرك عليه أو أن يُصحَّح له، الأمر الذي جعل سلة المهملات تلتهم ورقة يوسف! ألا قاتل الله الجهل والتعالم، إذ أن العودة يُكثر من ذكر هذه المصطلحات، فيُدخل كلمات ومفردات في السياسة الاجتماع والاقتصاد والثقافة والفيزياء، ليقولها في محاضراته، الأمر الذي يجعل تلاميذه وحواريه، يلتفت كل منهما للآخر عند سماع هذه الكلمات، فيرفع الأول حاجبيه، ليرد عليه الثاني بقوله: "والله يا الشيخ عنده علم في كل شيء"!
والعودة -كبقية الصحويين- ليس أكثر من رجل سمع خمس نشرات أخبار، وأخذ جذاذات صحفية، وجمع كم قصاصة عن المخططات الغربية، وأضاف إليها كم مقولة من مذكرات السيد الفيلسوف هنري كيسنجر، وطعّمها ببعض فقرات من كتاب –أو قل الكذبة الكبرى- المسمى "بروتوكولات حكماء صهيون"، هذا الكتاب الذي كتبه العرب ليبيعوا فيه العزاء على أنفسهم!
ولا زلت أتذكر أن شيخنا العالم أبو عبد الرحمن بن عقيل –سلمت أصابعه- كتب مقالاً في المجلة العربية في عام 1412هـ -على ما أذكر- تحت عنوان: "وتَفَيْهَقَ الطلبة"، يردّ فيه بشكل واضح على الأخ سلمان العودة وصديقه الآخر سفر الحوالي، عندما أصدر الأخير شريطاً بعنوان: "وستذكرون ما أقول لكم"، وكان يقصد بشريطه أن القوات الأمريكية التي جاءت لتحرير الكويت –آنذاك- جاءت لتستقرّ، وغني عن القول أن هذا الشريط بالذات أصبح أضحوكة للمتابعين، وأضحى مجالاً للتندر والسخرية للراسخين في علم السياسة!
وكان أبو عبد الرحمن قد أشار في مقالته هذه أن هذان الرجلان –بالألف والنون مع أنه اسم وحقه النصب بالياء والنون، ولكن يجوز أن يكون بهذه الصورة كما يقول النحاة، قياساً بقوله تعالى: "إِنَّ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ"- ما علينا!
كان الشيخ أبو عبد الرحمن يقول أن هذان الرجلان قرأا كتابين وسمعا نشرتي أخبار، وحصلا على مقابلات أجريت مع بعض الساسة الغربيين، وبعدها تصدوا لقراءة المستقبل والتحذير من خطر القوات الأمريكية القادمة لتحرير الكويت.
وغني عن القول –أيضاً- أن الرجلان كانا في تلك الأيام يعيشان دروشة عريضة، فالحوالي بشريطه "وستتذكرون ما أقول لكم"، والعودة بشريطه "أسباب سقوط الدول"، كل منهما مارس الصراخ والعويل والتهييج، مردوفاً بأتباع وحواري وأنصار، يدفعون شيوخهم إلى درجة العلماء الذين لا تفوتهم شاردة ولا واردة!
وكان الشيخ أبو عبد الرحمن قد ركّز في مقالته على أن هذان الرجلان قد تجاوزا "مراكز الدراسات" و"مجامع البحث" ومجلس الوزراء ومخابرات الدولة، ومتابعتهم التي أثبتت الأيام دقتها، تجاوزا كل ذلك ليقررا رسم استراتيجية لكيفية التعامل مع هذا الأمريكي القادم لتحرير الكويت"، وكانت الاستراتيجية مبنية على قصاصات وجذاذات ورقية جُمعت من هنا وهناك، الأمر الذي جعل الاستراتيجية تفضح نفسها وتكشف عورتها، لتصبح بعد عقد من الزمان مسرحية للضحك ومحاضرة للتندّر ودرساً لمن أراد أن يتعلّم على طريقة الاستخفاف بعقول الناس في سبعة أيام!
وفي المقابل فإن المتابعين لازالوا يذكرون –بكبير الحفاوة وجليل التقدير- مقالة الشيخ أبو عبد الرحمن الذي قال كلمة في وجه عاصفة الدروشة التي عمّت مناطق واسعة من ممرات المجتمع وطرقاته الضيقة، وكان العودة والحوالي قائدا هذه العاصفة التي لم تأتِ إلا بكثير من البلبلة ووفير من الجلجلة وغفير من التشويش –حينذاك- رغم أنها حركات قد خلَت وأمجاد قد أفلت وأشرطة سادت ثم بادت، إلا أن آثارها وتلوثاتها وتشويهاتها مازالت ماثلة للعيان مشيرة إلى حماقات ونزوات، وهيجان كان صرحاً من خيال فهوى، وبقي الطل يلوح كباقي الوشم في ظاهر اليد!
عودة للعودة، بعد أن جمع هذه "الشذرات" شعر في قرارة نفسه بأنه "أحضر الذئب من ذيله"، وأخذ يُفتي ويحدّد ويقرّر ويشرح ويوضّح، ظناً منه أنه قد أخذ من العلم ما يكفي لقول الحقيقة، ومع الأسف أن العودة لم يستفد من قول شاعرهم الماجن أبو نواس –غفر الله له- حين قال:
فَقُلْ لِمَنْ يَدَّعِي فِي العِلْمِ فَلْسَفَةً حَفِظْتَ شَيْئاً وَغَابَتْ عَنْكَ أَشْيَاءُ!
وخامس الثرثرات التي يتمتّع بها العودة "بارك الله فيه" –وهاأنذا أستخدم كلمات الدعاء المألوفة للشيخ حتى لا يشعر بالغربة من الكلمات، إذ هو كأي صحوي يستوطن الغربة ويستعذب سيرتها، وله كتاب كبير في العزلة والغربة ودلالتهما الإسلامية- أيضاً ما علينا!
هذه الثرثرة هي تمييع القضايا وصبغها بلون رمادي، وما ذاك إلا لأنّ الفصل يعني خسارة الأتباع وكسب أهل التنوير، أو الفوز بالأتباع وفقدان أهل التنوير، والعودة يريد أن يمدّ هؤلاء وهؤلاء، لذا تأتي تفاصيله وشروحاته لتضفي مزيداً من الغموض والضبابية، ورغم كثرة الثرثرة إلا أن الفائدة أو "زبدة الكلام" غائبة، ولأخذ مثال على ذلك، هاك رأي فضيلته في قيادة المرأة للسيارة، إذ يقول: (يعني قيادة المرأة للسيارة قضية نُفخ فيها وضُخِّم فيها من الأطراف المختلفة، فأخذت أكبر من حجمها، بينما هي لا تعدو أن تكون قيادة مركبة، يعني التركيز عليها وإثارة هذا الموضوع وطرحه أيضاً كلما جاءت مناسبة قضية حقوق المرأة، فالمرأة عندنا في السعودية تقود مؤسسات، تقود مدارس، وصلت إلى أعلى المستويات في التعليم مع المحافظة على خصوصيتها، على حجابها، على استقلاليتها عن الرجل، فتظلّ هذه القضية قضية لها أبعاد معينة، أبعاد اجتماعية، أبعاد قانونية، فأنا أعتقد أن إثارة هذه القضية أحياناً والشدّ والجذب والعراك حولها من بين ليبراليين يعتبرون أنه المراهنة على هذه القضية، أو إسلاميين يعتبرون أن مسألة كسر يعني العظم في هذا الجانب. أنا أعتقد أن الموضوع هذا يجب أن يأخذ حجمه الطبيعي). راجع مقابلة مع الدكتور سلمان العودة في قناة الجزيرة بتاريخ 21/6/1426هـ.
وبقطع النظر عن الركاكة للفظية، وتضخّم الذات المتمثل في مفردة "أنا أعتقد"، فإن ما تفضّل به فضيلته ليس أكثر من غرغرة لغوية، ومضمضة لفظية ليس فيها إلا تعب الحنجرة ووجع الأضراس!
حسناً أيها "الدكتور الشيخ المفكر"، طالما أن المسألة ضخمة ومنفوخة –وهي كذلك فعلاً- أفتنا فيها من غير أن تأخذ من خصائص الكرة الأرضية اللف والدوران، أعطنا رأيك من دون الالتفاف على السؤال بكلام رخو، ومفردات هشّة، ولعلي من هذا المنبر أتحدى فضيلته أن يقول فيها قولاً صريحاً من خلال التأييد أو الرفض!
وهذه فرصة للشيخ ليدرك مفهوم الحرية في الغرب الذي استحال في نظره إلى لغز يصعب فهمه. إن الحرية الغربية –يا شيخهم الجليل- هي التي تجعل المرء يقول ما يعتقد دون خوف من الأتباع، أو مجاملة لأصحاب الأتباع، وأنت -رغم إكثارك من ترديد كلمة "أعتقد"- لم تقل لنا ماذا تعتقد!
أيضاً هي فرصة للعودة الذي يعاني من تدفّق التعبير والتكرار في التفكير، هي فرصة ليقتطع من وقته ليسمع محاضراته ومشاركاته الضخمة، لعلّه يكتشف خطأه بنفسه، طالما أنه يرفض "التتلمذ على الآخرين"، لأن رأيه في قيادة المرأة -رغم أنه شفوي- إلا أنه ممزّق إرباً إرباً "حلوة إرباً إرباً هذه"، إنها من التراث، لم نستورد شيئاً يا فضيلة الشيخ، لأن لديكم عقدة من "الغرب"، ومن باب إكرام الضيف نحضر ما يُلائم المعدة العربية التي لا يهضم الشيخ إلا بها!
وسادس الثرثرات التي يُبدع فيها العودة، هي رفضه للأشياء في بداياتها -وهذه ميزة تتميز بها عقلية السلفي دائماً- بل ويحاربها، حتى إذا ما استوطنت ودخلت، أصبح من أكثر الناس استهلاكاً لها، بل أكثرهم شراسة في استخدامها، ومن يرجع لأشرطة فضيلته في التسعينات يجد أنه يحارب وسائل الإعلام المختلفة، ويُطالب بمقاطعتها، بل إنّ العودة من الذين حاولوا تشويه صورة جريدة الشرق الأوسط، وأسموها "خضراء الدمن"، حتى إن جريدة "المسلمون" التي توفيت لم تكن تحظى بقبولهم رغم اسمها الذي يعزف على نفس الوتر!
ولكن الأمر تغير بعد سنوات بشكل فجّ –كعادة هؤلاء في التعامل مع معطيات العصر- إذ أصبح العودة يُرى في أكثر من جريدة، وبصور مختلفة، فمرة يظهر باسماً، ومرة حزيناً "بحمل همّ الإسلام"، وثالثة بـ"بشت"، ورابعة بغيره، وخامسة بهما معاً!
وللتاريخ والأمانة، لا يُلام الرجل على التغيير، بل هذه خصائص الكائن، فمن المحال دوام الحال، ولكن العتب واللوم على الرجل يأتي من نافذة أخرى مفادها: ألم يستوعب العودة وأصحابه الكُثر من هذه "الممانعات" التي تتكرّر مع كل قضية، وتحدث مع كل مُحدَثة من مُحْدَثات العصر التي ليست من الشرّ في شيء؟! إنهم يمانعون و"يحاربون" في البداية، ثم يتهافتون على ما حاربوا، ولعل الشيخ في ركضه المستمر ينسى –أو يتناسى- ويريد منا ذلك، ولكن هيهات هيهات، فالذاكرة قوية، ولسنا قططاً حتى ننسى اليوم ما أكلنا أمس. إن هذه المواقف تكرّرت مع دخول السيارة والطائرة وآلة التصوير والتلفاز ومُكبِّرات الصوت والستالايتات -أو كما يسمّيها أهل الفصحى "اللاقطات"-، وآخرها الصحف والمشاركة فيها. كل هذه جوبهت بالرفض من العودة وقبيلته "الأخوانية" في البداية، لتصبح في النهاية ملكاً لهم، ولهم وله الحق "كل الحق" في التغيّر والتحوّل، واستخدام اليوم ما كان يُحرّم بالأمس، ولكن يجب أن يستفيد العودة وجماعته من تراجعاتهم، إذ هم اليوم تركوا حقيقة، واقتنعوا بحقيقة أخرى يقاتلون من أجلها، ومن يدري فقد يكتشفوا بعد حفنة من السنين أنهم مخطئون، ليعودوا مرة أخرى ويحرِّموا المشاركة أو الكتابة في الصحف!
لذا من سمة العقلاء أنهم لا يتعصبون لأفكارهم، لأن الأفكار تتغيّر وتتطوّر –بل أحياناً تتبدّل- والشواهد أكثر من الحصر، ليكن قدوتنا الأخ الظريف الفيلسوف برنارد شو عندما سأله أحدهم قائلاً: هل أنت مستعد لأن تموت من أجل أفكارك؟ فأجاب على الفور: لا. فلمّا سُئل على السبب قال: لأنني واثق من حياتي، ولست واثقاً من أفكاري!
إذا لم يفهم العودة هذه المعضلة، فسيظل كل ما يمارسه ليس أكثر من انبعاج فكري، وتورّم معرفي، وشحم ثقافي ليس في حمله إلا إرهاق الأكتاف وإنهاك القدمين، ليربك القارئ فيظن اللحم فيمن شحمه ورم!
أما في الجوال، فبعد أن حصل على "تأشيرة دخول" هو وزميله "النت"، فقد استهلكه العودة، بشكل يصل لدرجة إزعاج الآخرين، وحتى لا يكون الأمر ادِّعاءاً أو إ لقاء تهم، أشير إلى أنه بتاريخ 24/3/2005، وبعد أن قرأتُ المعوذات من شرّ ما خلق، دخلت في سبات عميق استعداداً ليوم غد، إذ كل الأطباء ينصحون بالنوم مبكراً، فما هي إلا ساعتان وإذا برسالة في الجوال، تأكدت بأن الرسالة من السعودية، إذ الناس –هنا في بريطانيا- والغرب عموماً يمتازون بمراعاة شعور الآخرين فلا يرسلون أو يتصلون إلا في أوقات النهار، إذ مازالوا يدركون أن النهار "معاشاً" والليل "سُباتاً". رمقت الجوال بنظرة مليئة بالاستياء والحزن، متحسباً –أي قلت حسبي الله على مرسلها- وفتحت الرسالة، وأقسم بالله أن هذا نصها: "قوانين السعادة –محاضرة للدكتور سلمان العودة- الخميس 9 مساءاً- كلية دار الحكمة- للنساء فقط- المرسل Islam today"!
غني عن القول أن موقع "الإسلام اليوم" للمذكور، لذا اسمح لي يا أبا معاذ أن أقول أنني حاولت استرجاع نومي ولم أفلح، ولولا أنني أحاول أن تدرّب على التسامح لحقدت عليك، لكن اذهب، لن أقول إلا سامحك الله!
يا رجل اتركنا وشأننا فنحن نعرف طُرق السعادة وقوانينها، وليتك تسعد نفسك –وهذا يكفي- ثم إن الحضور للنساء فقط وليس الذكر كالأنثى، ولا أظنك بقادر على أن تبيع للناس السعادة، لذا خفّف –بارك الله فيك-. ولعلي أذكّرك بأن استخدامك للتقنية بهذا الشكل البدوي، المتناسب مع عقلية الفلاح هو الذي عناه شيخنا الجليل محمد الغزالي، الذي ألّفت كتاباً كاملاً بعنوان: "حوار هادئ مع الغزالي"، لأنه وصف الفقه الذي أنت أحد إنتاجاته بـ"الفقه البدوي"، وكل ما يقصد الشيخ الغزالي بالفقه البدوي هو هذه الرعونة من خلال استخدام الوسائل الحديثة بشكل عشوائي أهوج. إنكم تستخدمونها بطريقة تُذكّر بلحية السيد برنارد شو، التي وصفها هو بأنها "كثيفة في الإنتاج وسيئة في التوزيع"!
أكثر من ذلك فقد أفتى الغزالي بأن القرآن الكريم –وهو الكتاب العظيم- لا يُؤذى به، وقال إنه لا يجوز أن تقرأ قرآناً بصوت مرتفع في حضرة نائم، لأن القرآن لا يُؤذى به، فما بالك وأنت تزعج وتؤذي برسائل "للنساء فقط"، ومحاضرات عن "السعادة" التي أتحداك أن تقول بأنك تملك إعطاءها لأحد، ولكنك تملك إرسال الرسائل للسيدات، متوسلاً إياهن الحضور لهذا اللقاء "الطيب المُبارك" لتسوّق نفسك أيها "الرجل الزاهد"، أو لتبحث عن الأجر، أو بناء مجدك الشخصي تحت مسميات مختلفة مثل: "إلقاء المحاضرات"، أو "حلقة الذكر"، أو "جلسة تذكير"، أو "مخيّم وعظ"، أو "نصيحة في مسجد" للنهي عن الإغراق في الجزئيات. لتفعل كل ذلك وأكثر، فهذا من حقك، فكل امرئ يبحث عن موطئ لقدمه، ويجب أن يكون في الدنيا شيئاً مذكوراً، لكن يجب أن تُراعي الأصول، ولا أظن طريق شهرتك ومجدك الشخصي لابد أن يمر ليقطع سباتي العميق، وللعلم فإن الرسائل من هذا النوع كثيرة، ولازالت في جوف الجوال، فمن يدري لعل الحاجة تستدعيها "يوماً ما"!
وسابع الثرثرات "العودية" هي ممارسة المراوغة في إعطاء الحقائق، وإن أردت مثلاً –قارئي الكريم- على هذا، خذ قضية "جريدة الوطن" مثلاً، إذ بعد أن نشرت الأخيرة تفاصيل المسرحية الباردة الغامضة التي كان بطلها العودة وابنه، ولن أعلّق على هذه المسرحية ودلالاتها وانعكاساتها وتناقض العودة، لأن الكثير كُتب حولها، والوفير من الكُتّاب قبضوا على العودة متلبّساً في تناقضه فيها، لذا سأتركها لأنني لا أحب الأواني المستطرقة، ولا الممرات الآهلة بالسكان، ولا البضائع المستعملة، وليلمز عليها أصحاب الفتات، أما هنا فالحبر مستحوذ على مئات الممرّات التي يمكن أن يُعاد اكتشافها، ولكن أكثر الناس لا يعرفون!
حسناً، غضب الرجل وأشيع أنه رفع قضية ضد الجريدة، ولكنه في كل مرة ينفي ذلك بحجة أن حمل "همّ الإسلام" أكبر من الهمّ الشخصي، في ذات الحين الذي يؤكد -التربوي الذي صار بقدرة قادر محامياً- الدكتور أحمد التويجري بأنه قد رفع القضية وهي في أروقة وزارة الثقافة والإعلام!
قطعاً أحدهما كاذب، وسنعلم غداً الكاذب من الصادق، وبالمناسبة فإن صاحب السطور مثل أستاذه وصديقه الدكتور تركي الحمد، لا يثق بمن يعطون الإجابات الملتوية والكلام الضبابي والحروف الرمادية، لذا جرى الاحتفاظ بالرسالة، فمن يدري لعل المحكمة تطلبها في يوم لا ينفع فيه لا صدق ولا صدوق. من هنا قمت بحفظ رسالة "قوانين السعادة"، إذ لا أمان من رفع قضية و"مرمطة" أنا لست بحجمها، إضافة إلى أن القانون جاء لحماية المغفلين من أمثالي، وقد لا أكون بقوتك وكثرة أنصارك أيها الشيخ الكثير سميره، ولن أقول أنني ضعيف أو مسكين، أو أنني أقلّ منك بسطة في العلم والاطّلاع، فهذا تواضع كاذب وغرور عكسي، ولن أقول أنني طالب علم، فقد ارتبط هذا المصطلح بثني الركب والتفتيش في الأوراق الصفراء، والسكن في أطياف الماضي وتهويماته، إنما أنا أحد عمّال المعرفة الحريصين على تطوير قدراتهم، ولعلمك فإن مصطلح "عمّال المعرفة" هو من صياغة فلاسفة فرنسا. وفي المقابل لن أقول بأن الله –جلّ وعزّ- معي، لأنه تعالى مع كل المؤمنين، ولا تخفَ عليه خافية، لا في الأرض ولا في السماء، إنما أقول أن ثقتي بالله تدفعني لفعل ما فعلت، وتقديم ما أقدمت عليه، إذ ليس من السهل أن يُدخل المرء يده في جحور لا يعلم ما يختبئ فيها، إلا إذا كان مدعّماً باليقين وممتلئاً بالثقة بالله، زاهداً في النصر الكاذب، ومتصالحاً مع ذاته، وقابلاً أن يعيش فرداً بلا أصدقاء، لأن كلام المرء يجلب العداوة، والعداوة تجلب البغض، والبغض يحقق النبذ، والنبذ يجعلك تعيش وحيداً، وتموت وحيداً، وتُبعث وحيداً، ولله درّ الصحابي الجليل أبي ذر، الذي حقّق كل هذا، فقد جاء في الأثر: "لَيْسَ تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ أَصْدَقُ لِسَاناً مِنْ أَبِي ذَرٍ"!
وثامن هذه الثرثرات هي حديث العودة عن الغرب، فهو عندما يتحدث عن هذه الجهة، يبدو وكأنه يصف استراحة على الدائري الشرقي لمدينة بريدة، إذ الغرب في نظره ليس أكثر من "حوش" فيه أناس يدّعون الحرية و"يتشدّقون بها"، وقوم استحوذ عليهم التفسّخ وظهر فيهم العُري وعمّت بهم الفاحشة. هكذا بكل تسطيح أخضر، إنهم –والحديث عن الغرب- ليسوا أكثر من مجموعة بشرية تستهدف الإسلام، وإن اختلفت دياناتهم فلا فرق بينهم فالكفر "ملة واحدة"، وليس بين الفئران فأر طاهر –كما تقول الأمثال- أما حضارتهم فهي على شفا جرف هار، وإذا كان الأستاذ سيد قطب هو من بشّر بسقوطها، فإن العودة هو "الحسّابة التي تحسب" وتنتظر السقوط!
أما ما يشاع عن الغرب من نظام ومطر ورفاهية ودقة "ونحوه"، فهذه يُسطّحها العودة بقوله: "إنها استدراج"، أو "لهم الدنيا ولنا الآخرة"، وفي أحسن الأحوال قد يقول العودة أن الغرب سرق حضارتنا وأن العرب والمسلمين هم من "اخترعوا الصفر"!
هكذا يتم "سلق الأمور" وسلب الناس محاسنهم، وتسطيح معرفتهم وبخس أشيائهم ووعيهم، وهكذا أيضاً يتم الضحك على الأجيال المسلمة، ليخرج الوليد المسلم مشوّهاً حائراً ضائعاً بين ما يقوله هؤلاء، وبين ما يراه "بأم عينه وأختها"، الأمر الذي يجعله إنساناً مزدوجاً يحمل وجهين، ويستبطن صراعين أحدهما ينطلق من رأسه الذي حُشي أكاذيب وأغلاط، والآخر من عينه التي ترى الحقيقة –كما هي- من دون تدخل الرسّام المُجمِّل!
ولا حاجة للقول أن هذه التصورات عن الغرب ورؤية العودة، لا تصلح أن تُقال إلا في جلسات "أخوانية" في مساءات بريدة، وفوق رمالها الصفراء، حين يسترسل الشيخ وحوله تلاميذه متحدثاً عن أمجاد الأمة، وجرحها النرجسي الكبير، و"سواليف" تقال للتسلية، ولا يقطعها إلا نوبات العطاس التي تصيب الحاضرين وتشميتها. في مثل هذه الجلسات التي تحيط بها سيارات من نوع "غمارتين" أو "كراسيدا"، وتعطّرها نسمات الصيف التي تنثر دهن العود الملتصق باللحى الكثة –أو الكثيفة على خلاف أهل العلم-. في مثل هذه الجلسات يمكن أن تُقال مثل هذه الهواجس، أما أن تكون في محاضرات أو أشرطة أو لقاءات في فضائيات، فهذا فيه ظلم للعودة وللمجتمع وللبيئة، إذ يتحمل هو ما لا قدرة له على حمله، وقد رحمنا الرحمن الرحيم، ولم يكلّف النفس إلا وسعها.
قد يقول قائل أن العودة طرأ عليه بعض التطور في سنواته الخمسة الأخيرة، وهذا خبر يحتمل الصدق والكذب -كأي خبر- ولو أًحسن الظن وثبت التطور لكان جدير بالعودة أن يعلن تراجعه لينبه العقول التي شحنت وتحولت بعد ردح من الزمان إلى بندقية، وبعضها الآخر إلى قنبلة مفخخة تنتظر التفجير، وثالثة امتلأت فصارت كالبارود تتطاير تشنّجاً ورفضاً وعنفاً وتطرّفاً وغلواً في كل اتجاه!
قد يكون هذا القول سلك مسلك الخشونة، ولكنها من قِبل ما يسميه الرياضيون "الكتف القانوني"، أو هي "المفردات الخشنة" التي يريدها القلم ويقصدها هنا، إذ يكفي العمر الذي أضعناه في مجاملة رجال أرهبونا بأن لحومهم مسمومة، ويالغباءنا حين تصورنا صحة ذلك، ولم نسأل عن مصير لحومنا "نحن عامة الناس"، أهي كلحم "البرجر" هنيئاً ومريئاً للآكلين؟!
إننا ضحية جملة قالها أحد علماء القرون المتأخرة اسمه "ابن عساكر"، قالها ليحمي بها نفسه من سياط النقد، فأضحينا ندخل الجحر الذي دخله أحدهم قبل مئات السنين!
أخي الأكبر سلمان: لقد علّمنا شيخنا الجليل عبد الله القصيمي –تجاوز الله عنه- النهي عن توجيه النصح للآخرين، لذا من هذا الباب لنشترك أنا وأنت في البحث عن الحقيقة، ولن يتم ذلك إلا بتجاهل الحسابات الخاصة بالربح والخسارة، ولتكن ضالتنا الحقيقة، ولا يغرّنك كثرة الأتباع، فإن الكثرة مقرونة بـ"الضلال"، من خلال قوله جلّ وعزّ: "وَإِنْ تَتَّبِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ"، ثم قول أهل العلم: "احْذَرِ الدَّاعِيَةَ إِذَا كَثُرَ أَتْبَاعهُ"، لأنهم يُدخلونه منطقة الوهم، ولا شعورياً يتصرّف مستبطناً مفهوم "خذوا عني مناسككم". وليكن رائدك في ذلك الإمام علي –رضي الله عنه- عندما قال: "أَسِيرُ وَحْدِي مُطْرِقاً فِي الطَّرِيقْ، لَمْ يُبْقِ لِي قَوْلَ الحَقِّ مِنْ صَدِيقْ"!
إنك –أيها الشيخ- تستطيع أن ترى لو أردت ذلك، والإرادة هنا تعني تغيير محركات البحث، وأدوات المعرفة ووسائل الكشف، إذ العلم ليس كتاباً يُحفظ أو متناً يُعاد أو هامشاً يُستذكر، إنه أكثر من ذلك رغم أهمية الخطوات السابقة. والعودة لديه قدرات هائلة، قد يُفلح لو استغلها من خلال توسيع حجم الإدراك، وتعريض منطقة القبول، وتخفيف حمولة النصوص التي يصدّرها، وإن نسيتُ فلن أنسى أنني قابلت ابناً له اسمه "عبد الله" يحمل جذوة تبشّر بوعي يلوح من خلال الأثول –جمع أثلة- التي تحفّ مدينة بريدة من كل الاتجاهات، أظن لو أن العودة تجادل وتناقش مع هذا الابن فقد يتلاقح فكرهما، ومن يدري، فقد نجد العودة بعد هذه الحوارات ماثلاً من خلال نسخة حديثة مزوّدة ومنقّحة وواضحة والأهمّ أنها "معدّلة". واللافت أن هذا الابن –الذي يكتب بين فترة وأخرى- يسير في خط مُناقض لأبيه مع اتحادهما في الهدف، ولا عجب أن يبدع الابن، فقد علّمنا أساتذتنا في المدارس أن التلميذ قد يتفوّق على أستاذه ومعلِّمه، وقد يبزّ طالب العلم شيخه، وفوق كل ذي علم عليم!
إن فكرك –أيها العودة- أو لنقل ثرثرتك "في الشأن العام طبعاً" تظهر وكأنها مرْكبة سرعتها 100 كم، في حين أن المطلوب منك -حتى ترتقي وتفهم وتستوعب- أن تكون السرعة عندك لا تقل عن 200 كم، الأمر الذي يستوجب معه تغيير بعض المحركات، واستبدال وسائل الدفع، وبثّ روح جديدة في آليات عمل ذهنك الذي لا يجيد إلا تأكيد الرجوع للماضي، ومحاولة تقليد السلف، وحراسة أفكارهم وصونها من التغيّر والانحراف، وأنت بذلك تقتلها من حيث أنك أردت حمايتها، لأن قتل الفكر الحيّ لا يكون إلا باستعمار عقل المرء، والاستيلاء عليه من خلال مقولات الآخرين وصورهم وأطيافهم، وهذا الاستعمار هو ما يولّد العنف وإقصاء الآخر، ويذبح ويقوّض الفرادة والأصالة بدعوى تعالي الأصل، وضرورة الاحتذاء بالمعنى السابق، الذي يقدَّم على أنه الوجه الوحيد للحقيقة، وسيكون الحديث طويلاً في هذه النقطة عند الحديث في مقال قادم بعنوان: "ضرورة تغيير البواجي لإصلاح تفتفة محسن العواجي"، لعل الله –جلّ شأنه- يعين على الانتهاء منه، إذ مازالت الواجبات أكثر من الأوقات والمساحات، وفقنا الله للصالحات، فما مضى فات، ولكن –في المستقبل- كل ما هو آت –لا محالة- آت!
إنك –أيها الرجل- تستطيع أن تتغيّر لو أكثرت من القراءات "المختلفة"، ليس لرصد ما فيها من الضلال والعشق والكفر، بل لتلمّس الحق والجمال والخير فيها، عندها فقط ستعرف أن في هذا الكون جمالاً لا يراه إلا من أتى إليه بقلب سليم وعقل قويم، وسبحان ربّك ربّ العزة الذي خلق كل شيء بقدر. إنك –بوضعك الراهن- لست أكثر من مُكرّر لنفسك وأخطاءك، ولا تُحسن إلا بثّ الكراهية ونشر الدروشة، وتكريس ما هو قائم من أفكار في ذات الوقت الذي تزعم بأنك تجدّد وتجادل وتدافع بالتي هي أيقظ!
إنها دعوة صادقة أوجّهها لك لزيارتي هنا في مدينة كاردف ببريطانيا، لنتعاون على البر والتقوى، ونبتعد عن الإثم والعدوان وبثّ الكراهية، واستقراء نوايا الآخرين، والكشف عما يعتمل في صدورهم، ولا تخشى فوات فرض، فبجوار منزلي مسجد قريب يمكن أن نذهب إليه كل فرض، واعذرني فلن أذهب معك يوم الجمعة، لأن الخطيب رجل أردني سبق أن صلّيت معه، فأغضبني عندما أخذ يدعي على بريطانيا ويبشّر بسقوطها، ناهيك عن الدعاء الذي أنت أعرف به مني، المتمثل في تيبيس الدم في عروقهم وتيتيم أطفالهم، وترميل نساءهم ليكنّ "سبايا" لنا، وقد استكثرت هذه "الهواجس الجنسية" في مكان مخصّص للموعظة الحسنة وذكره جلّ شأنه. ولعلم شخصكم الكريم فإن هذا الخطيب يحظى هنا بمزايا كثيرة من حرية وتعليم له ولأولاده، ولا يخشى طرق بابه ليلاً وسحبه من "زمّارة رقبته" –كما يقول إخوتنا المصريون الظرفاء-، ومع هذا يسبّ ويشتم ويتذمّر من إقامته هنا ويعتبرها "عقوبة معجّلة". ألا رحم الله شيخنا الحكيم في شعره، والشاعر في حكمته أبو الطيب المتنبي القائل:
إِذَا أَنْتَ أَكْرَمْتَ الكَرِيمَ مَلَكْتَهُ وَإِنْ أَنْتَ أَكْرَمْتَ اللَّئِيمَ تَمَرَّدَا!
كما أن سقوط بريطانيا كارثة على كل المستويات، لأنها واجهة العالم الحضارية، التي بنت العلم والوعي والثقافة والنور، والحرية المنضبطة التي تحكمها الأنظمة وتكفلها القوانين!
وخلال زيارتك سنقضي أياماً لن تُنسى، ومعذرة فليس لدي إلا دراجة هوائية، وهي فرصة لتتدرّب على قيادتها، أما أنا فسأستعير دراجة صديقي "تم Tim" فهو بريطاني نبيل، لديه شهامة قد لن تجدها في أي وجه من الوجوه العربية الحاتمية التي تعرفها. وخلال زيارتك سنزور "الكنائس" ونلتقي مع العقلاء فيها، ولا تخف فلن يُطلب منك أن تكون مسيحياً، وإن طُلب منك فاعتبرني خسرت الرهان مع نفسي ومعك!
وقبل أن أنسى، أخبرك –أيها الدكتور- أن مدينة كاردف هي عاصمة مقاطعة ولز، وهي منطقة "فلاحين"، لذا لن تشعر بغربة لأن المساحات الخضراء تستولي على نظرك أينما وجهته، وهي تعيش "صحوة مسيحية" جادة، ولتكن فرصة لندرس سوياً لماذا تنتشر "الصحوات" –كما يسميها أهلها- في "مناطق الفلاحين"؟ والغريب –أيها الرجل الذي أرجو له الخير- أن الصحوة هنا مثل الصحوة هناك، وقودها طلبة الكليات العلمية من طب وهندسة واقتصاد وعلاج طبيعي وكيميائي "ونحوه"، الأمر الذي يؤكد ما قاله علماء الأنثربولوجيا، وهذه المفردة –لعلمك- تعني "علم الإنسان"، من خلال بدايته وتطوره، ولا تعتقد –بارك الله فيك- أن هذا من باب التّعالم، لأنني أخذتها –الآن- من القاموس، فهم قالوا إن "بنية التخلف واحدة"، وإن اختلفت أشكالها ومظاهرها، وتعددت إفرازاتها وتشعّباتها، وتنوعت ممارساتها وتناولاتها. وقد دخلوا الآن في "متاهات الإعجاز الإنجيلي"، وقد تحدثت مع أحد كبراءهم عن خطورة الدخول في هذا النفق الطويل، الذي أصبح في العالم الإسلامي يمثّل مجالاً للعابثين، وسبيلاً للدراويش، وممراً لطالب الشهرة، وطريقاً لتحقير إبداع الآخرين!
ولتعلم يا شيخ –وبالمناسبة ليتك تحضر معك شرحاً تفصيلياً لمعنى كلمة "شيخ" هذه التي تستهلكونها بشكل شرس، فرغم بحثي المتواصل لم أجد رابطاً بين الشيخ وبين المعنى الذي تستخدمونه في سياقاته- لتعلم أن الصحوة الدينية صحوة عالمية، إذ المسيحي بدأ يعود لمسيحيته، واليهودي لملته، والبوذي لطوقه، والسيخي لعاداته، والـ"لا ديني" تمسك بلا دينيته، وللمسلم النصيب الأوفى في إذكاء الشعور الديني والتفوق العقدي بين شعوب الأرض، خاصة مسلمي الشرق الأوسط، وهذه نقطة يطول شرحها، لعلّ الله –جلّ وعزّ- يعين على دراستها في قادم الأيام!
في النهاية –أيها الرجل- قد يكون هذا المقال مختلطاً، والاختلاط دائماً مستحبّ، فالله خلق الناس شعوباً وقبائل ليتعارفوا، وفي الحج أُمِر الناس –قبل ذكر الله- أن "يشهدوا منافع لهم"، لذا لتعذرني في تداخل الشخصي مع العلمي، مع الثقافي بجوار الشعري، لأن التزمّت مكروه في كل المناحي، وأولها الكتابة، لذا جاءت السطور خالية من التزمّت الكتابي أو اللفظ الرسمي، لأن خير الأمور أبسطها. ثم إن مثل هذا العرض مليء بالفراغات والجُمل المحذوفة، لذا فهي تستدعي القارئ المنتج، وتستبعد القارئ الكسول، وعلى كل قارئ أن يُنتج ويكمل جُمَله وفق رؤيته. من هنا يمكن اعتبار كل قارئ هو منتج ومشارك في كتابة هذه الدردشة، أو لنقل "الثرثرة"، لأن الظلم بالسوية عدل في الرعية!
ومن ناحية ثالثة، جاءت ظروف الدراسة والامتحانات وبُعد المكان، والقلق المُصاحب لمباريات حصاد الموسم لفريق الاتحاد، جاءت هذه الأشياء وغيرها مانعة من رصد ونقد الكثير من ثرثرات العودة الوفيرة، وعندما يشترك القرّاء المنتجون في المساهمة في كتابة الجُمل المحذوفة، وملأ الفراغات، يصبح النصّ جماعياً وتصعب محاكمته، من هنا يكون تنفيذ "الثأر" مُفرَّقاً بين القبائل والأصابع الثقافية المشاركة أعني "القارئة"!
أعلم أن الحواريين سيقولون ويقولون، لكن من قال أن القول محرّم؟ إنه مُشاع ومُرحّب به، وتعميماً للفائدة، يأمل الحبر أن يكون القول فيه جِدّة، فقد اعتاد المرء –كما ذُكر سابقاً- على كلمات مثل: "هذه معاداة لأولياء الله"، "أنت عميل"، "خائن"، "حاسد"، "متطاول"، "هؤلاء لحومهم مسمومة"، "هذا شيخ فاضل". ولكن من قال أن النقد –أو لنقل العتاب- يجرح من فضيلته، إننا مازلنا نتقابس تحت قبّة المعرفة، وفوق أرض النقاش نتجادل، وفي أجواء "إحسان الظن" نتراشق، والله الهادي إلى سواء السبيل!