حالة احتقان: مصطفى محمد محمود
-
قراؤنا من مستخدمي إنستجرام
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
الجبل يحمل ثعباناً يتلوى صاعداً للأعلى والجميع هناك نحيفون سمر وعروقهم بارزة ، أما وجوههم فهي دائماً حادة النظر والملامح.&كل شيء يحمل حرارة ما ويعكس حدة ما. تبودلت السيجارة الوحيدة بين الشفاه النهمة ، وحين أخرج علبة تبغ أمريكي ذي ماركة شهيرة انطلقت صافرة من أقصى الشاحنة وخرجت تلك التي كان يظنها فتاة وعدلت من ردائها القصير ثم أخذت منه سيجاراً اشعلته وتوسدت ارض الشاحنة واضعة سلاحها تحت رأسها وتظاهرت بالنوم غير مبالية بتعليقات المقاتلين المشاغبة.&التؤدة كانت سمة الرحلة اكتفى السائق بالألفة بينه وبين الطريق فلم يشعل مصابيح الشاحنة . عمَّ سكون لا يخدشه إلا صوت الشاحنة الذي نادراً ما يخبو او يعلو فاكتسب بذلك سمة مشابهة للسكون ، وفي عمق السكون كان جابر يقرأ في الأوجه الكالحة حكايات طويلة.اه سأجعل بذاري في قلب أرضي الخصبة بصخورها الحمراء القانية فالجميع يتوق لأن يربط نفسه بصخرة الجبل أو يغرس نفسه كشجرة (عركوكباي) تغوص في أغوار الأرض حيث لا نوء يقتلعها ولا ريح تكسرها.أحس أن الرحلة تجذبه لمدارات ؛ تجذب و تقوى جاذبيتها كلما تقدمت الشاحنة ، أما هناك فقد كان القطار يقتلعه يركض ويقتلعه و حينما كان يتطلع الى وجه أمه ليتفرس ملامح الطريق كان رأسه يدور ويدور فينكفئ في حجر أمه وينام .أخذ الرجل المكلف باستقبالهم يجمع كل مظاهر المدنية من حاجياتهم معجون الأسنان والفرشاة ومعجون الحلاقة والمشط ال....ال....تحسس لحيته النابتة بشكل سخيف ثم نظر الى معجون الحلاقة بحركة لا إرادية إلا أن المسئول هتف: الى الأمام....تحركوا ببطء نحو الأمام واصطفوا جميعاً بشكل غير متناسق. هز المسئول رأسه وقال بمغزى عرفوا معناه فيما بعد: أمامكم الكثير لتتعلموا النظام... " المعارك طاحنة البحر العقرب سيبتلعكم.....هكذا قالوا.. حاولوا أن تخنقوا البحر وتعودوا من جوفه أقوياء إذا ابتلعكم..... كلوا أوراق الشجر المرة ليكتسب لحمكم مرارة أوراق السدر اللزجة فيلفظكم البحر مردةً وجناً وشياطين, الحيتان لن تجد لحمكم مستساغا صدقوني لكن لحمهم سيكون شهياً قهم يأكلون لحوم البشر ويلعقون دمائهم... ضحك القائد حتى اهتزت ذخيرته ثم قال: أما أنتم فماذا ستفعل الحيتان بأعظمكم اليابسة؟ كان جابر مخموراً وما زال ينكفئ على قدح السوا ، وادريس يترنح محاولاً ان يرقص على أنغام لحنٍ &يجول بخاطره ، فيما كان داوييت منزوياً يعيد تزييت سلاحه وصيانة خط التنشين ليضبطه مع فوهة السلاح. هتف جابر مردداً ما كان يقوله أخوه الذي مات في حرب القبائل : اللعنة على من يكذبون باسم الله وباسم الشعوب.
&حين انطفأ الاتون:&الأعداء كلهم هربوا وهجر كبيرهم عرشه.المجد للصامدين والشهداء...تخندق الجميع يرقبونهم وهم يزحفون مرضى وجرحى ومشوهين أكلتهم حيتان البحر حتى التخمة و لفظتهم الى الشواطئ. العفونة اجتاحت المدينة وعمل الجميع على دفنهم وحين كانوا يهيلون التراب على الجثث كانوا يدفنون الآمهم وجراحهم التي كانت كالسرطان طيلة عقود طويلة &تمتص عافيتهم و تهتصرهم وتقتلعهم.&بدأ الرقص مع اخر جثة دفن . الطبول كانت سيدة الموقف والغناء امتد حتى ساعات الصباح الأخيرة بل أن الجميع كانوا يرقصون وهم يبيعون ويشترون ويجامعون زوجاتهم وعشيقاتهم والأطفال كانوا يكتبون في كراساتهم وهم يرقصون حتى الشهداء بدت أرواحهم البيضاء التي كانت تحوم حول خارطة الوطن المعلقة فوق مبنى بلدية أسمرا ترقص وتدور خلف بعضها وتهتز بإيقاع الطبول.&الخطباء ، والمشاة في طوابير العروض العسكرية و جابر و إدريس كانوا كذلك يرقصون والشعراء كانوا يلقون بشعرهم فيتلقفه الجمهور بأذن واعية وقلوب حزينة...&هلا سائلة تيجان الجبال؟&حين نفضنا عنها الغبار وصدأ العفونة / لم يكن مهماً ان لما تقوله معنىً فقط قل او قل فقط..&شاعرٌ اخر: دعوا الجبل يرتفع بتينه الشوكي&يعمد أكفنا بدماء قانية&ويصلبنا على أحجاره شهداء وشذاذ افاق وشحاذين&حمى الخطب انتشرت والمذياع كان لا يفتأ ينقل أخطاء إملائية ويبث ذلك في قواميس الناس واللغة فتضحي حديثاُ مقدساً يشربه الناس مع الشاي في الصبح ويضعونه تمائماً تحت وساداتهم فيكون اخر ما تقع عليه أعينهم قبل النوم.
كان داويت منكفئاً على كأسه الأخيرة حين علا في المكان ضحك البنت التي كانت تدعى (باريستا) فقط لطول امتهانها الحرفة والتي لم تكن تخفي انها جاءت الى الدنيا نتيجة لنزوةٍ عابرة لتاجرٍ &يمني استقر لوقت قليل وارتحل الى بلده....هي لا تعرفه ولم تسع يوماً لمعرفته ، وامرأة حماسية هي أمها التي &أورثتها هذا البار بعد أن جمعت مالا يكفيها من مهنتها السابقة وماتت بعد أن تابت بأيام قليلة وأفشت بأسرارها لقسيس كنيسة صغيرة تجاهل بنتها بعد أن ماتت الام فتجاهلت باريستا بدورها القسيس وكنسيته وانغمست في عالم لا دور لتعاليم الرب فيه إطلاقاً.&باريستا كانت تحنو حنواً غريباً على داويت وجابر وإدريس, فهي تتغاضى مثلاً عن كل بقية حساب عجزوا عن دفعه و تسندهم واحداً بعد الاخر الى اخر الطريق لتودعهم وتمسح على رؤوسهم بحنان مرددة جملتها المألوفة: يكفي لقد شربتم اليوم ما يكفل لشيطان مريد ان يدعوا للصلاة.جابر اعتاد على الصمت &في كل الأوقات و الايام الماضية لكن شيئاً ما كان يحز في أعماقه كان شيئاً حاداً مؤلماً كموسى صدئة تقطع دواخله فتخرج من أذنيه صراخاً و عويلاً وروئً قلقة....&عمه الراحل كان يرى جميع أولياء الله في منامه وحين يصحو كان يشرق بحبٍ جديدٍ وأعمق لتراب الجبل ألاحمر اما رؤاه فقد كانت تمتلئ بأدخنة قطارٍ &شيطاني الوجه ودوارٍ يمتد حتى أوقات صحوه الكئيبة.&إدريس تحول الى كاتب ماهرٍ &صاغ مقالات دعائية &رخيصة فأختير مديراً للمبيعات في شركة تبيع كل ما في الوطن وتشتريه, أما داويت فاختار علم الاجتماع واختار تخصص ذا بعدٍ اقتصادي فيه فاصطفاه الرئيس مستشاراً ومعيناً لتوظيف الكوادر على خلفيات طائفية ، موظفاً في ذلك جزءً من معرفته في علم الاجتماع الذي درسه على نفقة الدولة.&كان جابر لا يدري محتوى مهن صاحبيه لكنه كان يلحظ أن بريقاً ما كان في أعينهم صار يخبو كل يوم بمقدار محسوس وأنهم صاروا أقل مرحاً ورغبة في صداقته. ومنذ ذلك الحين اكتسب هو وجهاً محتقناً وارتفاعاً في ضغط الدم و مؤخراً انتابته نوبة خطب جارفة لكنه كان خطاباً مغايراً لنسق الخطب الراقصة....انفجر فجأة بينما كان يحتسي كأسه في مرة نادرة مع رفيقيه اللذين صارا نادراً ما يجالسانه ابتدره بـ: يا ابناء الحرام ويابنات الرذيلة...فتبادل داويت وادريس النظرات حين وصل في خطابه لذكرى مذبحة عونا فمؤتمر أدوبحا &والحرب الأهلية ...ثم أعلن على الجميع أن يخففوا من غلواء الركض خلفاً والهروب الى جذوع الشجر لامتصاص اكسير التطاول الممزوج ببويضات مخصبة لديدان التيناسجيناتا والعناكب والثعابين الأفروآسيوية الأصيلة وأسماك قرش البحر القاتلة... فالشياطين من مختلف انحاء الارض تحتاج لهذا الاكسيرالذي استهلك الكثير منه في هذه السنوات ، اذاً فالأمر لا يعدو كونه ارجاء للأمر حتى يُتمكن من مزج الاكسير ويتسنى توزيعه على جميع سكان الارض بحصص متساوية ثم ختم حديثه بهتاف حار" المجد للأوثان للطوطم الأزلي وجميع قبائل الانس والجن" التفتت باريستا اليهم وجاءت مسرعة اليه بعد ان فرغ من خطبته مسحت على راسه بحنان وهمست في أذنه بان الوقت قد أزف وأن العسس سيأتون لإعمال القانون. .....همس باكياً: هل ناضلنا لكي نخاف من العسس؟&الشارع الأسفلتي ، شهد ثلاثة يترنحون أحدهم كان يهذي كثيراً يصرخ ويهمهم يضحك ثم يبكي. وفي اليوم التالي التقوا جميعاً عند بوابة المبني الذي تسير فيه كل شئوون البلد تجنبوا النظر إلى بعضهم البعض وعند منتصف اليوم دعي داويت وادريس الى مكتب المدير وأمرهما ان ينشغلا بما يجب عمله و نسيان يوم البارحة وحذفه من تاريخ حياتهما تماما الى حين اقناع جابر بقبول حافز ترقية تافهة مقابل ان ينضم الى الحزب الحاكم أو أن يبتلع لسانه أو أي خيار آخر.&الإحتقان في وجه جابر كان هذه المرة فوق العادة فتلطفت المرأة الملعقة معه كما أُمرت وهي تضع كوب الشاي أمامه لكن جابر امتنع عن شرب الشاي وطفق ينظر عبر نافذة المبنى الى عمال السكك الحديدية الذين كانوا يعيدون الحياة الى موتور قاطرة من مخلفات الطليان.&
التعليقات
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف