هاشتاك الناس
ذئاب جوعى وأبقار عقيمة
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
في العراق، السياسة ليست فنَّ إدارة الدولة، بل فنَّ التهامها. إنَّها وليمة مفتوحة بلا دعوة رسمية، يجلس حولها كلُّ من يمتلك أنيابًا أطول أو معدة أوسع. الذئاب الجوعى تزحف نحو السلطة لا بوصفها مسؤولية، بل باعتبارها مائدة عامرة، تفتح أفواهها كخزائن خاوية، لا تشبع مهما امتلأت. لا برامج، لا خطط، لا خرائط طريق، فقط شهوة افتراس لا تعرف التقاعد ولا الاكتفاء.
أمَّا الأبقار العقيمة، فهي أحزاب بلا إنتاج، تجترُّ شعارات محفوظة منذ عقود، تلوك كلمات مثل “الإصلاح” و“العدالة” و“الإنقاذ” حتى فقدت طعمها، ثم تنفثها على الشاشات كهواء ساخن. لا حليب فكر، ولا لحم مشروع، فقط ضجيج ثقيل يخنق الناس ويملأ الفضاء الإعلامي بلا فائدة. أحزاب لا تُنجب إلَّا المؤتمرات، ولا تُثمر إلَّا البيانات، ولا تحصد سوى الخيبة.
يتصارعون على الكراسي كما تتصارع الذئاب على جثة لم تعد فيها حياة، ينهشون المناصب ويقسمونها كما يُقسَّم رغيف يابس بين جائعين، كلٌّ يحرس نصيبه بأسنانه. المواطن في هذه المسرحية ليس طرفًا، بل كومبارس صامت، يدفع ثمن التذاكر من فقره، ويصفّق قسرًا وهو يرى بؤسه يتحوَّل إلى غنيمة يتقاسمونها في قصور محصَّنة، بعيدة عن انقطاع الكهرباء وطوابير البطالة.
وحين يختفي معنى الدولة، يصبح البحث عن القادة أشبه بالهذيان. يبدأ التنقيب عن رئيس وزراء مجهول الهوية، لا يعرفه أحد ولا يعرف نفسه، خرج من العدم ليحكم واقعًا مثقوبًا. ثم يبحثون عن رئيس مجلس نواب من قبيلة تعيش فوق جبال الهملايا، كأنَّ العراق صار جبلًا ثلجيًا بلا جذور، لا تاريخ له ولا عمق. ويُستكمل المشهد برئيس جمهورية من قرية جبلية نائية، كأنَّ البلاد لا تستحق إلَّا زعيمًا يطلُّ من كوخ خشبي على شعب يسكن الخراب، يلوِّح له من علٍ بينما يغرق في الوحل.
الذئاب الجوعى لا تفهم معنى الإصلاح، لأنَّها تعيش على الافتراس. والأبقار العقيمة لا تعرف معنى الإنتاج، لأنَّها تعيش على الاجترار. كلاهما يلتقي عند هدف واحد: تحويل العراق إلى مزرعة كبيرة؛ زريبة للطائفية، حظيرة للمحاصصة، مطبخ للفساد، وساحة مفتوحة للفقر. دولة تُدار كما تُدار المواشي: بالعصا، لا بالقانون.
لم يعد الشعب ضحية بالمعنى الكامل للكلمة، بل تحوَّل إلى ناخب مدمن على إيذاء نفسه. يعرف السارق، يحفظ اسمه، يتابع فضائحه، ثم يذهب مطمئنًا ليمنحه صوته، كمن يسلِّم مفاتيح بيته للّص ويعود ليصرخ: سرقونا!
يبكي على الوطن بصوت عالٍ، لكنَّه يدفنه بيده كلَّ أربع سنوات. يكره الزعامات في المقاهي، ويقدِّسها في الانتخابات. وحين يفشل كلُّ شيء، يتقن دور الضحية بمهارة، كأنَّ الخراب نزل عليه من السماء، لا من ورقة انتخاب طواها بيده، ووقَّع عليها اسمه، ثم عاد يطالب بالمعجزة. في بلد كهذا، لا يُسأل الفاسد وحده: لماذا سرقت؟ بل يُسأل الناخب أيضًا: لماذا صفَّقت، وصوَّتَّ، وكرَّرت الجريمة؟
فماذا ينتظر الشعب من ذئاب جوعى وأبقار عقيمة؟ لا شيء سوى مزيد من الخراب، ومزيد من الولائم التي لا يُدعى إليها إلَّا أصحاب الأنياب. ذئاب تتجمَّل، أبقار تتزيَّن، والشعب يفتِّش عن الفرج في زريبة السياسة.
التعليقات
كفّيت ووفّيت
Delven -كما انت دائماً د. ياس خضير تقول ما يثلج الصدر في وصف ما يحدث في العراق بهذه الدقة والواقعية , بوركت وبورك قلمك . انا ارتاح كثيراً لكتاباتك ربي يعافيك ويحفظك
ارجو ان لاتنسى
حسين - العراق -ما زلنا نقرأ ونسمع ونرى، الكثير عن العراق لما بعد 2003، سواء باخبار مقروءة او مرئية أو مسموعة، ومقالات كثيرة، مختلفة وفيها آراء متباينه، والاستاذ الدكتور ياس خضير البياتي، الذي تربى على افكار الدكتاتورية البعثية والطغمة الحاكمة التي جعلت الشعب العراقي يعيش الفاقه والدمار، وان الدكتور البياتي الذي تشرب بعشقها... آلاحظ كتاباته على موقع ايلاف المحترم، ويكرر نشرها في صحيفة الزمان العراقية، يذم ويقدح ويهاجم، لا بل يحاول تصفية الاخرين بافكار مريضة، عفى عليها الدهر، والشعب العراقي صحى واقام نظامه وهو يسير، مثل شعوب المنطقة الى الامام بحرية وانطلاق لا رقابة حزبية بعثية ولا مخابرات طغمة حاكم تراقب آراءه او تحركاته وتزجهم في السجون المظلمة لا بل تمحي ذاكرتهم... العراق اليوم دكتور ياس، سائر الى الامام ويحاول اصلاح دمار 35 عام من مآسي وآلام وفقدان احباء وترميم ملايين الايتام والارامل والمعوقين نتيجة الـ 35 عام التي سبقت عام 2003...