صخب الصمت وهواجس العزلة (3)
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال تطبيق تلغرام
إضغط هنا للإشتراك
الشاعر خايمي سابينيس لم يترك فضاءه الإبداعي خاليا تسكنه الأشباح، بل ظل ذلك الكون الشعري مؤثرا في أبناء جيله وفي الأجيال التالية، ومن هذا التأثير الحي ولجت الشاعرة لينا سيرون في كثير من قصائدها تستنطق جدران بيت الشعر الكبير للراحل سابينيس، وتدخل في حذر إلى عوالمه الإبداعية.. قالت في قصيدتها ( خرير الماء ) وكأنها تخاطب ذلك الرجل الشاعر الغارق في دكنة الغياب:
اليوم.. كتبت اسمك تحت الوسادة
ولم أشعر بالوحدة..
وكان في زمنية حضور الجسد أمام الكلمات، ذلك الشاعر الذي اقتطع من وهج المعاني تقنيته الخاصة، الشاعر الذي تحييه اللغة ويحييها، خايمي سابينيس، قال عنها وهي المرأة في شعره.. هي الحبيبة، وهي الشاعرة.. قال عنها قبل البدء وفي المنتهى:
أحاول كتابة اسمك في الظلام
أحاول أن أكتب –أحبك-
أحاول أن أقول كل هذا في الظلمة..
فهل كان الظلام هوالوحدة التي اكتسحت قلب الشاعرة ؟، وهل كان الاسم هوالنور الذي يُذهب ضباب الوحدة ؟.. ربما.. وربما هوالشعور نفسه يترصد مكامن البوح، ويُـسقط في غربته ظلام الوحدة..
يقول الكاتب المكسيكي ( أوسكار وونغ ) في مقدمته لمجموعة الشاعرة لينا سيرون ( ألوان الوقت Las colores del tiempo) حيث اكتشف من تفحصه للمباني التقنية والمعنوية للشاعرة لينا سيرون صوتا مختلفا ينغمس تارة في أناه، وتارة أخرى يحاور الأزمنة الغابرة، ثم يعرج إلى حضوره أمام الوقت.. يقول: (.. صوت الكينونة يفرض لديها ومضات النور والظل، النفي، اللامبالاة... وهناك الكثير ممن يلمح لدى لينا سيرون هذه الكينونة... وهي شبه فلسفية، لكن بواسطة جسد مادي... شعرها المحبوب قادر على إثارة منتهى السعادة، وقادر أيضا على إثارة الحزن الشديد.. هي إحساس لجسد وروح متحدين في وجود منفرد.. )، وفي هذه الكينونة كانت روح الشاعر خايمي سابينيس تغرف وهجها وثباتها، وتحيك من مائها زمنها الحاضر وزمنها القادم، وتحنط تاريخها المنقضي، وكما أسلف الكاتب أوسكار وونغ يتابع كلامه وبعبارة ناضجة تفصح عن كينونة هذا الجمال الشاعر للعيون الزجاجية (.. لينا سيرون وبدون شك صاحبة قدر كبير وقيمة عالية في الشعر المكسيكي، شعرها الماسي لا تريد أن تخص به أي مجموعة فكرية، ولا حركات متخصصة، ولذلك فهي شاعر مستقلة، تعيش للشعر وللشعر فقط.. )، ومن هذا فتضحية الإبداع أكبر تضحية تربك الحركة داخل النفس الشاعرة، تضحية تسقط كل المعاني البراقة التي تصادفنا ونصافها، والتي قد تعرقل في كثير من المواطن حركتنا في هذا الوجود.. فالشاعرة لينا سيرون تفرض منطقها الإنساني وتبقي خلفها كل مباهج البريق البعيد..
وحينما تنزلق مشاعرها في هاوية التذكر، تغلق جميع الأبواب لتغرق في النسيان، هوالعملية الصلبة التي تتطلب ألوانا مختلفة كي تتخلص من زاويتها، من زرقتها، وتحلق من جديد، تاركة خلفها تحولات الصباح الذي يرسمها من قرأ في تفاصيل الجسد أغنية الضباب، هذا ربما ما تحاول أن تعبر به إلينا في قصيدتها (أزرق خالص ) المنشورة في مجموعتها " نبيذ أحمر " هافانا – كوبا - فتقول:
-1-
أعرف أغنية الضباب
أشرب من صراخ الليل
ومن أفضل هاوية للنسيان..
-2-
اليوم.. أدوّن الألوان الحادة
على أجنحتي
-3-
تُحوّل أنت الصباح
إلى أزرق خالص بلا أرواح حارسة..
وتفتح الأبواب المغلقة ثانية.. فتنظر أمامها وقد طالت أجنحتها صور الحرية، فتحلق في كل المسافات التي لا يدركها العابرون.. وتسكن فقط إلى صوتها الأنثوي الذي يغريها دائما بالكتابة..
وتنتهج دائما في طريقها هذا معاني اللغة الفلسفية التي تصنع من غياراتها عناقيدا ذهبية تظل آثارها في النفوس طويلا، وترتقي حجب الكلام لتفضح عن لغتها الغائبة، هكذا تستعد دائما لينا في الحديث، في الكلام، في الشعر لأدوارها الخالدة..
وهكذا أفقنا نحن من هذا العالم المسكون بالهواجس، المسكون بالمشاعر الصادقة، المتوهج بالكلام الكثير، وهدفنا فقط أن نقذف ببعض الأوراق التي قد ترسم في غفلة الشوارع الباردة قراءة أخرى لمشاعر الإنسان الحي في هذا الوجود.. أهـ