نافذة في الطابق الرابع عشر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
كان يغوص في مستنقع الزئبق، حيث تتلاشى الملامح وتتكرر الأقنعة في لا نهائية مُرهقة؛ كانت أصابعه تتحسس شاشة هاتفه كمن يقلب صفحات كتاب مُسْحَر، كل نقرة تفتح باباً إلى عالَم من الومضات المبتذلة والرقصات المُتشنِّجة؛ كان ذلك الكون الافتراضي يزأر كسرب من الذباب المعدني، يبصق صوراً مُلوَّنةً للفراغ: شهوات مُصَفَّاة عبر مرشحات جمال زائفة، وحكمة سائلة تتبخر في ثوانٍ، وأصوات تتحول إلى نباح إلكتروني في سوق المزادات الرقمية؛ غُبارٌ من العطش الرقمي يترسب على روحه، وتُربة المادية الخانقة تُغلف أنفاسه.
نعم، كان زيد يقلب الصفحات كما يُقَلِّبُ منفيٌّ جراحه القديمة؛ إصبعٌ يجرّ خلفه سيولاً من الوجوه اللامعة الفارغة، ومقاطع تصرخ بلا معنى، وضحكاتٍ مستعارةٍ من قاع التفاهة؛ مشاهير بلا شهرة، وضجيجٌ بلا صوت، ونباحٌ رقميٌّ يطارد روحه بالرغم من أنفه، كأن الخوارزميات تعرف مواضع ضعفه أكثر مما يعرفها هو.
وفي ذروة هذا السعار، انشقّ الصخب فجأةً عن خيط نورٍ رفيع؛ صوتٌ يتسلل لا كالإعلان، بل كالذكرى؛ لم يكن صوتاً عادياً، بل كان صوت القارئ محمد صديق المنشاوي، يخرج من صفحةٍ مغمورةٍ كنبعٍ خفيٍّ في صحراء المحتوى، يتلو: ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾؛ كانت الآية كيد حانية تنتشله من قاع حوض زجاجي مليء بالضباب الدوار.
اهتز زيدٌ كغصن في مهبٍّ مقدس؛ نفض عن كاهليه غبار الضياع الذي صار كالرصاص، وانتفض من سريره الفندقي الفخم الذي صار فجأةً كالتابوت؛ لم يكن يهرول، بل كان يُجيب نداءً قديماً كالجبال، نداءً كتبته ذاكرة الروح قبل أن تُخلق الأجساد؛ اندفع نحو الحمام، وكان الوضوء في تلك الليلة القارسة البرودة، والمظلمة كحبر الأخطبوط، طقساً تطهيرياً؛ كل قطرة ماء باردة كانت تُذيب شيئاً من الصدأ الذي تراكم على مرآة قلبه.
نعم، توقف الزمن؛ سكن الإبهام؛ وكأن الكلمات لم تُتْلَ، بل وُضِعَت في قلبه وضعاً؛ أحسّ زيد أن غباراً كثيفاً كان يغلف روحه قد تهاوى فجأةً، وأن طبقاتٍ من المادية الباردة كانت تخنقه قد تكسّرت؛ نهض على عجل، لا كمن يهرب، بل كمن يلبّي نداءً أقدم من الوقت، نداءً يشبه نداء الوطن حين يطرق أبواب الدم.
اتجه نحو المغاسل؛ الماء في تلك الليلة القارسة كان كالإبرة، يوقظ الجلد ليوقظ ما تحته؛ توضأ في عتمةٍ كثيفة، والبرد ينهش أطرافه، لكنه كان يشعر بدفءٍ آخر يتسلل من الداخل، دفءٍ لا علاقة له بالحرارة؛ كل قطرة ماء كانت تسقط كأنها تمحو سطراً من فوضى قلبه.
قبل أن يشرع في الصلاة، توقف عند نافذة الغرفة في الطابق الرابع عشر؛ كانت طهران تُبْسِطُ نفسها تحته كسجَّادة من النجوم الأرضية، عاصمة من نور تحتمي بجبال كالحُماة الصامتين، وكقصيدةٍ حجرية؛ أضواءٌ متشابكة، مآذنُ تشقّ الظلام، وشوارعُ تتنفس بصبرٍ قديم؛ تساءل في صمته: أترى هذه المدينة، بهذا الجلال الهادئ، ستتحول ذات يوم إلى لوحة لفنان مجنون، يرسم بالصواريخ والنار؟!
أترى طائراتٌ حديدية قادمة من أحلام غربية مُريبة ستحيل هذا الجمال إلى فسيفساء من الركام والدخان؟!
هل ستهجر الطمأنينة مآذنها وحدائقها، وتفرُّ كحشرة خفيفة من موطئ قدم ثقيل؟!
وهل إذا انهارت الجدران، تنهار الطمأنينة معها؟!
ثم تنفس بعمق، واستدار؛ أدار ظهره لكل تلك التساؤلات الكونية الكبيرة؛ وأدرك أن المدن شعوب، والشعوب أقدار، والأقدار بيد قوة أوسع من كل تصوراته القلقة؛ فالمدن مثل البشر لها ربٌّ يحفظها، وأن القلق على مصائر العالم لا يجب أن يبتلع معركة الإنسان مع نفسه؛ عاد إلى داخله، إلى ساحةٍ أصغر لكنها أشرس، حيث تتصارع الرغبات، والأوهام، والخوف، والرجاء.
فالمعركة الحقيقية لم تكن هناك، في الجغرافيا السياسية المتوترة؛ المعركة كانت هنا، في هذه الغرفة، في هذه المساحة الضيقة بين ضلوعه؛ عاد إلى سجادته، إلى ذاته المضطربة التي تشبه كوكباً صغيراً تتنازعه عواصفُ الخوف والضياع واللهفة.
شرع في الصلاة؛ وكان كل ركوعٍ غوصة في محيط النسيان، وكل سجود عودة إلى مركز العالم؛ كانت الحركات بطيئةً، كأن جسده يتعلم لغةً نسيها منذ زمن؛ وعندما أنهى الصلاة، وأرسل دعاءً أخيراً كطائر مهاجر يبحث عن موطن.
انهمرت عليه السكينة؛ لم تكن مجرد شعوراً عابراً؛ كانت حدثاً فيزيائياً، كأن سائلاً ذهبياً دافئاً يُسكب من علُ، يملأ كل فراغات كيانه؛ كان كمن كان يسير طوال عمره في ضجة صمّاء، ثم فجأةً سُكبت السكينة في قلبه؛ نسي، حقاً نسي، شؤون ذلك العالم المتوحش الذي كان يغلي تحت نافذته وفوق شاشته؛ تلاشت الهواجس كالملح في الماء؛ لم يعد هناك عاصمة تتهدد، ولا شاشة تلمع، ولا ماضٍ يجرجر أثقاله، ولا مستقبل مُرهِب؛ كان هناك فقط &"الآن&"، وكان &"الآن&" رحيماً، واسعاً، ومكتفياً بذاته.
ارتفع من سجادته وكأنه وُلِدَ من جديد؛ نظر إلى الهاتف الملقى على السرير، فرأى شاشته المظلمة تعكس صورة نافذة الغرفة، وبدلاً من أضواء المدينة، رأى فيها انعكاساً هادئاً لنجمٍ وحيد في السماء السوداء؛ ابتسم؛ لقد وجد، في قلب مملكة المرايا والضوضاء، منفذاً سرياً إلى السماء؛ وشعر أن العالم، بكل وحشيته، قد تراجع خطوةً إلى الخلف، وأن قلبه، ولو مؤقتاً، استعاد حقه الطبيعي في الطمأنينة.
في تلك اللحظة، فهم زيد أن الخلاص لا يأتي دائماً من تغيير العالم، بل أحياناً من إصغاءٍ عابرٍ لآيةٍ صادقة، تظهر في المكان الخطأ، في الوقت المناسب.