نيو ميديا

صباح الخير من تونس

رسالة إلى "أولاد أحمد"

قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

صباح أمس، الثلاثاء، وأنا أستيقظ من النوم، أحسست بحزن يضغط على القلب والروح. من النافذة، تراءت لي السماء ملبّدة بالغيوم الكاذبة في شهر المرارات والأكاذيب. هرعت الى المكتب محاولًا أن أجد في العمل ما يمكن ان يبهج النفس وينعشها. ولم أنته من العمل إلاّ في الساعة الثانية والنصف ظهرًا. بعدما أكلت سلطة، تمددت على الكنبة في الصالون. ولما عاينت أنه لا توجد في القنوات افلام تستحق المشاهدة، استسلمت الى نوم القيلولة.

فجأة رنّ الهاتف، وجاء صوت صديقي نور الدين الطيب ليعلمني بوفاة صديقي الشاعر محمد الصغير اولاد أحمد. لم يفاجئني الخبر. ففي آخر مكالمة معه مساء الاحد الماضي، جاءني صوته متعبًا، كما لو أنه قادم من العالم الآخر. ثم اني كنت على يقين أن المرض الخبيث لن يترك صديقي الا بعد أن يرمي به في ظلمات العالم الآخر.

تربطني بأولاد أحمد علاقة صداقة متينة تمتد الى نحو أربعين عاما. وخلال اقامتي الطويلة في ميونيخ في ألمانيا، تبادلنا رسائل كثيرة هي الان بمثابة وثائق مهمة عن فترات مختلفة من حياتنا ومن مسيرتنا الادبية.

هذه واحدة من رسائل كثيرة ارسلتها الى صديقي العزيز أولاد احمد. وهي بتاريخ 9 يونيو (حزيران) 1989.

عزيزي أولاد أحمد:
كم جميل أن أخاطبك من بعيد، أنت الذي أصبحت خلال السنوات الماضية، من أقرب الأصدقاء الى نفسي، ومن أكثرهم اخلاصا ووفاء. نعم يا صديقي ...أنا أفضل أن اخاطبك، وأن أحبك من بعيد، تماما مثلما أفضل أن أحب من بعيد بلادي، وأهلها، وأطفالها، وزيتونها، وبحرها، وواحاتها، وكل شيء فيها!.

المسافة يا صديقي ضرورية ذلك أنها تجعل الحب أقوى وأمتن. ولقد تعلمت في سنوات الوحدة، سواء في مدينة ميونيخ أو في غيرها من المدن، أن انظر الى داخل نفسي اكثر من أن انظر الى الآخرين، وأن اتجنب العلاقات التي تبعدني عن فعل الكتابة في معناها العميق، لترمي بي وسط لهب الأحقاد ولهب المعارك القاتلة والسخيفة. ولأن الحياة هنا صعبة وقاسية، فإنني تعلمت كيف اواجه المشاكل الأشد خطرا على النفس، وعلى الجسد معا.. أتعلم يا صديقي أنني عشت سنوات السبعينات الكالحة متسكعا، وأني كنت أصاب بالرعب كلما هبط الليل.

وكان الكثير من أصدقاء ذلك الزمان يأوون بعد نقاشات طويلة ومضنية عن العدالة وعن الحرية، الى بيوتهم، ويتركونني وحيدا لليل والبوليس. وكم من مرة اضطرتني الظروف الى طرق باب صديقي العزيز صالح الماجري، وهو لا يزال في شهر العسل. وكان يستقبلني بحفاوة، ويأتيني في آخر الليل بما تبقى في الثلاجة. ثم يظل الى جانبي الى أن يهدأ اضطرابي، وتعود لي السكينة والثقة في البشر، وفي ما يقولون ويفعلون.

تصور أننا خلال أحداث جانفي ( يناير) 1978 كنا ننحشر أكثر من عشرين شخصًا في احد الجحور الكريهة في حيّ "ابن خلدون" ولا نقتات الاّ القليل. وطوال الليل نظل نضحك رغم الضيق والخوف. وفي بعض الأحيان كان ابراهيم النصراوي يطلق صوته الجميل بأغاني الفراشيش، وأولاد عيّار، وقبائل الهمامة. وذات ليلة لم يتمكن أحد رفاقنا، وكان قوي العزيمة، ثابتا على المبادئ، من تحمل ما كان يجري في البلاد، فأصيب بنوبة عصبية. وكنا وقتئذ أمام التلفزيون نتابع أخبار الساعة الثامنة. وكان المذيع "ينبح" مثل كلب مسعور. وفجأة انفجر صديقنا، وراح يصرخ عاليا، ضاربا رأسه بالجدار، وخادشا وجهه بأظافره تماما مثلما تفعل البدويات في المآتم. أمسكنا نحن به، وشددناه الى الفراش. ولأن البلاد كانت تعيش حالة منع الجولان في ذلك الوقت، فقد ابقيناه على تلك الحال حتى طلوع الصباح. بعد ذلك ساعدنا أحد الأطباء، وكان طيّب السّريرة، على انقاذه من جنون محقّق!.

خلال تلك الظروف، عشنا حالات رهيبة بإمكان الأصدقاء أبو السعود الحميدي، ابراهيم النصراوي، عبد الجليل بوقرة، الطاهر القاسمي، فارس بوقرة، طارق بلهيبة، مصطفى التليلي وغيرهم، أن يحدثوك عنها. نعم يا صديقي... لقد عشنا أجمل سنوات شبابنا وسط الخوف و"الارهاب" من دون أن نكون مجرمين أو لصوصًا. فقط كنا شبانا متحمسين لوطننا، نقرأ الكتب ونحلم. وتلك كانت جريمتنا التي لم يغفرها لنا اناس أوضحت الأيام أنهم كانوا من المحرّضين على الجريمة والبغضاء!.

لعل حبي للكتابة هو الذي حرّضني على الهروب مرة أخرى. ولأن وطن بدوي مثلي هو حذاؤه، فإنني رحت أجوب بلاد أوروبا باحثًا فيها عن المغامرة، وعن المعنى الحقيقي للكتابة. وأعتقد أنني عثرت منذ سنوات على ما أبتغي، إذ إنني تمكنت خلال مرحلة زمنية قصيرة من ان انجز جزءًا من ألأعمال التي كنت أحلم بكتابتها.

أكتب اليك هذه الرسالة، وأنا أستمع الى أغان من الصحراء الجزائرية. جسدي كله يختلج تحت تأثيرها. وكم أود أن اكتب نصًّا له تأثير هذه الأنغام الشجية. وأنا متأكد من أن المسافة هي التي جعلتني أكتشف من جديد قيمة هذه الموسيقى التي دمّرها دعاة "الحداثة المعطوبة"، على حدّ تعبير محمد بنيس، ليحلوا محلها تلك الموسيقى التافهة التي يروّجها مرضى هذه الحداثة!.

عندما كنت في تونس، لم أكن قادرا على أن أرى جمالها المخفي، وأصالتها المطموسة. فلقد خلفت سنوات التسكع الطويلة داخل نفسي حالة دائمة من التوتر تمنعني من أن أنظر حولي بشيء من الهدوء وراحة البال. يكفي أن أستيقظ صباحا في القيروان على صوت الناعي الذي أصبح منذ سنوات يستعمل مكبر الصوت لكي يتعتّم نهاري، وتتعطل جميع قدراتي على الحلم، وعلى الكتابة. وقد لاحظ الصديق شربل داغر ذلك، إذ قال لي في احدى المرات التي التقيته فيها في تونس: "أنت تبدو شخصًا آخر تمامًا عندما تكون في بلادك!".

من بعيد يا صديقي أستطيع أن أحبك، وأن أرى الأشياء بوضوح. وأنا لا أريد أن تكون كتاباتي متوترة وانفعالية وحاقدة. أريدها أن تكون عميقة ومشحونة بالألم الحقيقي، وليس بالشعارات والمزايدات اللفظية. وعلى أية حال... بلدي يسكن جسدي بكل ما فيه. وهو الذي يهبني الكثير مما أنا أحتاجه في هذا البرّ البعيد.
سلامي!

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
الادب الكبير عند الصغير
جبار ياسين -

باسقا ، منحنيا قليلا كنخلة الهند . مرت عليه رياح كثيرة ، ومر عليها متمردا .شاغبها طول شبابه ، لم ينثني على اعتاب ستينه .له وجه جنوبي مخدد ، فيه صحراء وماء واغاني وابتسامة عاشق .يتعشى سكائره وكأس نبيذ وفكرة عن قصيدة .في النهار يؤلف امثالا تجري على السن الاصدقاء في شارع بورقيبة .بعد يومين تصل باريس، محرفة قليلا .لم يجد له سكنا فأسس بيت الشعر. يغرق في لجة فكرة نهارا كاملا وحين تسلم عليه لايرد السلام .أنه في مكان بعيد والذي يمشي في شوارع تونس ، ظله .سيكارته نفسها و ملابسه والحذاء الذي كان سلاحه ، نفسه .لكنه على سواحل طنجة يستنشق البحر .قدماه في الماء يعمد نفسه مثل يحيى المعمدان .سأوصلك حتى باب فندقك فالليل اجمل ، يقول لي للمسير .الشرطة لاتميز بين ظل وظل ، في النهار حريتنا باطلة .البحر قريب ،عيون تحرسه عيون . اتقرضني عشر دنانير ؟ فالليل بدأ ثم تجلجل ضحكته .يفتح الحارس بوابة الفندق والعصافير تتطاير لحظة في الشجر الذي يظلل شارع بورقيبة ،صدى لضحكته . ايقضتها يا صغير فيقول لي : كلا انها تضحك مثلي على عسس الحكومة. سمعت انه تزوج من حبيبته في المساء كي يشاركه الجن حفل زفافه ، جن عبقر بالطبع . في الربيع المبكر لتونس ، في شهر جانفي كما يسمونه ،بح صوته وتعبت يداه .صار مثل بوسي في الحكاية ، قصائده تدل على طريقه " لهم تاريخهم ولنا تاريخنا ،الفرق مئات السنيين " والبنات يصفقن وهو يبتسم في سكرة الشعر وسحر الكلمات، سحر الياسمين مختلطا برائحة البحر ولكنة اهل الجنوب. مرة ودعته في الفجر بل بعد الفجر بساعة .كان حسن بن عثمان معي .كان يعد الشاي بالنعناع واللوز ويقص عزلته .قال لي لاتنقطع عنا .قبلني عند الباب ثم اغلقة بيسر .على السلم كنت اسمع تونس العاصمة تنهض من نومها . حفيف ورق يتقلب واشم رائحة حبر يسيل . ربما كان يكتب شعرا . بعد حين رأيت صورته في الصحف . بعد أعوام اقرأ خبر الرحيل . أقول له وداعا يا نخلة الجنوب الفارعة في الشمال ، ياصغير امه الابدي وشاعر تونس الكبير