عندما تغدو الكلمات سواء
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على إنستجرام
إضغط هنا للإشتراك
عندما تتبادل الكلمات، لدى استخدامها في موضوعات محددة، معانيها سواء بسواء. عندها يغدو العجب من ضعف القدرة على التفهّم والتفاهم مفهوماً، فما بالك في أن إعمال التحليل أو النقد لتحديد المقصود بذاته، يُعدّ أمراً نافلاً، وغير ذي معنى.&
من جانب آخر يعترض أساتذتنا اللغويون (وهم محقّون حتى الآن) على استخدام كلمات، على خلاف الوارد في المعاجم المعتمدة، الثابتة، الموروثة أوزانها وعديد مفرداتها منذ ما ينوف عن ألف عام. في حين تكثر في الكتابة، حالياً، كلمات تحتمل أكثر من معنى، وقد تتطلب تفسيراً على الهامش، إذ لا يكشف السياق عن قصد الكاتب بدقة.
من جانب آخر، مازال أساتذتنا يشددون على عدم جواز نحت فعل "تلفن" من أداة أجنبية "تِلِفون" بحيث يغدو ممكناً قول: "تلفن لي - سأتلفن له &- نتلفن لهم". أترى أحداً يتساءل عندما يود استخدام جهاز الهاتف الثابت أو المحمول: هل أنا مستعد {للهتاف} لمن "أتلفن له"؟ الأجمل عندما يقول أحدهم: {هتفت} لهم. والأظرف عندما يقول امرؤ: جاءني {هاتف}. أما الأخطر، والذي ما عاد يحدث، فهو القول {هتفت} مندداً. ولعلهم ليسوا قليلين، قبل وبعد اختراع "التلفون" (جهاز لا ذرّة لنا في اختراعه وابتكار لواحقه ولا إلكترون)، أولئك الذين يأتيهم هاتف بأمور تخامر أذهانهم... أو يخبرهم هاتف عن أمر ما سيحصل!! بالإضافة إلى الاصرار على استخدام كلمة "ألو" المخففة من "هِلو اللاتينية = مرحبا" وتكرارها حتى من جاعلي الغرب في أسفل سافلين!..
عملياً العامية لا تنتظر المجامع اللغوية، حتى يقر قرارها، بعد لأي، فهي عاجلاً تقيس أو تنحت الكلمات التي تلزمها، وما أسرع ما تشيع. (وما عليك سوى الاحتكاك بالصّناع والحرفيين) وأحياناً تَهديها سليقتها إلى مفردة أبلغ تعبيراً من تلك المعرّبة مجمعياً، ألا ترون أن مفردة "طيّارة" العامية سليمة بل أكثر تعبيراً إذ تفيد المبالغة في الطيران، وتُرِك اسم الطائرة للاستعمال الرسمي. عموماً تبقى مسألة الإرباك الناجم عن التقصير قائمة، بل تزداد حدّة، مع ازدياد الاكتشافات والاختراعات والابتكارات.&
لنلاحظ كلمتين، ليستا حديثتين، كثيرتا الاستخدام حالياً، الربيع والثورة.. وقد أُطلِقَت مفردة الربيع تأسياً بربيع براغ، مع تناسي، أو تجاهُل، أو ما شئت، كون ذاك الربيع قد دعسته الدبابات السوفييتية قبل أن تتفتح أزهاره، من جهتنا (وأقصد بنيتنا المجتمعية بمجملها) قصفنا أو هرسنا أو شتتنا براعم ما زعمناه ربيعاً، كلٌ بحسب بنيان وتاريخ البلد. ربما كشأننا المعتاد في القفز فوق سياقات القضايا باسم ما ندعوه أو نعدّه ثورة، إذ في غمرة الزحام على المطالبة بالحريّة والكرامة، نبقت المطالبة بالدولة المدنية! فهل ترى من طالبوا بها يرضَون بدولة المجتمع المدني؟ غير أنهما ضاعتا كلتاهما من خلال لمحات ربيع تشاكل مع خريف أنذر بسيول عكرة لشتاء أغبر... فتماثل ضياع المناداة بالحرية مع انعدام وصف الثورة عما جرى... إذ كيف تكون ثورة تحدد لك طريقين أحدهما يفرض عليك قواعد الإيمان وطريقة حكم البلد، والآخر يعمل على استئناف ما كان آنفاً، على أنه في كلا الحالين لن يكون لك،قطعاً، الخيار بين نموذجين سيرجح منهما الذي يحوز الريع الأعلى (الناتج المحلي الإجمالي).