تركيا وإرث شعوب الاناضول (3)
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
&
اكاد ان اجزم قارئي الكريم ان ليس هناك على المعمورة ارضا جرى ما جرى عليه من حوادث وحروب ومعارك كما جرى على ثرى شبه جزيرة الاناضول. التقى الحضارات شرقية غربية شعوب وأمم وثقافات انبياء ومصلحون وطغاة اديان وعقائد وأفكار بشر من كل حدب وصوب ومع نهايات القرن التاسع عشر تحول كل تلك وهؤلاء الى دولة عصرية تسمى اليوم بجمهورية تركيا.
ان اي زيارة لمتحف من متاحف تركيا المنتشرة في معظم مدنها يرينا كل تلك الثقافات والشعوب التي عاشت على ارض الاناضول. البعض من تلك الشعوب لا تزال تعيش هنا وآخرون انقرضوا او تم تهجيرهم او تطهيرهم عرقيا وثقافيا. الكثير من هم اليوم في هذه البلاد جاءها محاربين او محتلين كما يسمى اليوم بمفهوم هذا العصر. شعوب جاءت من اواسط اسيا واخرون من اوربا وأفريقيا. قلما نجد مدينة تاريخية على ارض الاناضول ولم يتم تطهيرها فكل اخذ نصيبه فتحولت مدن حثية الى تركية واخرى يونانية ومدن وقرى ارمينيا تحول سكانها الى اكراد وأتراك وصولا الى خريطة اثنية غير متجانسة فيها شعوب وأقوام يتكلمون اكثر من 150 لغة ولهجات محلة بديعة.&
تركيا اليوم هبة تلك الشعوب ورغم ان سياسة بعض الاحزاب القومية حاولت تهميش المكونات العرقية والثقافية لتركيا لتحويلها الى مكون احادي القومية وباءت محاولاتهم تلك البائسة بالفشل الذريع فاليوم في تركيا يوجد قبول عام بالتكوين التعددي لشعبها من عقائد وقوميات وطوائف وحلل وملل.&
ان الثقافة الشعبية بقت صامدة وعبر الدهور امام كل التحديات ففي تركيا نجد الاغاني الشعبية والأزياء والماثورات الشعبية لا تزال تفعل فعلتها السحرية في عقول البشر حاملة ارثا ثقافيا قديما وعبر الاجيال. يجب ان لا ننسى ان الاهتمام بالثقافة بصورة عامة ادى كذلك الى بقاء الطقوس والمشاعر الدينية للعديد من طوائف تركيا بينما تم تم تطهير عقائد اخرى ولم تبقى لها اي وجود وحظور ومع الاسف. اريد ان انوه ها هنا بان اللغة رغم كونها بقت تركية لجميع شعوب تركيا، موضوع يحتاج الى تعمق وتفاصيل لسنا ها هنا بصددها، اقول رغم ان اللغة الثقافية كانت تركيا ولكن مضامين تلك الارث الثقافي بقت محافظة على اصولها العرقية الاصيلة. هذا ينطبق على الغناء والموسيقى والازياء ومجمل الثروة الثقافية الشعبية.
كنت قد نوهت الى اهمية النظر الى تركيا اليوم بعيون منفتحة فتركيا كانت دوما بلاد شعوب وحضارات فلو ارتقينا عاليا وصعدنا جبل نمرود لنجد انفسنا امام تماثيل لآلهة اليونانية توجهوا بوجوههم صوب الشرق وتماثيل لالهة شرقية ، ساسانية& ولوا وجوههم& نحو الغرب& انشائها الملك الاغريقي انتيكوس ويعتقد وجود قبر احد القادة الاغريق من قواد اسكندر المقدوني " ذو القرنين" هناك وربما قبر الملك نفسه. كما لو زرنا سواحل بحر ايجة ومدنها لشاهدنا مدن الاغريقية القديمة ولا تزال الكتابات الاغريقية شاهدا على زمن الحضارات الاولى وقد وجدت العديد من رقم الطينية ذو الكتابات المسمارية من حضارات العراق القديم وما نسميه في العراق ب "الاختام ألاسطوانية " في متاحف تركيا دليلا على العلاقات والتبادل السلع والتجارة بين اقوام الحضارات القديمة.
ان تاريخ تركيا اقدم من كل ذلك بكثير وبمجرد معاينة العملات المعدنية القديمة نقوم بسياحة في تاريخ الامم والاقوام والحضارات. ملوك وسلاطين غيبهم الزمن لكن ذكراهم لا يزال ماثلا للعيان ولا ازال اتذكر ان العملات الذهبية العثمانية كانت لها قيم مختلفة فمثلا الليرة الرشادية لم تكن بقيمة الليرة الغازية.& فقد اكتشف علماء الاثار الالمان تحت قيادة كلاس شميتس معبدا كبيرا في منطقة كوبكلي تبه على اثار غريبة على شكل ستونات اي اعمدة حجرية مسطحة ، اعمدة مسطحة& ذو نحت بارز جميل ودقيق تعود الى فترات اكثر من عشرة ألاف عاما اي حتى قبل انشاء اهرامات مصر. ان الاعتقاد اوارد اليوم بان تلك الاماكن هي معابد وربما مقابر ولكن لغز امكانية تشيد تلك المعابد وبكل تلك الدقة لا يزال مجهولا. الجدير بهذا الصدد ان احد الرعاة اكتشف نتؤا حجريا بارزا فابلغ السلطات حيث ارسلت بعثة اثارية واكتشفت المكان باستخدام اجهزة حديثة.
الحديث عن قومية بلاد او ارض لا يتوافق ابدا مع الحقيقة فالبلاد امانة ويورثها اقوام تسود وتزول مع ملوكهم وسلاطينهم فكم من بلاد اسس عليها الامبراطوريات وحكمت دهرا ثم لا نرى لهم اي وجود اليوم كما هي عليها الحثيين ، البابليين ،السومريين ، مصر القديمة ، قرطاجة ، روما ، اثينا ، البيزنط وشعوب الانكا والياما وآلاف الاقوام.
ان دراسة لخارطة تركيا التاريخية يوضح لنا جليا مدى التغيرات التي جرت على حدودها ناهيك عن الاقوام التي حكمتها. والمستقبل عزيزي قارئي الكريم يأتي ربما بما لا يشتهيه الانفس.
&