صباح الخير من تونس
حنبعل في قصر قرطاج
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
بعد انهيار نظام زين العابدين بن علي في أوائل عام 2011، اشتعل الجدل ساخنًا حول مسألة الهوية في تونس. وكان الإسلاميّون هم أول من بادر إلى ذلك مؤكدين على ما يسمونه بـ"الهوية العربية - الإسلامية". ساندهم في دعوتهم تلك العروبيون من بعثيين وناصريين. كما ناصرهم محمد المنصف المرزوقي الذي كان والده من أنصار صالح بن يوسف، الذي استنجد بالرئيس المصري جمال عبد الناصر، وبالزعيم الجزائري أحمد بن بلة، طمعًا في الحصول منهما على المعونة التي كان يحتاجها في نزاعه مع خصمه الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة.
وردّ اليساريون والعلمانيون والبورقيبيون بقوة على دعوة الإسلاميين، معتبرينها مزيفة للحقائق التاريخية. فاعتمادًا عليها يمكن الجزم بأن التاريخ التونسي يبدأ في القرن السابع ميلادي مع "الفتوحات الإسلامية"، وتأسيس القيروان. ومعنى هذا أن هذه الدعوة تمحو العصور التي سبقت ذلك. كما إنها تتعارض مع الطرح الذي قدمه المؤرخ التونسي الكبير حسن حسني عبد الوهاب، الذي أثبت بالحجج والقرائن أن التاريخ التونسي يمتد إلى ثلاثة آلاف سنة، وأن الهوية التونسية مزيج من الحضارات والثقافات التي تعاقبت على البلاد. فهي إذن فينيقية ورومانية ووندالية وعربية - إسلامية، وهويات أخرى تركية ويونانية وألبانية وشركسية ويهودية.
ألقى هذا الجدل بظلاله القاتمة على مداولات المجلس التأسيسي، الذي كان مكلفًا إعداد دستور جديد للبلاد. ولم تخف حدته إلاّ عندما كفت حركة النهضة عن طرح موضوع الهوية. وقد تكون فعلت ذلك بعدما عاينت أنها لن تجني من هذا الجدل العقيم الذي أشعلته ما يمكن أن يفيدها أو ينفعها في توسيع سلطتها ونفوذها، بل قد يعطل ذلك ويفسده.
وربما للتأكيد على صحة الطرح الذي يقول إن التاريخ التونسي يمتد إلى ثلاثة آلاف سنة، انتظمت في قصر قرطاج الرئاسي احتفالية عرض خلالها التمثال النصفي للبطل القرطاجني حنبعل، الموجود في متحف روما. وبحضور عدد غفير من السياسيين والمثقفين والإعلاميين والطلبة والتلاميذ، قدم الدكتور محمد فنطرن المتخصص في التاريخ القديم، عرضًا حول حياة حنبعل، وحروبه ضد روما، مبرزًا مهاراته وذكاءه الخارق في المعارك الكثيرة التي خاضها على ضفتي البحر الأبيض المتوسط. وفي النقاش الذي أعقب العرض، وشارك فيه التلاميذ بحماسة، أثيرت نقاط مهمة لتوضيح مسيرة القائد القرطاجني الفذّ، والأدوار السياسية والعسكرية الخطيرة التي لعبها في عصره.
الحقيقة أن حنبعل، أو هانيبال (247-182 قبل الميلاد) لا يزال يتمتع بحضور هائل في التاريخ التونسي والمتوسطي والعالمي. ونظرياته لا تزال تدرس في العديد من الأكاديميات العسكريّة. إذ قال عنه الجنرال الأميركي شوارزكوف، الذي قاد معركة طرد الجيش العراقي من الكويت: "تعلمت الكثير من حنبعل، حيث طبّقت تكتيكاته لحملتي في عاصفة الصحراء". وكان نابليون بونابرت يستوحي منه تكتيكاته الحربية. وكذلك فعل جنرالات آخرون خلال الحرب الكونية الأولى والثانية.
وكان أميلكار والد حنبعل عسكريًا قديرًا خاض العديد من الحروب، كان النصر حليفه في غالبيتها. ومنذ البداية حرص على أن يكون ابنه مثالًا للشجاعة والبأس والشدة في قتال العدو، الذي هو روما، التي كانت تعمل على فرض سيطرتها المطلقة على كامل البحر الأبيض المتوسط.
ويشير المؤرخون إلى أن حنبعل شارك في حروب والده وهو في التاسعة من عمره. وبعد اغتيال زوج أخته صدر بعل العادل، عيّن قائدًا لجيش القرطاجني لتكون حياته بعدها سلسلة من المعارك والحروب الطاحنة ضد روما. ولعل أروع ملحمة عاشها هي اجتيازه جبال الألب على ظهور الفيلة ومهاجمته للجيش الروماني، الذي كان يتأهب لقطع البحر وحرق قرطاج. وكان النصر حليفه في تلك الحرب والحروب التي أعقبتها.
غير أن معركة "زامة" التي خاضها ضد القائد الروماني سيكيبيو أفضت إلى هزيمة نكراء له ولجيشه. ويشير المؤرخ الروماني بوليبيوس، الذي كان شاهد عيان على المعركة المذكورة، أن سيكيبيو أجهش بالبكاء وهو ينظر إلى قرطاج التي كانت تحترق وتموت. فلما سأله عن سبب بكائه ردّ عليه قائلًا إن كل الامبراطوريات العظيمة مآلها الإضمحلال والإنهيار في النهاية. ثم أضاف مستشهدًا بسقوط طروادة، كما وصفها هوميروس في "الإلياذة": "هذه لحظة عظيمة يا بولينيوس!، إن الخوف يتملكني من أن المصير نفسه سيكون لوطني في يوم من الأيام!".
بعد هزيمته، عاش حنبعل في المنافي. وعندما عاين أن أعداءه الرومان شددوا الحصار عليه ليأخذوه أسيرًا ذليلًا ومهانًا إلى روما، شرب السم، الذي كان يضعه دائمًا في خاتم في إصبعه. فكانت نهايته شبيهة بنهاية كل الأشراف والنبلاء في التاريخ الإنساني.