كتَّاب إيلاف

الأعمى والمشلول

-
قراؤنا من مستخدمي تويتر
يمكنكم الآن متابعة آخر الأخبار مجاناً من خلال حسابنا على تويتر
إضغط هنا للإشتراك

&من وقائع الزمن الأوّل ؛ بولص ومخلص العراقيان ؛ الحكواتي وصديقُـهُ.

يزخر تاريخ العراق بكمٍ هائل من قصص المحبة والتآزر واللحمة بين أبنائه على اختلاف عقائدهم وأعراقهم وانتماءاتهم المذهبية او الدينية بل وصل الأمر ان يكون البيت الواحد يضمّ ألوان الطيف الاجتماعي، فالرجل منا لايتحرّج ابدا من اختيار رفيقة عمره ان كانت ليست من مذهبه او قوميته ويتصاهر مع ايّ احد يرى فيه الخلق الكريم ونقاء المنبت والمحتد وكثيرا مانرى أخوالنا وأعمامنا كردا او تركمانا او عربا بمذاهب شتى، لكن قلوبهم واحدة عدا عن اصدقائنا ومعارفنا ومحبينا الذين كنا لانعرف ان كانوا من هذه الملّة او تلك النِّحلة بقدر ما كان مقياس اختيارنا هو الخلق القويم وسعة الافق والنقاء في العلاقات المجتمعية.

في خاطري قصة لرجلين من العراق يسكنان البصرة تحديدا مازالت عالقة في مخيلتي حكاها لي جدّي تاجر التمور أواسط الخمسينات من القرن الماضي وأنا صغير دون السابعة من العمر يوم كان يزور البصرة أيام العهد العثماني ويشتري من مزارعها أجود التمر ليبيعه في أسواق الفرات الأوسط وفي بغداد ؛ يشحنها نهريا بالمراكب والسفن التي كانت تجوب دجلة والفرات وقتذاك.

كان جدي يقيم خلال سفراته الى الفيحاء عند صديقيه " بولص " المسيحي القزم الصغير المشلول ؛ اليتيم الأبوين منذ طفولته، هذا الفتى المضياف المتوقد الذهن ذو البصر والبصيرة الحادتين ومع كل هذه الرزايا وعجزه عن الحركة والمشي والنهوض بقي مرحا مستبشرا بالحياة ؛ فالمسكين المقعد لايبرح الأرض أبدا لكن خياله الخصب الطائر يجنح بعيدا ويبتكر قصصا غاية في التشويق والحبكة ليؤسر سامعيه.

اما الآخر فهو " مخلص " الأعمى المسلم الذي أصيب هو الآخر باليتم مبكّرا لكن الله جعله قويّا مفتول العضلات وابتلاه الله بكثرة النسيان وشيء من البلادة حتى انه لا يعرف طريقه الذي يسلكه يوميا. فالاثنان يعيشان معا في غرفة مستأجرة متحابين لايفترقان مطلقا كمن يكمّل احدهما الآخر، وفي كل صباح يقوم المسلم الأعمى الصلب البنية بحمل صديقه الضئيل المشلول على ظهرهِ ممسكا بعاتقهِ وعنقه وعيناه تراقبان الطريق بحذر شديد لئلا يعثران كي يدلّه وينبهه على الطريق القويم الأهون مسلكاً حتى يصلا الى عملهما بمكان واحد.

رجلان كسيح وأعمى ؛ كلٌ يؤدي دوره في معاونة صديقه، تحابّا وامتزجا روحيا وتساكنا وأنِسا بعضهما سوية وصارا قطعة واحدة في جسدين مثل كائنين سياميين ولكن روحيا.

كان بولص راويا للقصص في المقهى ( حكواتي ) كما يطلق عليه أهل الشام ويعتاش على ما تجود به أيدي الجالسين السامعين لقصصه المشوقة بما يمتلك من خيال خصب وبلاغة في التعبير والخطابة ويشدّ الأنظار والأسماع اليه بينما صديقه الحميم " مخلص " يقف مع عربته قرب المقهى ويبيع الباقلاء المسلوقة والحمص المعدّ مسبقا ويهيئ قِـدْره للزبائن والعابرين وعند حلول الظلام يعودان بولص ومخلص ليلا الى حماهما بما قسم الله لهما من رزق مقنع.

وفي كل سفرة كان جدي يفضّل ان يقيم معهما أياما حينما يزور البصرة ويضع ما في حوزته من الأموال الخاصة بتجارة التمور عندهما اذ كان يأتمنهما جدا مع انه كان بإمكانه ان يستأجر غرفة في نزلٍ ما وحده، وأهجس انه كان يستمتع ايضا بأقاصيص هذا ا.لضئيل الحلو اللسان في الليالي التي يقضيها الثلاثة معاً.

وفي ليلة شتاء باردة قضى " بولص " المسيحي نحبه فجأة ومن غير سقم سابق باستثناء شلله وعجزه المعتاد عليه وظلّ صاحبه " مخلص " معتكفا في غرفته أياما ولم يبرحها ؛ يبكي فقد صديقه الأوفى حتى توفي هو الآخر بعد اقل من شهر من رحيل صاحبه ؛ اذ لم يقدر ان يواصل حياته وحده كمن ضيّع جزءا مكمّلا له تغلغلَ في كل جوارحه وسرى في أوصال دمه، تماما مثلما نسمع دائما قصصا عن وفاء الكلاب لأصحابها وذبولها قرب القبر حتى تموت وتلحق بمالكها.

اجل هكذا كان العراقيون يعيشون حياتهم رغم الفقر المدقع ورزايا الأسقام والأوجاع والعوز والحرمان من الحاجات الضرورية مؤتلفين متحابين لايقوى احدهم على فراق صنوه وحميمه وان اختلفا عقيدة وعرقا ولونا

هذه القصة الحقيقية كما رواها جدّي والتي قفزتْ الى مخيلتي فجأة وأحببت ان أرويها لكم بلا ايّ تزويق تذكّرني بشخصيتَي مالك وعقيل الصديقين المؤتلفين وارتبطا بصداقة نزيهة في العصر الجاهلي بلا نوازع الطمع والأثرة

والمصالح الفردية في تراثنا العربي واللذَين يضرب المثل القائل بهما في المحبة النزيهة والوفاء المفرط اذ يقول المثل السائر: " صديقان لايفترقان مثل مالك وعقيل ".

أكاد أوقن ان مثل هذه الأواصر قد تفككت تماما الآن وان تلك المحبة التي نبتت في القلوب والأرواح قبلا قد يبست أغصانها وذبلت أوراقها ولا اعتقد انها ستعود يانعة أمام رياح السموم المحملّة بغبار الكراهية ؛ وأين من يرعاها ويسقيها أمام الجدب العائم فينا كسفينة هائمة في بحر متلاطم كُسِـر مقودها وجُنّ قائدها.

والخوف كلّ الخوف من التصحّر الذي سيحيق بأجيالنا المقبلة ان لم نبدأ من الان في إرواء أولادنا وأحفادنا ونجعل مساحات نفوسهم وعقولهم خضراء شاسعة.

&

جواد غلوم

&

jawadghalom@yahoo.com

&

التعليقات

جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
نعم تفككت
فول على طول -

نعم لقد تفككت هذة الأواصر الجميلة بعد تغلغل الدين الأعلى بين مواطنية ..الدين الأعلى سلب منهم الانسانية التى كانت سائدة قبل معرفتة ...زد على ذلك الطائفية والمذهبية أيضا بسبب الدين الأعلى ...الأمور واضحة . ربنا يشفي .

رماد التاريخ وجمره
فاتن نور -

كنت في فرقة الكشافة وفي يوم رفعة العلم ثلاث طالبات يقفن أمام الصارية من ثلاث ديانات...كان يبدو كل شيء جميلاً وقائماً على مبدأ المواطنة والتسامح والأخاء والتعايش الإنساني بأحلى صوره ومنه الصورة الرائعة التي تناولتها في مقالك الموسوم ..ولكن السؤال؛ هل كانت هذه اللحمة والحميمية راسخة ومتأصلة في كينونتنا الثقافية والمعرفية؟.. إذا كانت هي هكذا فعلاً؛ فلماذا تنهار من أول نفخة في رماد التاريخ ومن قبل دخيل أو غريب! ثمة فاصلة بين الرسوخ والركود.. وربما حالتنا تنتمي إلى صنف الحالات الراكدة في منازل اللاشعور.. وسرعان تُستحَث بمؤثر خارجي فتهتاج وتطفو إلى مسطحات الشعور..ما زلنا ومع الأسف عزيزي جواد، أو ما زال الكثير منا؛ يحمل ذاك الرماد وبعض جمرات باهتات من عمق الزمن.. تنتظر نفخة طيش... تحية الود والمطر

إشادة
أحمد فاضل -

أحسنت كاتبنا وشاعرنا القدير حينما أشرت في نهاية مقالتك هذه : والخوف كلّ الخوف من التصحّر الذي سيحيق بأجيالنا المقبلة ان لم نبدأ من الان في إرواء أولادنا وأحفادنا ونجعل مساحات نفوسهم وعقولهم خضراء شاسعة. وهو ما اريد ان أقوله هنا سيدي غلوم ، إذ الأجدر بمؤسساتنا التعليمية القيام بدور المرشد حتى تزول تلك الأفكار التي تحيق بمجتمعنا الذي عاش قرونا طويلة على المحبة والتسامح والإلفة ، نحن نريد لتلك الأواصر أن تكون قوية كما عهدناها من قبل وبذالك يتحقق للبلاد أمنها ورفاهيتها كما نشاهد ما عليه من مجتمعات أخرى تعيش على كوكبنا من رخاء وأمان بسبب تلك المحبة وذلك التعايش بين مختلف شرائحها ، تقديري العالي .

عصر الحديث
كوردي علماني -

وصل عصر الحديث حمل معهوالحقد و الكراهية و التفرقة و الحروب مقابل تكنولوجيا و المكائن و كثيرا من احتياجات حياتية وترك حطم كثير من قضايا و علاقات انسانية كانوا المجتمعات جميعاً لديهم منذ عصور قديمة شكراً استاذغلوم ,عذرا لأخطا ء لغوية

المسيحي الأعمى
شايل اليهودي المفتح -

القصة صحيحة لها رواية ثانية بطليها مسيحي اعمى ويهودي مفتح كان المسيحي هو اللي شايل اليهودي المشلول على كتفه ليدله على الطريق

انظر بتوع الدين الأدنى
ماذا تعلمهم كنيستهم -

مثلاً الكنيسة الارثوذوكسية الخائنة في مصر تعلم رعاياها ان الاخر كافر ولو كان مسيحي ما دام ليس ارثوذكسيا ؟! هذه ادبيات الكنيسة منتشرة على نطاق واسع في العظات وعلى اليوتيوب وفي مواقع الارثوذكس المختلفة في مصر والمهجر اليس تهديد المصريين بالابادة او التطهير العرقي او التنصير نوع من التكفير غير المباشر ؟! والام الارثوذكسية ترضع اولادها مع لبنها تكفير الاخر سواء كان مسلم مصري او من طائفة اخرى لا تلعب مع هؤلاء لا تصاحبهم ليه يا ماما لانهم كفار ؟! الأنبا مرقس يقول المسلم كافر واي مسيحي يعتقد غير ذلك فليس مسيحياً ؟! البابا شنوده : لا يجوز الترحم على غير المسيحي والكنيسه لا تسمح بالصلاه على المرتد ولا تترحم عليه الأنبا بيشوى يقول الطوائف الأخرى مش داخلين الملكوت او انهم غير مقبولين عند الرب ؟!! ,, ويقول انه سيتوقف عن مهاجمتهم ( لو قالوا احنا مش مسيحيين ) الأنبا بيشوي الأرثوذوكسي يكفّر الكاثوليك و البروتستانت ويقول : الى بيقولوا ان عباد الاصنام هيخشوا السما من غير ايمان بالمسيح دول ينفع اعتبر ان احنا ايماننا وايمانهم واحد,, ؟!! ويقول متى ان دى كارثه كبرى فى الكنيسه ان هى بتقول ان الى عايز يخش السما لازم يبقى ارثوذكسى ) الأنبا بيشوى : هو انا دلوقتى خدت حقوق ربنا وحكمت لما قولت ان غير الارثوذكس مش هيخشوا ملكوت السما ويقول انا محددتش اسم شخص بالتحديد .. الأنبا بيشوى - الأنبا بيشوى يسخر من متى لأنه يقول أن البروتستانت و الكاثوليك سيدخلون السما و يؤكد أن اللى عايز يدخل السما لازم يبقى أرثوذكسى الأنبا روفائيل : لن يدخل الجنة إلا الأرثوذكس !فقط ؟!! البابا شنودة يحرم تناول القربان من عند الكاثوليك ويقول : بنسمى التناول _حتى عند الكاثوليك_ بيسموها ( الشركه المقدسه ) فلذلك لابد للناس تكون متحده فى الايمان عشان يتناولوا من مذبح واحد قبل كده لا يجوز الأب بولس جورج , لا يجوز زواج الأرثوذكس من الطوائف المسيحيه الأخرى ؟! القمص بولس جورج يكفر الكاثوليك ويقول : لا يجوز التناول عندهم ؟!! بالختام نقول ان الارهاب الفكري الكنسي للمسلمين مرفوض ولينشغل كل مسيحي وكل ارثوذوكسي بمشاكله الشخصية او مشاكل طائفته او ما يحصل من بلاوي متلتله في كنايسه وفي قلايات رهبانه او بيته

الأخلاق الانسانية
خوليو -

ما جمع بولس ومخلص بطلا القصة الجميلة هي الأخلاق الانسانية ،، فمخلص الأعمى وبسبب فقد بصره،، لم تتلوث خلايا عقله بتراث عنصري يقسم الناس لمؤمن له ميزات عن غيره بسبب إيمانه فقط،، ولكافر او مشرك نجس موعود باشد العذابات في الارض وفي سماء الدين مهما كانت اخلاقه راقية ،، فبولص المشلول كان عينا مخلص الأعمى ،، لان الام الطبيعة تحن تلقائيا على اولادها ،، وما ان عاد بولس اليها،، حتى لحقه مخلص لان احدهما يكمل الاخر ،، نستنتج ان عقل الانسان يبقى صافياً ان لم يتعرض للتلوث الفكري بحياته ،، أصل الصداقة والتعايش هو في منع فيروسات التلوث من الوصول لخلايا العقل،، وهذا هو سر الحضارة الانسانية .