كتَّاب إيلاف

أمن السعودية حيث يتوقف العبث

علم السعودية
قرائنا من مستخدمي تلغرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك

ليست الجغرافيا مجرد خرائط تُعلَّق على الجدران، بل مصائر متشابكة تتحرك فوقها السياسة والتاريخ والدم، وحين نتحدث عن أمن السعودية، فإن الحديث لا يمكن اختزاله في حدود مرسومة أو أنظمة دفاعية، بل في محيط كامل تتقاطع فيه المصالح والتهديدات، من البحر الأحمر غرباً، إلى عمق اليمن جنوباً، مروراً بالسودان والصومال، وصولاً إلى الممرات البحرية التي تغذي الاقتصاد العالمي.

في هذا المشهد، يصبح أمن السعودية امتداداً مباشراً لأمن هذه الجبهات، لا نتيجة لاحقة لها.

السعودية، بحكم موقعها وثقلها، لم تعد دولة تتأثر بما حولها فقط، بل دولة يتحدد استقرار الإقليم بدرجة استقرارها، فحين تهتز الجغرافيا المحيطة، لا يكون ذلك مجرد اضطراب إقليمي، بل اختبار حقيقي لقدرة المنطقة على البقاء متماسكة. من هنا، فإن أي قراءة سطحية تفصل بين أمن السعودية وأمن اليمن أو السودان أو الصومال، هي قراءة قاصرة عن فهم طبيعة الصراع في هذا الجزء من العالم.

اليمن، على سبيل المثال، ليس جاراً جغرافياً فحسب، بل بوابة استراتيجية بالغة الحساسية. فحين تتحول أرضه إلى منصة لتهديد الملاحة أو منصة نفوذ لقوى عابرة للحدود، فإن الخطر لا يقف عند حدوده. البحر الأحمر ليس مجرد ممر مائي، بل شريان اقتصادي عالمي، وأي اضطراب فيه ينعكس فوراً على الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد. لذلك فإن ما يجري في اليمن لا يُقرأ كصراع داخلي، بل كمعركة على موازين القوة الإقليمية، يكون أمن السعودية في صلبها.

أما السودان، فهو الحلقة التي كثيراً ما أُسيء تقدير وزنها. فبلد بهذا الامتداد الجغرافي والموقع الاستراتيجي لا يمكن أن يكون هامشياً في معادلة الأمن الإقليمي. حين ينهار التوازن في السودان، تتفتح أبواب التهريب، وتنتعش شبكات السلاح، ويتحول البحر الأحمر إلى ممر هش تحكمه الفوضى أكثر مما تحكمه الدولة. واستقرار السودان ليس ترفاً سياسياً، بل ضرورة استراتيجية لكل دولة تطل على هذا الممر الحيوي، وفي مقدمتها السعودية.

ثم يأتي الصومال، النموذج الأوضح لما يحدث حين يغيب مركز الدولة طويلاً. فالفوضى هناك لم تبقَ محلية، بل تمددت عبر البحر، وأصبحت تهديداً للملاحة الدولية، ومصدر قلق دائم لدول الإقليم. التجربة الصومالية أثبتت أن ترك الفراغ أخطر من التدخل، وأن غياب الدولة لا يعني الحياد، بل يعني ولادة لاعبين غير دولتيين يتغذّون على الفوضى ويعيدون إنتاجها. ولهذا فإن استقرار الصومال ليس ملفاً إنسانياً فقط، بل مسألة أمن قومي مباشر لدول البحر الأحمر وفي مقدمتها السعودية.

الجامع بين هذه الساحات الثلاث هو أن الخطر فيها لا يأتي على هيئة جيوش نظامية، بل عبر شبكات: ميليشيات، تهريب، اقتصاد ظل، وتوظيف سياسي للفوضى. وهذه كلها أدوات لا تُواجه بالقوة العسكرية وحدها، بل برؤية شاملة تفهم أن الأمن يبدأ من بناء الدولة، ومنع انهيارها، ودعم قدرتها على فرض سيادتها. السعودية، بخبرتها السياسية وموقعها، أدركت هذه المعادلة مبكراً، ولذلك تبنّت مقاربة تتجاوز رد الفعل إلى صناعة التوازن.

إن ما نشهده اليوم هو صراع بين من يريد الإقليم مساحة مفتوحة للفوضى، ومن يريد له أن يكون فضاء للاستقرار والتنمية. وفي هذا الصراع، لا يمكن للسعودية أن تقف على الحياد، لأن الحياد هنا ليس فضيلة بل مخاطرة. أمنها مرتبط عضوياً بأمن محيطها، وأي خلل في هذا المحيط سينعكس حتماً على الداخل، اقتصادياً وأمنياً وسياسياً.

من هنا، فإن الحديث عن أمن السودان، أو اليمن، أو الصومال، ليس خطاباً تضامنياً عاطفياً، بل قراءة استراتيجية لواقع معقّد. فالسعودية لا تدافع فقط عن حدودها، بل عن فكرة الدولة في منطقة تُستنزف فيها الدول. إنها معركة بين من يؤمن بأن الاستقرار مشروع طويل النفس، ومن يراهن على الفوضى كأداة نفوذ.

وفي النهاية، قد تبدو الجغرافيا صامتة، لكنها تتكلم بلغة قاسية لمن لا يحسن قراءتها. ومن يقرأ الخريطة جيداً يدرك أن أمن السعودية لا يبدأ عند أسوارها، بل يبدأ من حيث تُمنع الفوضى من التحول إلى نظام، ومن حيث يُحافَظ على توازن إقليمي إن اختلّ، سقط الجميع.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف