مهندس سياسة جيمي كارتر الخارجية
بوفاة زبغنيو بريجينكسي فقدت أميركا مفكرها الاستراتيجي
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
يبدو أن أمثال زبغنيو بريجينكسي قلة في الإدارة الأميركية، في عهود ثلاثة رؤساء على الأقل. وحتى لو وجد مثيله اليوم، فإدارة دونالد ترمب لا تريد الاستماع إليه. وفي كل الأحوال، توفي بريجينكسي ففقدت الولايات المتحدة مفكرها الاستراتيجي الفذ.
في 9 يونيو الجاري، يُقام حفل تأبيني لزبغنيو بريجينكسي الذي توفي في 26 مايو الماضي عن 89 عامًا. كان لي امتياز معرفته أكثر من 35 عامًا. أُعجبتُ به ورافقته في رحلاته إلى مصر وسورية والسعودية والإمارات وغيرها، فوجدته أهم المفكرين الاستراتيجيين في الولايات المتحدة واوروبا.
خلال معرفتي به، كان يحدثني عن دعمه العلني لنضال الجزائر من أجل الاستقلال في عام 1955، وكان أول مفكر واستراتيجي أميركي عبّر عن دعمه القوي لاستقلال الجزائر. ولدى النظر إلى الشرق الأوسط، كان يعتقد أن الاستقرار في العالم العربي يمكن أن يتعزز بدعم قيام دولة فلسطينية ضمن حدود 1967. كما أقنع الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر بإطلاق مفاوضات سلام بين المصريين والإسرائيليين.
بعد توقيع اتفاقيات كامب ديفيد في عام 1978، صمّم مع كارتر على تحقيق السلام بين الاسرائيليين من جانب، والفلسطينيين والسوريين من جانب آخر، إذا أُعيد انتخاب كارتر رئيسًا في عام 1980. للأسف، لم يُنتخب كارتر لولاية ثانية، لكنه استمر في الدعوة إلى بذل جهد اميركي قوي لتحقيق السلام على أساس حدود 1967، وأن تكون القدس الشرقية عاصمة دولة فلسطينية. وقد هوجم بريجينسكي بشراسة لدعمه إقامة دولة فلسطينية وانتقاده النشاط الاستيطاني الفلسطيني.
فقدت مفكرها
بعد الغزو الروسي لأفغانستان في أواخر ديسمبر 1979، تمكن بريجينسكي من إقناع كارتر بمواجهة الاتحاد السوفيتي وطرده من أفغانستان. بعد انتهاء ولاية كارتر في يناير 1981، كان ريغان أشد تصميمًا على إلحاق الهزيمة بالروس في أفغانستان من طريق دعم المجاهدين. في النهاية، انسحب الروس من افغانستان منهكين ومهزومين.
وقف بريجينسكي ضد حرب العراق في عام 2003 بوصفها خطأ استراتيجيًا يقوض الاستقرار في العالم العربي ويغذي التطرف. كان من القلائل، إلى جانب برينت سكوكروفت، مستشار الأمن القومي للرئيس جورج بوش الأب، الذين اتخذوا موقفًا معلنًا ضد الحرب في العراق. لكن أكبر إنجازاته كان إعادة العلاقات الدبلوماسية مع الصين لما فيها من أهمية جيوسياسية للولايات المتحدة وآسيا. كما عمل على تحسين العلاقات الاميركية مع أفريقيا وتعزيزها.
بوفاة برجينسكي، لم يعد للولايات المتحدة مفكر استراتيجي مثله. كان صادقًا وشجاعًا ومبدئيًا، وقف مع العدل والانصاف في أميركا والعالم.وكان باحثًا في التاريخ، عارض الكولونيالية البريطانية والفرنسية في الشرق الأوسط وشمال افريقيا، وشعر دائمًا أن اميركا ستكون موضع احترام واعجاب إذا دعمت القومية العربية.
مفارقة حزينة
من أفضل ما كُتب عن حياة بريجينسكي وإرثه مقالة إيد لوس، صديق بريجينسكي، في صحيفة فايننشيال تايمز. كتب: "كان من غرائب القدر أن يُرفَض طلب زبغنيو بريجينسكي التأشيرة البريطانية. ولو ذهب هذا المفكر إلى لندن في أربعينيات القرن الماضي بدلًا من الولايات المتحدة لكانت فرصه ضئيلة في تولي منصب رفيع، فضلًا عن رسمه نهج قوة عظمى. لكن واشنطن كانت الرابحة. وتؤشر وفاة بريجينسكي انتهاء حقبة اميركية.
وانها لمفارقة حزينة أن يتوفى فيما يلوّح دونالد ترمب بإضعاف حلف شمال الأطلسي أمام روسيا. ليس هناك كثيرون فاقوا بريجينسكي صقورية خلال الحرب الباردة، وأقل منهم الذين كانوا يستطيعون التفوق على عقله الاستراتيجي. وما زالت حفنة من الآخرين، ابرزهم هنري كيسينجر وبرينت سكوكروفت وجورج شولتز، احياء بيننا. لكن بريجينسكي كان مدرسة قائمة بذاتها.
والتهديدات التي تواجه اميركا اليوم تتطلب جدارة الفكر التي عملت على تنميتها في الحرب الباردة. فالولايات المتحدة في عهد ترمب تواجه صعود الصين وتهديد روسيا وتفكك الشرق الأوسط واهتراء الأطلسي.ويتطلب التعاطي مع هذه الأخطار خبرة وشجاعة، وهما صفتان لا تحظيان بتقدير كبير في واشنطن اليوم.
ومن الصعب أن نتخيل أحدًا مثل بريجينسكي يظهر من أي مكان آخر سوى المعاهد النخبوية لفترة الحرب الباردة حين كانت أميركا مدفوعة بالتهديد السوفياتي إلى البحث عن معرفة عالمية. وبأصول بريجينسكي البولندية وتخصصه العميق في الشؤون الروسية، كانت مهاراته محل تثمين، لكن الماضي راح، واميركا ترمب لا تطلب مشورة بريجينسكي.
خاب أمله
إذا كان هناك ما هو ايجابي في وفاة بريجينسكي فهو تذكير الولايات المتحدة بما كانت تمتلكه وما زال بإمكانها أن تمتلكه. فحياته السياسية كانت ستكون متعذرة لولا روح الانفتاح الاميركية. وبريجينسكي المولود في بولندا في عام 1928 لم يتخل قط عن لكنته الأجنبية ولا هو فقد الاحساس المأسوي الناجم عن رؤية وطنه يدمره النازيون والسوفيات. وهذا البُعد أعطى معارفه أفضلية كان الخبراء الآخرون المختصون بالشؤون السوفياتية يفتقرون إليها.
حتى قبل أن يصبح بريجينسكي مستشار كارتر للأمن القومي، توقع غرق الاتحاد السوفياتي في عُقْمِه البيروقراطي. والوضوح الفكري نفسه حدد شكل اتفاقية كامب ديفيد بين اسرائيل ومصر التي كان بريجينسكي دائمًا يقول بتوسيعها لتشمل العالم العربي. لكنه كان أوفر حظًا مع الصين التي قام بتطبيع العلاقات معها. ورحب بالاتفاق مع دينغ شياوبينغ في ضيعته ذات الطراز الكولونيالي في فرجينيا.
بصمة بريجينسكي في السياسة الخارجية الاميركية كثيرًا ما تطغى عليها ظلمًا بصمة كيسينجر، وهو لاجئ آخر من اوروبا التي كانت ممزّقة بالحرب.لن يكون أي منهما محل ترحيب في إدارة ترمب. ولا كانت هناك شهية تُذكر لإتقان فن ادارة الدولة في البيت الأبيض إبان عهد اوباما، أو رئاستي جورج بوش وبيل كلنتون، إذ كان بريجينسكي يدير مجلس الأمن القومي بكادر من 25 شخصًا فقط، ويزيد كادره اليوم على 400 موظف. كان بريجينسكي يشكو من أن التضخم البيروقرطي يخنق مجال التفكير الاستراتيجي. وعلى الرغم من توجّسه من ترمب، فإن أوباما خيّب أمله. تساءل بريجينسكي في عام 2012: "هل يجرؤ أوباما على التفكير الاستراتيجي إلى جانب إلقاء المواعظ؟ أنا لا أعرف الجواب عن ذلك، حقًا لا أعرف".
أفكار شجاعة
كان شجاعًا. فما من شخصية أخرى باستثناء كينسينجر أخذت على عاتقها تنسيق كامل السياسة الخارجية للرئيس. حين سُئل كارتر لماذا نحى وزير الخارجية سايروس فانس لصالح بريجينسكي، قال: "لأن زبيغ كان يرسل اليَّ 10 أفكار كل ليلة وكنتُ محظوظًا لو تلقيتُ فكرة واحدة في الشهر من وزارة الخارجية".
هل هناك صاعدون من امثال بربجينسكي وكينسينجر يمكن أن يعملوا لرؤساء المستقبل؟ هذا جائز تمامًا، لكن من الصعب العثور عليهم بين شركات المحاماة ومؤسسات البحوث في واشنطن. فأميركا التي نجح فيها بريجينسكي كانت تثمن المفكرين المستقلين، وأجواء اليوم تجعل من الصعب على صاحب الرأي المخالف أن يتقدم في الإدارة الحكومية. ومن الأفضل أن يخطئ المرء ضمن جماعة طيبة على أن يكون مصيبًا بمفرده. وتعرض بريجينسكي للذم في عام 2003 لمعارضته غزو العراق، ثم زكَّت الحياة موقفه لكن نفوذه تضرر.
كيف كان بريجينسكي ينظر إلى سياسة ترمب الخارجية؟ في واحدة من مقابلاته الأخيرة قال إن هناك القليل مما يشير إلى وجود أي فكر على الاطلاق. ولاحظ أن الولايات المتحدة تعيش اليوم في نوع من بلاد العجائب حيث يتحدث الرئيس عن مواضيعه الأثيرة، التي ليس لأي منها أهمية استراتيجية. كان ذلك تلخيصًا رقيقًا قدّمه قبل زيارة ترمب أوروبا بما اسفرت عنه من أضرار. كان بريجينسكي سيُدَمَّر برؤيته انسحاب الولايات المتحدة من اتفاقية باريس بشأن ارتفاع حرارة الأرض. إن تركة بريجينسكي شهادة على قيمة المعرفة. وكلما زاد فهمنا العالم زادت فرصتنا لتحديد شكله.بهذا المعيار، تهدر أميركا نفوذها على نحو متسارع.
ترجمة عبد الاله مجيد
التعليقات
رحمة الله عليك يا بريجنسك
د احسان جبور -مقال قيم يبدوا انه بمثابة تائبين للراحل بريجنسكي في وقت نحن بأمس الحاجة لمفكر سياسي فذ في العراك السياسي على مستوى الدول العظمى وهنا يبدوا ان الدكتور عوده أعطى الرجل حقه بتوازن لمعرفته لببريجنسكي حق المعرفة عن قرب لمؤلفاته وآراءه وافكاره حبَّذا لو لدينا اليوم في إدارة الرئيس ترامب مفكر درس التاريخ وصنع التاريخ او على الأقل " يقراء ورق " أمثال الراحل بريجنسكي