جريدة الجرائد

بلدان العقول

-
قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

&&&نزار عبد الستار

&اثارت المعمارية العراقية زهاء حديد يوم رحيلها الكثير من الشجون بشأن بيئتنا العربية الطاردة للابداع وقيل الكثير عن الاختناق الذي يعيشه الانسان المبدع في العالم الثالث وهذه الحقيقة بمأساتها الواقعية تؤشر ليس فقط غياب الوعي والحنكة والدراية بجوهر الوجود وإنما تدل على عمق الفوضى التي نعيش فيها وبالاخص النزاعات الدائمة والشذوذ السياسي المرير وموجات الحروب المتتالية، الأمر الذي يعيقنا عن تذكر المبدعين وتبجيلهم والاستفادة من اشتعالات عبقريتهم.

عالمنا الثالث بنزاعاته وتشكلاته العجيبة الغريبة لايتيح ابدا ابصار الجمال والابداع وبالتالي فان مايحدث من هدر في الطاقات البشرية سواء بالهجرة أو بطرد العقول والابداع هو مركب عميق التجذر ليس فقط باعتباره التعبير الاوفى عن ضحالة الوعي وانما المعين الاساس لدول كبيرة الشأن تعيش على الاستقطاب وأخذ العقول التي تهملها ارحامها.

لقد صحح التطور المدني والتكنولوجي الكثير من المفاهيم وأجبر العرب وغيرهم من القابعين في العالم الثالث على الانتباه إلى الخسارات التي تتكبدها الشعوب المقهورة يوميا، فلغة العصر الان تدفع الى الاهتمام بالبحث العلمي ليس ترفا وتباهيا وانما لأن نفاد مصادر الطاقة حتم على الجميع البحث عن منافذ بديلة وتشجيع العمل بكل نواحيه وتقوية القدرة الابداعية في كل المجالات.

الابقاء على عقولنا هي قضية ستواجهنا بالقريب وهذه لن تتصل بتحسن نظرتنا إلى الابداع أو بمصابنا الكبير بزهاء حديد وانما لأن الحياة على الارض اصبحت هكذا ومن لا يفكر بشكل جيد ولا يبدع لا يستطيع ان يعيش أو يجاور الاخر المتطور والنبيه.

لقد صرنا نتورط بمنحنيات العالم وهو يسير بسرعة متجاوزا قواعد الماضي فالسلع لم تعد تتطلب منا أن نشتري مصنعا وننتجها بل علينا أن نغلفها بجمال وأن نطور الكثير من التكنولوجيا المتصلة بها وإلا لن نستطيع أن ننافس أو نعدد مصادر تمويلنا وهذا كله يعتمد على الفطنة المبدعة وعلى العقل الحكيم الذي يشتغل

بشكل صحيح.

العالم بحركيته السريعة بات يتداخل فكريا ويتشارك في وسائل الانتاج ولان التكنولوجيا هي العماد الاكيد هنا فلا شيء يتأسس بمعزل عن طاقات الابداع كما أن الابداع نفسه لا يمكن له البروز احاديا فليس من المعقول أن يكون لنا علماء في الاحياء المجهرية ونحن بلا موسيقى ولا سينما ولا رقص.

البلدان عقول تصنع الانجازات وتكتب تاريخها على ضوء منجزها وإذا كنا اليوم نرى العالم كله يحزن على زهاء حديد ويتباهى بما يملك من صروح صممتها هذه المرأة العظيمة فالسؤال الجوهري والمؤلم في آن واحد هو: لماذا لا يوجد أي معلم لزهاء حديد على ارض بلدها العراق؟.

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف